ما هو دور المدرسة والجامعة بالأساس؟

يُشكل التعليم منطلقاً أساسياً في أي عمل إنساني نبيل، ومن هنا كان دوره مركزيا في حياة بني البشر، وقد برهن التاريخ على أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يُعلم ويتعلم يعطي ويأخذ، ومن هذا المنطلق أصبحت حاجتنا ملحة لحيز مادي يفرغ فيه هذا الإنسان رغبته هاته في التعلم والتعليم، فظهرت مؤسسات تعرف تحت اسم المدرسة والجامعة، وفي هذا الصدد يحق لنا أن نتساءل ماهو الدور الذي تلعبه المدرسة والجامعة في مجتمعاتنا؟ وهل لها ضرورة واقعية أم أنها مجرد ترف فكري ومضيعة للمال والجهد ؟

 

تحتل المؤسسة التعليمية مكانة محترمة في كل مجتمع يسعى إلى التطور والتقدم، وذلك لارتباطها بحاجات الإنسان وطموحاته التي تلاقحت في فكره وأراد تجسيدها في واقعه، فهي تعبر إذا عن الرؤى والمشاريع الكبرى في طريقة التعامل مع الحياة ومشاقها وحل مشكلاتها المستعصية، يرى بعضهم إمكانية قيام مجتمع بلا مدرسة، فهي لا تعدو في نظرهم سوى مؤسسة لترسيخ الصراع الطبقي وإنتاج التراتبية نفسها وتدجين الفرد، ونجد هذا في كتابات الفيلسوف والناقد إيفان إليش وغيره من المنظرين لتيار اللامدرسيون. فهل يمكن أن نتصور المجتمعات الحديثة بلا مدارس؟ وهل الوظيفة التي تؤديها المدرسة يمكن الاستغناء عنها بهذه السهولة؟

 

تكمن أهمية كلا من المدرسة والجامعة أولا في تربية الإنسان وتحضيره، أي إخراجه من طور الحيوانية إلى طور الإنسانية، لهذا اعتبر بعضهم أن الانسان كائن قيمي لابد له من التربية الأخلاقية لكي يحقق بها إنسانيته، فالمؤسسة التعليمية إلى جانب الأسرة هي التي تُكسب الفرد قيماً حضارية عالية تمكنه من الاندماج والارتقاء الاجتماعي، ثاني هذه الأمور التي تتكفل المؤسسات التعليمية بها هي تثبيت العلم والثقافة واجتثات الجهل والأمية، وفيها يتعلم التلميذ والطالب كيف يقرأ ويكتب، وكيف يحسب ويرسم، وكيف يحلل ويستنتج؛ لهذا إذا أردنا أن نختصر عملية التعليم نقول: لا تعطيني سمكة لكن علمني كيف أصطادها، وهي باختصار معرفة ومنهج وسلوك.

 

وقد يتمكن الإنسان من تحصيل المعرفة والثقافة خارج المؤسسات التعليمية عن طريق مطالعة العديد من الكتب وقراءة الكثير من المقالات والمجلات، لكن الفارق الذي تصنعه المدرسة والجامعة هو إمداد المتعلم بالمنهج الذي يمكنه من تحصيل المعرفة حسب قدراته وبطريقة متدرجة ومحكمة؛ وفي هذا وقاية له من التشتت والعشوائية وتسهيلا لعملية التعلم، وبعد تربية هذا الإنسان وتعليمه، وهو الدور التقليدي لكل مؤسسة تعليمية يأتي تفعيل ذلك بعد تخرجه من المدرسة والجامعة ليكون إنساناً فاعلاً في بيئته صالحاً مصلحاً لغيره؛ لأن المدرسة والجامعة هي القطب المسير للمجتمع لا العكس، ويتجلى هذا في استبدال المعرفة العامية بالمعرفة العلمية، وبهذا يمكن أن نصل إلى مجتمع المعرفة، أي المجتمع القائم على الإبداع والتفكير الناقد.

 

 

في المجتمعات البدائية القديمة لم تكن هناك حاجة إلى مدارس وجامعات، وهذا راجع لطبيعة هاته المجتمعات القائمة على الزراعة والتجارة والرعي، أما في المجتمع الحديث وبعد الثورة العلمية والصناعية ظهرت الحاجة إلى المدارس والجامعات، وبالتالي الحاجة إلى أطر وباحثين وخبراء ومتخصصين في قطاعات متعددة، أي أننا تجاوزنا مفهوم التعلم السفسطائي القائم على الجدل ونقد النقد والأسلوب الخطابي الرنان، بل ارتبط التعلم بالعمل والإنتاجية وبناء الحضارة، لذلك أضحت المدرسة والجامعة هي المصنع الوحيد لهذه الأطر، ومنها نصنع الأستاذ والطبيب والمهندس والفقيه والرياضي والصحفي والقاضي والمحامي… الخ.

 

نفهم من هذا أن الدور الأساسي المنوط بالمدرسة والجامعة هو تأهيل الأفراد للحياة العملية وفق غايات المجتمع، فهذا الأخير يحتاج عدداً من التقنين لإصلاح كهرباء الشوارع، كما يحتاج الحلاق لقص الشعور، وكل هذا لا يمكن أن نحصل عليه من خارج المدرسة أو التكوين الممنهج، لذلك تعد كلتا المؤسستين محركاً للاقتصاد وجالباً لليد العاملة في قطاعات مختلفة، وهنا يرتبط العلم بالعمل، وبهذا يمكن أن نتجنب الحصول على أفراد متعلمين أصحاب شواهد عالية دون فعالية اجتماعية وتأثير واقعي ملموس.

 

إن دور المدرسة والجامعة أساسي ومهم في المجتمعات الحاضرة، وهو نابع من رغبة هذا الإنسان في اكتشاف الكون وفتح مغاليقه والسعي لإعمار الأرض، لذلك فرضية مجتمع دون مدرسة تبقى فرضية حالمة وبعيدة عن الواقع المعاش، فالمدرسة ظهرت لأسباب موضوعية، كما أنها مرتبطة ارتباطاً شديداً بمفهوم الدولة الحديثة القائمة على مجموعة من المؤسسات خلاف المجتمعات القديمة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة