أوروبا الهشة.. كيف أعاد فيروس كورونا تعريف القومية؟

لطالما مهدت الأحداث الكبرى لكثير من التحولات في مسارات الفكر الإنساني مولدة ظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية سواء اتسقت في بعض سياقاتها مع تلك الأحداث أو مثلت رد فعل معاكس لها في أحيان أخرى، فهل يقود التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد اليوم إلى إعادة بعث ما يطلق عليه "القومية الطبية"؟؟

 

ارتبط هذا المفهوم في الولايات المتحدة الأمريكية بالنضال النقابي لمواجهة التمييز العنصري بحسب لون البشرة في جمعيات الأطباء ومؤسساتهم النقابية، وتناولته بعض الدراسات الأوروبية كشكل من أشكال النظرة الدونيّة للعاملين في القطاعات الطبية الذين قدموا من دول العالم الثالث للعمل في المؤسسات الطبية للاتحاد الأوروبي، لكن تعامل دول العالم مع جائحة فيروس كورونا واستعداداتها لما بعده تعيد هذا التعريف على الأسس المصلحة الصرفة.

 

تقدم العلوم الإنسانية تفسيرات مختلفة للانسجام بين الأفراد في بوتقة المجتمع الواحد، لكنها تضع في أساس كافة تلك التفسيرات دوما التماثل في العرق أو اللغة أو الدين بحيث يحمل كل فريق من الناس يتشابهون في واحد منها على الأقل صفة "القوم".  ووفقا لذلك فإن فكرة القومية بمفهومها التقليدي لا تلقى تباينا عند إيقاعها على فهم المجتمعات بقدر الاختلاف في فهم القوميات التي تنشأ على قواعد طارئة قد تفرضها ظروف المتغيرات سياسية كانت أو اجتماعية واقتصادية أو حتى ما تعلق منها بالكوارث الطبيعية أو التي حدثت بيد البشر، هذا التباين يقود بلا ريب إلى اختلافات عريضة في بناء الموقف من مفهوم القومية كنظام تؤسَسُ عليه البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى قيم المجتمعات وثقافتها وأخلاقياتها.

 

فعبر التاريخ عجزت كثير من النظم القيمية أو الثقافات والأيديولوجيات السياسية والفكرية عن تعويض عوامل تشكيل القومية، كان ذلك مثلا أحد أسباب السقوط المريع للاتحاد السوفيتي وأمثاله من منظومات الدول الاشتراكية التي عمرت معظم عقود القرن العشرين وهي تتمحور حول مركز الفكرة الشيوعية على حساب انتماءات الشعوب الجهوية. أما في العالم الغربي، فقد بنيت فكرة القومية إلى حد كبير على مبادئ "المواطنة العادلة" الذي أفرزته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، ومن هنا تجسد الصراع بين مفهوم القومية والملكية على أسس الاختلاف في نظرة كل منهما لمبادئ المواطنة.

 

وسرعان ما تناقض الفكر القومي الأوروبي مع شعارات "المارسلييز" النشيد الوطني الفرنسي المنسوب إلى الثورة التي انطلقت من الجنوب الفرنسي "من مرسيليا" حيث نادت الأخيرة بالمساواة ضمن شعاراتها الجارفة، مساواة داخل حدود الوطن ومساواة بين الناس في متعدد الأقطار بما لا يتفق مع منطق القومية التي تعلي من شأن الجماعة الواحدة وتقدس حقها في تحقيق مصالحها إلى حد الميكيافيلية، لقد مهدت شعارات المساواة التي ولدت مع الثورة الفرنسية الطريق إضافة لعوامل أخرى بالتأكيد لنزعة الاندماج والتكتل التي شهدتها أوروبا على أنقاض صعود القوميات بعدما هشمتها الحرب العالمية الثانية، وقد بدأت نزعة الاندماج تلك تؤتي أكلها بتوقيع 6 دول من القارة العجوز اتفاقية روما لتأسيس السوق الأوروبية المشتركة عام 1957 ثم توسعت تدريجيا لتشكل الاتحاد الأوروبي الذي نعرفه اليوم عبر سلسلة اتفاقيات أهمها اتفاقية "شينغن" لفتح الحدود بين دول الاتحاد في لوكسومبورغ عام 1990.

 

 

ملكت ثمار الانفتاح الغربية المتمثلة بالرخاء الاقتصادي والحرية الفردية قوة جذب لم يعادلها إلا قوة قبضة السوفيات، لكن العالم سرعان ما فقد توازنه بسقوط "العلم الأحمر"، فسرى شرق أوروبا وما جاوره بقطع من الليل قاصدا الغرب الذي لم يكن متوحشاً في يوم من الأيام كما كان بعد ثلاث عقود في تعامله مع أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد. كانت "المصلحة" هي الحادي الوحيد لكافة الدول في مسعاها للاقتراب من الغرب الصاعد، وحاولت تأسيس مصالح مشتركة معه ترجمتها عبر اتفاقيات اقتصادية وعسكرية وأمنية وصحية وبيئية وبروتوكولات تعاون في مجالات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، حتى كادت هذه المصالح تفرض نفسها جنبا إلى جنب قواعد القوميات لولا جائحة فيروس كورونا الذي أعاد لمعايير القوميات اعتبارها، فكيف كان ذلك؟؟

 

دعوكم من إبادة رجل القرن الأبيض في أمريكا للهنود الحمر الذين قدرت بعض المصادر عدد قتلاهم بأكثر من 130 مليونًا، ودعوكم من استعباد القارتين السمراء والصفراء ولندع قنبلة هيروشيما وحرائق النابالم في فيتنام جانبا فهذا تاريخ بعيد، ولنترك جرائم الاستعمار الغربي في العقود الثلاث الأخيرة في فلسطين وأفغانستان والعراق ومالي والصومال وغيرها فالبعض يرى أن "الصراعات تبيح المحظورات"، وانظروا فقط إلى هذه العناوين المسجلة في أيام الجائحة:-

 

–  ألمانيا تتهم الولايات المتحدة الأمريكية بالاستيلاء على 200 ألف كمامة اشترتها ولاية برلين من تايلند لمواجهة الوباء.

–  واشنطن تحصل على شحنات كمامات صينية كانت في طريقها إلى ثلاث ولايات فرنسية.

–  شركة طبية سويدية تتهم باريس بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية التي كانت في طريقها من الصين إلى إيطاليا وإسبانيا.

–  وسطاء روس وأمريكيون وفرنسيون يشترون شحنات معدات طبية كانت تصنع في الصين لصالح أوكرانيا.

–  تاجر ألماني كبير يشتري كمامات صينية تم انتاجها لصالح سلوفاكيا.

–  التشيك تشتري آلاف الكمامات التي كانت في طريقها من الصين لإيطاليا.

 

بماذا تخبرنا هذه العناوين؟؟

1- في سبيل التطبب الوقائي من فيروس "كوفيد 19” القوة الأولى في حلف شمال الأطلسي "أمريكا" تمارس القرصنة على القوة الثانية فيه "ألمانيا".

٢- لذات السبب أيضا، الشركاء في الاتحاد الأوروبي لم يجدوا غضاضة في شراء صفقات شركائهم.

٣- الصين تسلِّم من يملك "الكاش" وتعطي الأولوية لمن دفع.

 

لقد أعادت تجارة المعدات الطبية الخاصة بالوقاية من فيروس "كوفيد 19” إنتاج تعريف القومية بمفهومها المصلحي داخل الحدود بأوضح الصور، هي ذات القومية القائمة على حفظ مصالح الشعب أو الأمة وما يراه القوميون حقا حصريا لذواتهم في السيطرة على أي شعب آخر أو أمة ثانية للتعبير عن تفوقهم، ومن هذه الزاوية قدم هانز كوهين عام 1957 رؤيته التأصيلية لجوهر الفرق بين القومية والوطنية.

 

خلق هذا الفهم الاحتكاري للمصالح دوافع جديدة لإعادة انتاج فهم القومية، تجلت في التنافس المحموم بين الدول المتقدمة على صنع اللقاح للفيروس وكل منها تأمل أن تمنح المنتج الجديد هويتها القومية، هذا الفهم وصل إلى حد التناقض بين شعارات فرنسا الحديثة عن المساواة من جهة والدهشة التي علت وجه رئيسها إيمانويل ماكرون وهو يتعرف إلى الجنسيات العربية والإفريقية الغالبة على تكوين الفريق الطبي الذي يعمل مع البروفسور راؤول ديدييه في مرسيليا لتطوير لقاح لفيروس كوفيد 19 من جهة أخرى.

 

وهذا الفرق هو ذاته الذي حملته الطائرات التركية مع المعونات والمعدات الطبية التي أرسلت مجاناً إلى إيطاليا وإسبانيا وصربيا ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفا والصومال والولايات المتحدة الأمريكية، لقد بنى الأتراك مجددا دولتهم خارج منظومة الغرب ولقنوا الاتحاد الأوروبي الذي فشل أمام اختبار الجائحة درسا في تفوق منظومتهم القيمية عليه وهم الذين ينتمون لأمة تؤمن أن أي أهل عرصة بات فيهم امرء جائعا فقد برأت منهم ذمة الله.

 

أعاد فيروس كورونا ومن بوابة المعدات الطبية عهد القوميات إلى سيرته الأولى فغابت قواعد التجارة الدولية وأنظمة العلاقات في التكتلات، وبالتأكيد لم تترك الحاجة للطب أي فرصة لمبادئ الأخلاقيات ولا لقيم المجتمعات إلا ما بني منها على أصول ثابتة، وإذا كان بعض المفكرين يخشون من أن تعيد الجائحة العالم إلى عصور ما قبل الدولة، فإن ممارسات كثير من الحكومات الغربية قد أدخلته فعلا عصر "القومية الطبية" التي لا يعلو فيها صوت على شعار "أنا ومن بعدي الطوفان".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة