العلاج بالمعنى.. حين يتجاوز الانسان بعقله حدود السجن!

"إن الطريقة التي يتقبّل بها الإنسان قدره، ويتقبل بها كل ما يحمل من معاناة، والطريقة التي يواجه بها مِحنه، كل هذا يهيء له فرصة عظيمة -حتى في أحلك الظروف- لكي يضيف إلى حياته معنى أعمق" لعل هذه الفقرة تلخص رؤية التحليل النفسي الوجودي الذي طوره فيكتور فرانكل عالم النفس النمساوي الذي أسس ما يعرف بمدرسة فيينا الثالثة في العلاج النفسي بعد فرويد وأدلر.

 

يحكي فرنكل جانب من معاناته في معسكرات الاعتقال النازية لمدة ثلاث سنوات، حيث كان قاب قوسين أو أدنى من غرف الإعدام بالغاز التي تلقي فيها النفوس الإنسانية بلا رحمة، لكن كتبت له النجاة هو وقلة من أصحابه، أما الشيء الذي لم ينجو معه فهو تلك المخطوطة الأولية من كتاب له كان أدخلها معه إلى السجن إلى أن فقدها في ظروف التفتيش الذي كانوا يخضعون له، حيث يجردون من كل شيء ثمين يلبسونه، وخرج إلى الحياة ولم تخرج المخطوطة.

 

عرض فرنكل الخبرة التي أدت به إلى اكتشاف العلاج بالمعنى، وهي خبرة الاعتقال الذي وجد فيه نفسه عاريا من كل شيء، إذ سيكتشف أن والديه وزوجته وبعض أقاربه قد انتهى بهم الحال في أفران الغاز والمحرقات، لقد كان فراتكل وغيره من المعتقلين يعاملون كأرقام، لم تعد لهم أسماء داخل معتقل "الآشويتر" وغيره، كل واحد منهم يعرف عند الجلادين برقمه الذي يحمله معه أينما حل وارتحل، وهكذا وفرت هذه التجربة المأساوية له فرصة للتأمل في ردود أفعال الإنسان مع ظروف القهر والطغيان وانكاساتها على نفسيته وجسمه، وقد كان همه في كتابه "الإنسان يبحث عن المعنى" هو أن يجيب على سؤال: كيف كانت الحياة اليومية في معسكرات الاعتقال تنعكس في عقل السجين؟

 

لم يشتغل فرانكل بإشكالية كيف ننقذ ونُجنب الإنسان دروب المعاناة؟ إنها شيء طبيعي في الحياة، ولا يمكن لأي كان أن يتجنبها، وإنما كان التحدي هو كيف يجد الإنسان "معنى" لحياته وهو يمر بتجربة المعاناة؟ بالنسبة لفرانكل إن أعباء الحياة يمكن للإنسان أن يتحملها إذا ما تعلق ببعض المعاني السامية التي من خلالها يرتفع على واقعه ويسمو فوق مأساته، لاحظ فرانكل أن كل ردود أفعال السجناء في المعسكرات تمر بأطوار ثلاثة، الأول منها هو طور الصدمة، أي الفترة التي تعقب دخوله إلى السجن مباشرة، أما الطور الثاني فهو الفترة التي يكون فيها السجين قد اندمج مع حياته الجديدة في السجن، أما الطور الأخير فهو الذي يعقب إطلاق سراحه وتحرره، إن كل طور من الأطوار الثلاثة يتميز بخصائص سيكولوجية معينة.

في الطور الأول: يسيطر إحساس وهم الإبراء بالنزلاء الجدد، فهم لم يستوعبوا بعد أنهم دخلوا حياة القسوة والمعاناة ولم يصدقوا بعد الواقع الجديد، لذلك كان أملهم أن يأتي أحد ما وينتشلهم من الواقع المؤلم، لكن هيهات، هذا الواقع الذي أصبحوا فيه عراة، لا يمتلكون إلا وجودهم المتعري، رغم أنهم مع الوقت أيقنوا أنهم قادرون على تحمل أمورا لم يخطر على بالهم أن الإنسان قادر على تحملها! ولعل الذي يوضح فكرة المعنى ودورها في جعل الإنسان يواجه حياة القسوة والألم، هو فكرة الإقدام على الانتحار عن طريق لمس الأسلاك الكهربائية، إن الغالبية من السجناء لم يستسلموا وأمنوا أنه مازالت هناك أشياء يتعلقون بها وتربطهم بالحياة، لقد كانوا يعيشون مع الأمل!

 

مع الوقت يدخل السجناء في الطور الثاني؛ وهو طور البلادة واللامبالات، وهذه الحالة نتاج أسباب مادية عديدة منها نقص النوم والجوع الشديد.. وأسباب أخرى عقلية أسوئها عقدة الشعور بالنقص عند السجناء الذين تحولوا إلى أشياء نكرة، إلى مجرد أرقام لا قيمة لها، في هذا الطور؛ حتى غرف الإعدام بالغاز لم تعد لها أية قيمة في أعين السجناء، رغم أنهم يشاهدون كل يوم من يلقى إلى المحارق ويعدم، لكن مشاعرهم أضحت متبلدة إزاءها، لم يعد السجين يصدر أي رد فعل اتجاه واقعه البئيس، إلا أن البلادة كانت أهم ميكانيزم للدفاع عن الذات وحمايتها في هذه الظروف، إن غريزة الحفاظ عن الحياة هي التي تشتغل الآن لا غيرها.

 

ومما هو جدير بالذكر هنا هو السجناء عاشوا ما سماه فرانكل بـ "السبات الثقافي" وهذا شيء طبيعي في حياة الاعتقال والأعمال الشاقة، لكن كانوا يتعاطون بعضا من السياسة والدين، أما السياسة فلأنهم غالبا ما كانوا يناقشون الإشاعات المتعلقة بمعسكرات الاعتقال، أما الدين فقد عبر غالبية السجناء عن اهتمامات دينية بل وممارسات لبعض الشعائر في بعض جوانب غرف الاعتقال! إن حياة الانحطاط الجسمي والنفسي لم تمنع من تعميق الجانب الروحي عند السجناء، لقد اكتشفوا أنه هو الذي يعطيهم ثراء داخليا فقدوه في واقعهم.

 

يمكن اعتبار تجربة الحب كمثال على ما يعطي للحياة معنى، يقول فرانكل: "لقد فهمت كيف أن الإنسان الذي لم يبق له شيء في هذه الدنيا لا يزال يعرف السعادة، ولكن للحظة قصيرة جدا من التأمل والتفكير في المحبوب" لكن ليس الحب وحده فقط هو ما يعطي للحياة معنى، هناك أيضا تجربة الإحساس بالجمال، من خلال التأمل في جمال الطبيعة الغناء بمروجها وأزهارها وجبالها الشاهقة، إن الجمال يمكن أن نعثر عليه أيضا في الفن والموسيقى والشعر..إلخ، إن الإنسان في نظر فرانكل يمتلك مقدرة على تجاوز محيطه وبيئته، وظروف المادية مهما كانت قاسية وشديدة، فرغم القسوة؛ يبقى للإنسان الحرية في اختيار أفعاله، فكل شيء يمكن التغلب عليه، وفرانكل هنا شأنه كشأن الوجوديين يضعون الإنسان أمام مسؤوليته الخاصة، فهو أعرف الناس بما يحتاج وما يريد، وهو أقدر وأجدر بأن يعطي لحياته المعنى الذي يناسبه.

 

في الطور الثالث الأخير وهو سيكولوجيا السجين بعد الإفراج عنه، نجد أول رد فعل عند السجين الذي أصبح حرا طليقا، هو فقده الشعور الإحساس بالسرور، حتى إن كل شيء يبدو وكأنه غير حقيقي، وكأنه يعيش في حلم، لكن السجناء الآن مهددون بخبرتين قد تهددان شخصياتهم، الأولى هي النزوع إلى التصرف بقسوة مع المحيط، والثانية هي التحرر من وهم المعاناة، التي يجدها مستمرة في حتى خارج الاعتقال، إن هدف العلاج بالمعنى هو تبصرة الإنسان إلى قوته الداخلية العظيمة التي لا تقهر؛ والتي تجعله يتسامى عن واقعه وظروفه أيا كانت طبيعتها، وتجعله يتطلع إلى هدف ما هناك… في المستقبل، فإلى أي حد يمكن أن نعطي لحياتنا معنى في زمن كورونا؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة