لماذا يغيبون دور الحضارة الإسلامية في تطوير المعارف والمكتبات؟

وأنا أعمل على إنجاز مشروع بحث أكاديمي بالإنجليزية، بلغت بابا عنيت فيه بالبحث عن أعظم المكتبات في التاريخ ومن صنعها وصنعته من أمم، فأتيت على الكثير من الكتب بالإنجليزية تعمد كتابها تغييب الحضارة الإسلامية وما زخرت به من مكتبات يدين العالم لها إلى الآن بالكثير من العلم والمعرفة، وأكثر من هذا كانت كل هذه الكتب تحاول باستماتة أن تثبت أكذوبة أمر عمر بن الخطاب بحرق مكتبة الإسكندرية، ومن يطالع في هذا الأمر يجد أن من يزعمون بهذا لا دليل في أيديهم ومن يكذبون هذا الزعم كثر من المستشرقين والمفكرين الغربيين أنفسهم يقدمون أدلة دامغة على لامعقولية هذه المزاعم.

 

ليس هذا حديثنا ولكن ما أحدثكم عنه هو المحاولة الواضحة لهؤلاء الكتاب أن يغيبوا دور الحضارة الاسلامية في تطوير المعارف وبناء المكتبات وبالمقابل إلصاق تهمة محاربة الكتب بها، ثم إني طفقت أبحث أكثر في المكتبات العظيمة عبر التاريخ وكي لا أقع في خطأ النهل من ينبوع واحد وهو الكتب الغربية، خصوصا أن ملكتي النقدية التمست في الكثير منها لا موضوعية واضحة.

 

انتقلت للبحث في المراجع العربية، وبينما كنت أقرأ عن مكتبة دار الحكمة ببغداد، وجدت أن أشهر ما كتب فيها هو كون الترجمة في عصرها بلغت مبلغا عظيما لم يسبق له مثيل من قبل، فكان للمكتبة نفر خاص من المترجمين يتسابقون إلى ترجمة الكتب والمخطوطات اليونانية والفارسية وغيرها مما ينسب إلى الحضارات المجاورة رغم أن هذه المخطوطات والكتب ربما في كثير من الأحيان لم توافق معتقداتهم وتفكيرهم، وكثير من هذه المخطوطات يدين خلودها إلى الآن للحضارة الإسلامية ومكتبتها دار الحكمة بمترجميها أن نقلوها إلى اللغة العربية ومنحوها عمرا جديدا حتى تداولها المفكرون المسلمون وعاشت إلى يومنا هذا، وربما لم تكن لتلقى نفس المصير لو أنها ضلت حبيسة لغتها الأصلية.

 

هذا الموقف استوقفني وشغل فكري لأيام، وفكرت كيف أن الموضوعية وحب المعرفة والعلم دفع أشخاصا في القرن العاشر إلى ترجمة كتب ومخطوطات حضارات كانت تعد غريما لهم حتى خلدتها وحفظتها إرثا بشريا للعالم بأسره، وفي المقابل أجد كتابا معاصرون في قرننا الواحد والعشرين هذا يغيبون تاريخا مشرفا لمساهمة المسلمين في تطوير العلوم وتمجيد المكتبات والكتب تلبية لرغبة نفسية دفينة في احتقار الحضارة الإسلامية، وأنا هنا لا أعمم فقد أسلفت الذكر بأن الكثيرين منهم منعهم ضمير الباحث النزيه عن الوقوع في هذه التخبطات وأذكر منهم ويل ديورانت وغوستاف لوبون.

 

blogs مكتبة

لكن كثرة المقالات والبحوث التي وجدت فيها المزاعم التي تتهم المسلمين بتدمير مكتبة الإسكندرية كانت كثيرة مقارنة بالتي تناولت الموضوع بالحياد والموضوعية التي تستوجب تقديم أدلة تاريخية واضحة ومراجع موثوقة، والكثرة تغلب إذا غاب البحث والتمحيص، والأدهى من هذا هو قلة الكتب الإنجليزية التي تؤرخ للمساهمة المهمة للمسلمين في عالم الكتب والمكتبات والمعرفة، ولعل هذا راجع إلى قلة اهتمام المسلمين والعرب بترجمة تاريخهم الموثق والمشرف إلى اللغات العالمية، وهذا يبدو للوهلة الأولى أمرا عاديا فالتاريخ يكتبه المنتصرون، إلى أن نقتحم كتبهم فنجد تغييبا وأحيانا تخريبا واضحي المعالم لأحداث تاريخية تخصنا يستحق كل بشري أن يعرفها كما هي ودون تحيز لأي انتماء إثني أو ديني. فتنتقل القضية من مجرد تغييب لتاريخ أمة من الأمم إلى تلاعب واضح بالإرث التاريخي للبشرية جمعاء.

 

المهم في الأمر هنا ليس هو اتخاذ وضعية الدفاع اليائسة المعهودة، ولكن هو مزاحمة اللاموضوعية بالموضوعية، والباطل بالحق، والتدليس بالتبيين حتى تتضح الملامح الممحوة للصورة، والأهم من هذا هو اقتحام لغتهم كما اقتحموا لغتنا فنعيد كتابة ما كتبوه بلغتنا ونحاوره بالحجة والدليل ونترجمه للغتهم وكل هذا بالقلم، فمن يحاربك بالقلم لا يصح أن تحاربه باللغو والكلام الفارغ، ومن يكتب فيك بالحجة لا يستحق إلا أن تقيم عليه الحجة بالكتابة حتى لا نُتهم باطلا ونحن غائبون، فترك الكرسي فارغا كلفنا ولا زال يكلفنا الكثير، نحن الذين تخلينا عن أول فرض في ديننا "اقرأ" وعن ما نهجه أسلافنا من حب العلم والمعرفة والتبحر فيهما وكتابتهما وأيضا ترجمتهما حتى لا ينقطع الحبل الذي يربطهم ببقية سكان العالم. والحاصل أننا ندفع ثمن هذا التخلي يوما بعد يوم، حتى كتبوا لنا تاريخا مزيفا ولقنونا إياه وصدقناه دونما نقد، وما أسوء ألا يتعرف المرء على نفسه فما بالك بالأمم.

 

والمسؤولية تقع هنا بالدرجة الأولى على مترجمينا وكتابنا ومفكرينا، فكيف يصح أن نشكو دائما النظرة الدونية التي صار الناس ينظرون بها إلينا، والمذلة واعتداءات الإسلاموفوبيا والعنصرية العرقية التي يتعرض لها كثيرون منا حول العالم اليوم ونحن لا نحرك ساكنا لتغيير هذا الواقع، والتغيير يبدأ بفكرة والفكرة الحقة تكسر الفكرة الباطلة في العقول والخواطر أولا ثم تترجم تصرفات ومعاملات على أرض الواقع، ولو أن الأمر يتوقف عند مجرد غياب التعريف بأنفسنا عند الآخرين لكان هينا ولكنه يتجاوز هذا إلى حضور تعريفات مزيفة وخاطئة عنا في الساحة وهذا رأس البلاء لأنها تقع موقع الحقيقة عند الكثير من الناس الذين لا يعلمون عنا شيئا وكرسينا في أدمغتهم شاغر تماما.

 

إننا نعيش في عصر حروبه مختلفة، والقعود لتلقي الضربات ثم التفرغ للنحيب والاستمتاع بدور الضحية ما عاد أمرا ممكنا ولا مقبولا ولا حتى واقعيا، وصار من الواضح جدا أننا بحاجة للحركة، والحركة في معارك اليوم تستوجب اختيار الأسلحة بدقة، فلا يصح أن تشهر سيفا في ساحة مليئة بالدبابات، وكذلك لا يصح أن نقاوم غزوات اليوم بأساليب ساذجة فالأسلوب صار أهم من الفكرة المراد إيصالها، وكم من فكرة عظيمة تعثرت في خطواتها الأُوَل لأن الأسلوب الذي طرحت به ركيك ومبتذل، وكم من فكرة تافهة بلغت مبلغها لأنها طرحت بأسلوب جذاب وملفت، وهذا إن دل على شيء فيدل على ضرورة اختيار أساليبنا بحذر شديد، القلم بالقلم والمقال بالمقال والكتاب بالكتاب والفيلم بالفيلم والتحقيق بالتحقيق والحجة بالحجة والبادي بالترجمة يسود، فالترجمة هي جسرنا إلى التفاهم مع الآخر، وصاحب الحق يسود أيضا فحين تحضر الحجج من كل الأطراف دون غياب أي منها، لا يُخاف حينها على العقل البشري أن يزل، فالمنطق ينصف الفكرة الحقة ويميزها حتما إذا طرحت، فلنطرحها إذن.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة