"الساعة الخامسة والعشرون".. الرواية التي تسرد انهيار الإنسانية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية

ميدان – رواية الساعة الخامسة والعشرون تصميم 2222

ناقش قسطنطين جيورجيو في روايته الساعة الخامسة والعشرون مجموعة من القضايا التي تخص الإنسان ومصيره المحفوف بالغموض، خصوصا في فترة الحرب العالمية الثانية، حيث أشار إلى أن المخلوقات البشرية صارت مرغمة على الحياة والتصرف، وفق قوانين تقنية غريبة عن القوانين الإنسانية، وهذا ما سيدفع البشر إلى التخلي مع مرور الوقت عن أحاسيسهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وسيقلدون العبيد التقنيين في هذه العلاقات؛ في الإدارة وفنون النقش والرسم والأدب والرقص. ورغم كل ما سيبدله البشر لمضاهاة العبيد التقنيين، إلا أنهم لن يستطيعوا أن يتحولوا إلى آلات، ذلك أن الاصطدام الذي وقع بين الحقيقة الآلية والحقيقة البشرية، سيؤدي إلى انتصار العبد التقني، مما سيدفع العبد التقني ليصير مواطنا آليا في مجتمعنا، وستصبح الكائنات البشرية بروليتاريا مجتمع منظم حسب حاجات الأكثرية الساحقة من المواطنين الآليين.

 

وهذا ينذر بثورة سيخسرها البشر لفائدة العبيد الآليين، مما سيفقد البشر طابعهم البشري. ولعل هذا العصر كما وصفه الكاتب هو الفترة الأكثر ظلمة في تاريخ البشرية، لأن الإنسان صار محتقرا أكثر من أي وقت مضى، وإذا كانت التضحية الإنسانية شيء مألوف، فإنها في المجتمع العصري، لم تعد جديرة بالذكر أو بالتنويه، بل صارت مبتذلة، ولم تعد للحياة البشرية أية قيمة، إلا بوصفها مصدر حركة، والقياسات أضحت علمية محضة، وهذا هو قانون بربريتنا الآلية المظلمة على حد تعبير الكاتب.

 

لقد فقد الإنسان إنسانيته بشكل مخجل، فتحول إلى مجرد مقياس ذي قيمة آلية-اجتماعية، وبالتالي قد صار معرضا لأي شيء، كالقيام بأعمال شاقة، أو أن يستأصل عرقه، أو أن يرغم على مزاولة أعمال معينة، سواء أكان ذلك لتحسين العرق أو لأهداف أخرى ضرورية للمجتمع الآلي، دون أي اعتبار لشخصه. وكتب قسطنطين يقول: "المجتمع التقني يعمل حصرا تبعا لنظرية تقنية مستعملا المجردات، والخطط فقط، مستهدفا معيارا واحدا هو الإنتاج". وقد تنبأ الكاتب أن الإنسان سيصبح مغلولا خلال سنين طويلة في المجتمع التقني، ولكنه لن يموت في الأغلال، ذلك أن المجتمع التقني قادر على ابتداع رفاهية، ومن المؤسف أنه لن يستطيع خلق الفكر.

 

وكما قال الكاتب: "من دون الفكر لا توجد عبقرية، ومجتمع محروم من رجال عباقرة محكوم عليه بالفناء". وأشار الكاتب في ظل تنبؤاته التي جاءت على لسان تريان ابن القس أن المجتمع التقني سينهار، وسيعقب ذلك اعتراف بالقيم الإنسانية والروحية، واعتقد أن ذلك سيأتي من الشرق وتحديدا آسيا. حيث سيكتسح الإنسان الشرقي المجتمع التقني ولن يصبح أبدا عبدا له كما هو الحال في بربرية المجتمع التقني الغربي خلال الحرب العالمية الثانية، وسيجعل إنسان الشرق من نفسه سيد الآلات وللمجتمع التقني، مستعينا في ذلك بعقله.

 

 

لقد اختار الكاتب عنوان الرواية بعناية وهو العنوان الذي يحمل عدة دلالات؛ حيث إن الساعة الخامسة والعشرون هي اللحظة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى، بل إن قيام المسيح نفسه لن يجدي فتيلا. إنها ليست الساعة الأخيرة، بل هي ساعة ما بعد الساعة الأخيرة. ساعة المجتمع الغربي، وهي الساعة التي تخص فترة الحرب العالمية الثانية، والتي سيتم التعامل خلالها مع الإنسان كالعبيد، وستعجز الكنيسة عن إنقاذ المخلوق البشري في تلك الساعات الحرجة. حيث صارت التضحية بأي إنسان، دون أن يكون مذنبا إحدى سمات الحالة التي عرفتها أوربا خلال الحرب العالمية الثانية، وبما أن الدول كانت في حالة حرب، فلم تعد تكترث لطبيعة الأشخاص الذين تسندهم مهمة الدفاع، حيث يتم تحويل الرجال إلى رقيق، وهذا الأمر استنكره القس كوروغا، واعتبره جريمة ضد المسيح. وهكذا رأى الكاتب أن الإنسان فقد الإحساس ببني جنسه، وصار مثل الألة لا يكترث لأترابه، وانتقد الكاتب في هذا الصدد مسألة الامتلاك الحقير للسلطة، والتي تصير معها حياة الأشخاص بين أيديهم، ولعل هذه الحالة التي وصل إليها العالم خُلقت بسبب نفاذ صبر الناس، وكسلهم وسوء تصرفهم، وخوفهم من الحرية، وبسبب طغيانهم الشخصي.

 

ناقش الكاتب معنى أن يصير المرء مدفوعا لمواجهة ما يؤمن به، وحدث ذلك لما أُجبر ماركو اليهودي والشيوعي على حفر القناة التي تستهدف عرقلة الجيش الأحمر، ثم تحدث الكاتب على لسان يهودي آخر معتبرا أن الأمم الراقية المهذبة تستطيع نيل مشتهاها باتخاذ مواقف متعددة معا، لتختار الموقف الملائم للحظة الراهنة. كما انتقد الكاتب كذلك مسألة أن يكون المرء متعصبا، وشبهه بالوحش الثائر الذي ينبغي الابتعاد عنه، والمتعصبون لا يحترمون قوانين المنطق والكائن البشري عندما يكون في حالة من التشوش والانفعال، لا يجب أن يُعارض، وكل محاولة لإعادته إلى جادة الصواب تبوء سلفا بالفشل. كما ناقش الكاتب مسألة أن يُجبر الإنسان على النضال واستعمال كل أسلحته من أجل أن يحيا، حينما يدخل الميدان بكل غرائز البقاء، وهو ما حصل لإليونور زوجة تريان ابن القس، ذلك أنها يهودية، وسيصادرون ممتلكاتها، ولهذا لجأت بداية إلى تزوير أوراقها حتى تسقط عن نفسها انتمائها، ثم ستلجأ لنقل ممتلكاتها لزوجها بعد أن تزوجته لهذه الغاية، لكن كل ذلك لم يجدي نفعا أمام المد العنيف للحرب، والذي تم فيه اضطهاد اليهود بشكل بشع.

 

تحدث الكاتب عن معنى أن يناضل المرء بكل قواه وغرائزه وكل إشراقات عقله، ليدافع عن حقه في الحياة، لكن عندما يصطدم ذلك بالشك في مشاعره، ومدى استغلاله لغايات أخرى لا تليق به فهو يضع مشاعره وأخلاقه موضع تساؤل، وهو ما حدث لزوجة تريان كوروغا، بعد أن تزوجته لتحتفظ بممتلكاتها نظرا لانتمائها إلى اليهود، وبعد أن ظلت تمتنع عن الزواج من تريان، وجدت فرصة لكي تنقذ هذه الممتلكات، مع العلم أنها تحب زوجها كثيرا، وبررت ذلك بأن الحب ليس سببا في الزواج، وقد تزوجته بسبب قوانين المنشأ ومن أجل أن تنقذ صحيفتها، فصار زواجها بذلك زواج مصلحة، لكن الحق أن ارتباطها هذا ليس نفعيا ولا مشاعريا، بل إنها تزوجته بدافع الخوف وبعد أن تملكها اليأس من فقدان كل شيء. ولعل المشاعر عندما تصطدم بالمصالح، يصير المرء مجبرا على استغلال كل شيء بما في ذلك المشاعر لكي يدافع عن حقه في الحياة. وفي هذا الصدد كتب قسطنطين على لسان إليونور: " لكي يحب الإنسان، ينبغي أن يستطيع الإيمان بالمستقبل، ينبغي الإيمان بالسعادة بل وأكثر من ذلك، ينبغي الإيمان بأن هذه السعادة أبدية، وأنها لا يمكن أن تمنح لنا، إلا من قبل من نحبه ويحبنا".

 

ذهب الكاتب إلى أن الكائن البشري لن يستطيع احتمال الجو الذي يعيش فيه الإنسان المعاصر، وفسر ذلك بكون البيروقراطية والجيش والحكومة والتنظيم الحكومي والإدارة تساهم في تسميم الجو ليختنق الإنسان. ثم ناقش الكاتب موضوع عقد صفقات بيع البشر، وقد وصف الكاتب هذه التجارة بأنها آخر مرحلة على سلم الانحطاط الأخلاقي، وجاء ذلك في معرض قيام هنغاريا بإرسال المعتقلين الأجانب بدل إرسال هنغاريين، هذا الأمر يبدو مقبولا من وجهة نظر هنغارية، لكن من وجهة نظر إنسانية، فقد تم بيع كائنات بشرية إلى ألمانيا، وهذا الأمر شديد الخطورة كما وصفه الكاتب.

 

من المعروف أن أوربا تحررت من تجارة الرقيق منذ مئات الأعوام، وقد صارت هذه التجارة محرمة دوليا، لكن ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية يعيد أوربا القهقرى، مهما كانت المبررات التي تبرر هذا الفعل. ولعل ما فرضته الظروف وما صارت تفعله البيروقراطية من رقابة على الكائن الحي، فالأمر لا يغذو أن يكون عبودية بطريقة جديدة. ذلك أن الأمر بلغ بفقدان الاحترام للكائن البشري، يقول الكاتب: "أن تكون إنسان معناه أن تفقد كل احترام لنفسك"، حيث صار احترام الانسان انطلاقا من قيمته المادية وليس قيمته الإنسانية. وفي هذا الصدد كتب قسطنطين يقول: " لقد اختفت حضارتنا يا لوسيان. لقد كانت تحوي على ثلاث ميزات: كانت تحب وتحترم الجمال وهي عادة أخذت عن اليونان. وتحب وتحترم الحق وهي عادة أخذت عن الرومان. وتحب وتحترم الإنسان وهي عادة اتخذت بعد صعوبات جمة عن الدين. إن حضارتنا الغربية لم تبلغ الشأن الذي بلغته إلا باحترامها هذه الرموز الثلاثة، هذه الأقانيم: الإنسان الجمال والحق. والآن فإن حضارتنا تخسر أثمن جزء في ميراثها وأعني حب الإنسان واحترامه. إن الحضارة الغربية لا وجود لها إذا ذهب منها ذلك الحب وذلك الاحترام للإنسان. إنها تموت".

 

أشار الكاتب إلى أن ظهور العصر التقني حطم كل ما بنته أوربا فيما يتعلق بالإنسان، حيث صار الانسان محتقرا في المجتمع التقني، وما هذه الساعة الخامسة والعشرون إلا ساعة الحضارة الأوربية، وهي الساعة التي تعطلت ولم يعد فيها ما يدعو إلى الاستمرار، حيث تم إفراغ الإنسان من إنسانيته، وما أسوأ أن يصير المرء عبدا مدى الحياة، فلن يعود يشتهي غير قليل من الحرية، وقد حدث ذلك لموريتز، بعد أن تم بيعه للألمان، فقال في قرارات نفسه: " لهم أن يحتفظوا بي مدى الحياة في المعسكرات، ولكن ينبغي أن يطلق سراحي قبل موتي بساعة واحدة، ساعة واحدة قبل موتي على الأقل حتى أموت حرا". وهكذا صار الإنسان لا يشتهي غير أن يموت حرا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة