أزمة الكتاب المطبوع وتحديات دور النشر

تغزّل العلماء والأدباء قديمًا في حب الكتب، فمن أشهر ما قيل في حب الكتب وأعذبه ما درسناه في مراحلنا الابتدائية قصيدة أحمد شوقي التي في مطلعها:

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا لَم أَجِد لي وافِيًا إِلا الكِتابا

صاحِبٌ إِنْ عِبتَهُ أَو لَم تَعِبْ لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا

 

ومن الطريف الداعي للسخرية هنا أن نبدأ مقالنا هذا بتعريف الكتاب، فالكتاب هو مجموعة من الورق التي تحمل كلاما أو رسوما بين دفتين، الورق… نعم، فعماد الكتاب هو الورق، فالورق بعد اكتشاف تصنيعه أصبح الوعاء الذي يحمل العلم، والوسيلة التي تكون بانتشاره، وبالتالي ظهرت له سوقه الكبيرة في مختلف مراحل التاريخ، وظهرت مهنة عظيمة في التاريخ الإسلامي، مهنة الوراقة والنساخة، من يعنون بنسخ الكتب وبيعها وتداولها بين الناس، ونشأ بفضل هذه المهنة كثير من عظام التاريخ الإسلامي، أمثال ابن النديم 384هـ – 1047م صاحب كتاب الفهرست، والجغرافي الفَذّ ياقوت الحموي 622هـ 1225م صاحب كتاب معجم البلدان، وهؤلاء وغيرهم كانوا يعالجون مهنة الوراقة.

 

ظلت هذه المهنة محتفظة برونقها قديمًا، بكيفيتها المعروفة في النسخ بالحبر على الورقة قديما، حتى معرفة العالم لماكينة الطباعة، وقد دخلت الطباعة مصر على يد نابليون بونابرت سنة 1798، وكان الغرض من جلبه لهذه الماكينة طباعة دعاياته الكاذبة واستمالة المصريين من خلال هذه الدعايا، لهذا حينما خرجت الحملة الفرنسية أخذت ماكينة الطباعة معها، وظلت مصر دون طباعة عشرين سنة حتى أنشأ محمد علي واحدة أخرى المطبعة الشهيرة مطبعة بولاق سنة 1821، ورويدًا ورويدًا غزا العالم العربي والإسلامي الكتب المطبوعة، واختفت تماما المخطوطات التي تكتب بخط اليد لغرض نشرها بين الناس، بل أصبحت جزءً من التراث القديم الذي ينبغي الحفاظ عليه كبقية أجزاء التاريخ.

 

كثرت المطابع وتفنن طابعوها شرقا وغربا في إخراج الكتب، وسهلت المعلومة في أيدي الناس وسهل انتشارها بانتشار الكتاب، ولم يكن نشر الكتاب بالأمر المستحيل، رغم أنه كان صعبا يتم بعناء شديدٍ؛ ودعني أقتبس سطرين من العلامة العراقي جواد علي يتحدث عن نفسه وعن كتابيه الفريدين قائلا:

"وكتاباي هذان، هما عمل فردٍ عليه جمع المادة بنفسه، والسهر في تحريرها وتحبيرها، وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسّرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب، أو لاعتبارات أخرى، ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير ذلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه، ولولا الولع الذي يتحكم في المؤلفين في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب".

 

 

نستطيع أن نمس الحرارة التي في أسلوب جواد علي، هذه الحرارة التي نتجت عن كم معاناته مع مشروعه الذي سهر على تأليفه، وسعيه أن يرى هذا المشروع النور، ويتفاخر به كأحد أولاده، كل شيء يتعرض للتطور والتغير، والعصر الذي نعيش فيه نشهد فيه وتيرة سريعة جدا من التطور، وهذا لم يسلم منه مجال الكتب، فقد وصفنا آنفا بأن الكتب كانت هي وعاء العلم الأساسي، التي تحفظ المعلومة من الضياع، قيِّدوا العلم بالكتابة، كما قيل، لم يعد الأمر كذلك، أصبحت أوعية العلم متكاثرة وأسهل بكثير من الكتب، حتى تأخر في حقيقة الأمر الكتابُ وجاء في آخر الصف تماما، فاليوم إذا أردت أن تعرف ما معنى أي كلمة من الكلمات فأول ما يتبادر إلى ذهنك هو أن تبحث على الإنترنت، وحينها تجد الإجابة سريعا مرضية وكافية في كثير من الأحيان، أصبح الإنترنت هو البديل القوي للكتاب، خاصة في العشر سنوات الأخيرة، بعد دخول مواقع التواصل الاجتماعي هذا المعترَك والقضاء تقريبا على الورقة، لك أن تتخيل أن كل ما يكتب في ورق قديما، الآن يكتبه الباحثون على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

دخل الكتابُ بصفته المعروفة "مجموعة من الأوراق بين دفتين تحمل كلاما" في مرحلة أزمة حقيقية، بل أزمة وجود، لكن الكتاب حتى الآن لم يعترف بهزيمته، وهذا يذكرنا بتحول الأمر من المخطوط إلى المطبوع، فهل صمد المخطوط طويلا في تلك المرحلة هذا يحتاج إلى بحث، هل وقف العلماء ضد الطباعة واعتبروها أمرا غير مقبولا، يقال بأن هذا حدث، نشر الكتاب يتم عن طريق علاقة صالحة بين الناشر والكاتب يولد عنها الكتاب، وبسقوط سوق الكتاب تعرض الناشر إلى سقوط أيضا، وقد شهدنا اختفاء كثير من دور النشر التي ربحت أموالا كثيرة في عصر الازدهار، ومن هؤلاء من اعترف بالهزيمة تماما وتحول إلى مجال الإنترنت يمكن أن نذكر هنا الصحيفة البريطانية المشهورة The Independent، فكرت هذه الصحيفة بعملية شديدة وتوقفت تماما عن الطباعة الورقية سنة 2016 لتتحول إلى نسخة إلكترونية ليس أكثر.

 

هنا يتحتم عليَّ أن أقول بأن عالمنا العربي دائما يسعى أن يكون في المؤخرة، فبينما حركة التكنولوجيا متسارعة بوتيرة عالية جدا، نحن لا نفعل ولا حتى نشاهد ما يفعلون، وإذا ما أخذنا مشكلة سقوط سوق الطباعة كمثال على هذا، سنجد أننا لم نفعل شيئا حتى الآن حول هذا الأمر، وبالتالي الذي يقع في الأزمة هو الباحث الغلبان في كل أحواله ويريد أن يرى بحثه النور، فالناشر إما أن يعطيه وعودا ويماطل فيه كذبا، وإما أن يرفض، أما مسألة النشر فأصبحت من الصعوبة بمكان، والناشر من ناحية أخرى عنده بعض الحق، فالقرشان اللذان كانا يكسبهما في الماضي لم يعد يكسب ربعهما، لذا فكل دار نشر أصبحت تلجأ إلى المشاهير من الكتاب حتى تتقوت منهم على الأقل، مع العلم أن القراء لهؤلاء المشاهير أصبحوا قلة أيضا، فنحن جميعا نفضل الآن أن نشاهد فيديو مقطوعا منتشرا على مواقع التواصل الاجتماعية كي نصطنع عليه حربا وهمية، وندخل في صراع فارغ بالحجج والأدلة والبراهين، نفضل كل هذا على أن نجلس بهدوء وسكون وبين يدينا كتاب نقرأ فيه ونطالع.

 

 

إذاً ما الحل؟ هل قُضِي على سوق النشر والطباعة تمامًا؟

لا أستطيع أن أقول هذا، فالأمر مرتبطٌ بعدة عوامل، على رأسها نسبة القراءة في المحيط الذي يباع فيه الكتاب، ونحن للأسف نعاني من نقص حاد في القراءة لدى شقيقنا المواطن، وتوجد هنا أرقام مفزعة عن معدل نسبة القراءة لدى المواطن العربي، أنا في غنى عن نقلها هنا، لأننا نعلم ونشاهد جميعا أننا لا نقرأ، تحديات هذا العصر الذي نعيش فيه هي أكبر مما وصلنا إليه نحن بكثير، لذا يجب أن نتحرّك، فالرأسمالية التي تحكمنا تحركنا كما تشاء، وأصبح الإنسان منا لا يرضى بأي شيء، فالفيديو الذي يشاهده يكون جذابا ومهيئ وسريع حتى لا يأخذ وقتا كثيرًا من وقتنا الفارغ.

 

الناشرون الآن أصبحوا إما أن يكونوا هيئات علمية مسنودة من الدول أو ناشرين كبار قد صنعوا لهم اسما ورسما من قديم ويعيشون على هذا التراث، وينبغي عليهم الاستمرار حتى وإن كانوا لم يعودوا يكسبوا ما كانوا يكسبونه في السابق، العالم كله يسير نحو الانترنت، هل ينبغي علينا أن نتجه نحو هذا الاتجاه، أم نظل نتغزل في الكتاب تعزلا لا معنى له فتاة جميلة أحق به منه، ونجله إجلالا كاذبًا، أصبحت كثير من دور النشر في العالم تتجه نحو النشر الإلكتروني، أما نحن فلا نعرفه حتى الآن، لا زالت الأبحاث الجامعية في كثير من الأماكن لا تعترف إلا بالبحث المنشور، وتعد البحث المنشور إلكترونيا لا قيمة له، في حين أن أكبر جامعات العالم قد شقت طريقها في هذا المجال، فيا للشفقة!

 

الكتب أيضًا اتجه الكثير إلى نشرها إلكترونيا ونحن جالسون لا ندري عن هذا شيء، لا الناشرون الغلابة يريدون أن يدخلوا في هذا المجال ولا الكتاب الغلابة يعرفون شيئا عن هذا، تفاجئت من صديقي مؤخرا حينما حدثني عن بحثه الأكاديمي كيف دفع مبلغا كبيرًا كي ينشره في مجلة محكّمة، تطبع من نسختها خمسين نسخة كي توزّع على الناس، كل هذا وهم مقتنعون أن المجلة المحكمة إذا أتيحت على الفضاء الإلكتروني وجعل لها نظاما من التحكيم الشفاف، وعملية واضحة للتحكيم دون دفع أموال، ويراه الناس فيصلون إلى البحث بسهولة وينقضونه، كل هذا لا قيمة له، وتبقى القيمة للنسختين المطبوعتين اللتين توزع على رجلين اثنين أحدهما يعرف الآخر، يكرم بعضها البعض ويا للشفقة!!

اللهم أيقِظ عقولنا!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة