وهم المثالية.. كيف يحول حياتك إلى سجن؟

BLOGS تفكير

بمجرد أن تلمح كلمة "مثالية" يتبادر إلى ذهنك فورا صورة افتراضية نموذجية متكاملة الأركان، كل شيء يسير في اتجاهه الصحيح وعلى أفضل ما يرام، كل شيء تحت السيطرة، لكن في الواقع هذه الصورة وهمية وليست حقيقية بالمرة، هناك وجه فَظِيع وكريه للمثالية.

 

إن ضرورة أن يكون المرء هو الأفضل دائما، هي فكرة تجتاح عصرنا الحاضر، ولعل الكثير من المشكلات التي نوجهها اليوم ما هي إلا إفرازات الركض وراء الكمال والنظر إلى الحياة من زاوية واحدة، فالزوجة المثالية تفشل في إسعاد نفسها ومن حولها لسعيها الدؤوب إلى تحقيق الكمال في المنزل ولا يستطيع أفراد الأسرة التعبير عن أخطائهم خوفا من العتاب، الطالب المتفوق قد يصل به الأمر إلى أن يكره الدراسة إن شعر أنه محروم من أن يمارس حياته بشقاوة وبراءة لأنه مطالب بالمذاكرة المستمرة حتى في أوقات اللعب.

 

الموظف المثالي يفقد عنصر التواصل مع أقرانه وزملائه لأنه يبحث عن إتمام العمل بمثالية عالية فيخشى الخطأ وقد يقوده ذلك إلى أن تهرب الفرص من أمامه أو قد لا يراها لأنها ليست كما يتصورها هو حتى في علاقات الحب والصداقة أحيانا نبحث عن شريك أو صديق كما نتصوره نحن لا يخطئ أو يغضب أو يمارس حياته بعفوية، متناسين أن أكثر من يجذبنا إلى الطرف الآخر ليس لأنه يشبهنا بل لأنه يكمل ما فينا من نقص . فثقافة جودة الأداء جعلت منا باحثين عن الكمال بمختلف أوجهه، ساعين إلى الوصول إليه مهما كلّف الأمرَ، وجعلتنا نضع معايير صارمة لما يمكن أن يجعلنا سعداء، وحينما لا تتحقق هذه المعايير فإننا نخلق ونتبنى توجهات تجعل الأمور تتفاقم حدتها سوءاً.

 

المنطق يقول إن الركض وراء المثالية يؤدي بالفعل إلى تحقيق هذه المثالية، لكن في الغالب يكون العكس هو الصحيح، إن السعي للكمال شيء مكلف ولا شك، هذا إن اتفقنا -من الأساس- على صورة هذا الكمال ووحدته وكليته ومطلقيته. فهو يحيل الحياة إلى سجن، فسعي الإنسان إلى أن يكون أفضل أب أو أفضل موظف أو أفضل حبيب، يؤدي به إلى مُراكمة سلسلة من الإحباطات التي هو في غنى عنها. يقول جول فرانسوا، وهو أستاذ في السيكولوجيا الإيجابية، في كتابه “تعلّم أن لا تكون كاملاً”: إن الإنسان الباحث عن الكمال لا يستفيد من النجاح لأنه يكون دائما غير راضٍ عما يحققه فبمجرد بلوغه الهدف يسعى إلى هدف اخر ولا يستمتع بما حققه من نتائج في الهدف السابق، كما إن العيش في العالم المثالي يدفع الإنسان ان يتنكر الألم والحقائق الواقعية بالتالي لا يعتبر الألم والأحداث المؤلمة جزءا طبيعيا من الحياة وهذا يسبب له الإحباط وأحيانا الاكتئاب. على حد تعبير ماريا شرايفر: "الكمال لا يجعلك تشعر بالكمال، بل يجعلك تشعر بعدم الكفاية."

blogs ريح و رويح، تأمل، تفكير

قد يكون مصدر هذه الرغبة الجامحة في الكمال عند البعض هو توهمهم بأن تحقيق ذلك هو الطريق للحصول على السعادة الكافية، والسعادة تكون غالبا مرتبطة في ذهنهم في تحصيل النتيجة التي يريدونها ويتصورونها وليس في الطريق نحوها، وللبعض الآخر قد تكون هذه وسيلتهم للحصول على القبول الاجتماعي من أفراد الجماعة المنتمين إليها ومسايرة معاييرها، من خلال إثارة إعجابهم أو تجنب انتقاداتهم أو عدم ارتكاب الأخطاء. وأيّا كان السبب في رغبة الكمال وأيّا كان شكله فالنجاح في أيّ مجال من مجالات الحياة لا يمكن أن يكون مئة بالمئة وباقة الورود الجميلة يرافقها الشوك دائما!

 

إذ عادة ما يرتبط أي نجاح أو إنجاز مهما كان عظيما وباهرا ببعض النتائج العكسية ومخيّبة للآمال فهل سمعت يوما بكتاب أو فيلم اجتمع عليه النقاد… مستحيل! فإذا كان القرآن الكريم وهو كلام رب البشر والذي لا يضاهيه كلام قد اختلف فيه الناس فلماذا نتوقع أنا وأنت أن نرضي جميع الأطراف؟! ولذلك إذا تقبلنا النتائج العكسية أو الشوك الذي يرافق الورد فهذا سيساعدنا في التغلب على الخوف من النقص والتحرر منه وتحقيق الإنجازات دون خوف والقلق من النتائج، ولو فكرنا جيدا وأمعنا النظر بِرَوِيَّةٍ وتَفْكِيرٍ وتَدَبُّرٍ… ماذا يعني الحصول على وظيفة كاملة الأوصاف، أو علاقة زوجية كاملة أو حياة غنية كاملة؟ بغض النظر عن أي تعريف أو تصور في ذهننا للكمال في هذه الأشياء، يوجد دائما ما يمكننا أن نغيره لنجعله أفضل وسوف يوجد دائما من يراه على أنه ناقص ويحتاج إلى التعديل… اذ لا وجود لكمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة سبحانه!

حاول أن تربط رضاك الذاتي بالجهد الذي تبذله في أي أمر يهمك سواء في البيت أو العمل أو مع الناس ولا تربط رضاك بالنتيجة التي تنتهي إليها الأمور

ربما صحيح أنه كلما طمحت إلى أعلى كلما وصلت أعلى! ولكن في غالب الأحيان فإن الرغبة في الكمال تعوق الإستمتاع بمباهج بالحياة والتجارب لأن الخوف من تقديم أي شيء ناقص إلى العالم يضيق النطاق على الإبداع ويقتل التجارب، وكذلك فالكمال يشجع التسويف والتراخي عن الإنجاز "فأنت لا تريد أن تخرج أي عمل تشوبه شائبة نقص ما!"، إننا إذا وضعنا الكمال ضرورة تطورية آدمية ملحّة لا محيدة عنها وحاجة ضرورية في أي عمل نقوم به فسوف تكون خيبة الأمل هي نصيبنا المحتوم سواء كان ذلك بالنتيجة أو حتى خلال الرحلة ذاتها، وذلك لأن توقعاتنا كانت عالية جدا فهذا يضع علينا الكثير من الضغط ويصيبنا بالتوتر على طول الطريق ولن تتحقق النتيجة المطلوبة في النهاية لأننا وضعنا سقفا عاليا جدا غير قابلة للتحقق وأهدافا غير واقعية قد تكون بعيدة المنال.

 

لذا يتوجب عليك تخلي عن جميع محاولاتك المستميتة للوصول إلى السماء، إلى الكمال، إلى ألوهية الإنسان. أنت لست كاملا ولن تكون ولست حتى بحاجة إلى أن تكون كاملا وهذا الكلام ينطبق علينا جميعا.. انتبه إلى خواطرك وأفعالك بحيث تصبح واعيا لها عندما تسيطر عليك مشاعر الرغبة في بلوغ الكمال أو التصرف بشكل مثالي و حاول أن تضع أولوياتك من المهام والأهداف وترتبها وأن تعمل على أن تكون ممتازا فيما يهمك أكثر وجيد بما يكفي فيما سواه، ضع أهدافك الخاصة بك أنت وحدك. واجعل الامتياز في فعل الأشياء دافعا لك بدلا من أن يكون الخوف من النقص محبطا مثبطاً لعزيمتك !

 

لا تنشغل بما يريده الآخرون منك بل انشغل بما تريده لنفسك… حاول أن تربط رضاك الذاتي بالجهد الذي تبذله في أي أمر يهمك سواء في البيت أو العمل أو مع الناس ولا تربط رضاك بالنتيجة التي تنتهي إليها الأمور. تفاءل واعمل للأفضل، ف الاجتهاد والامتياز مطلوب أما المثالية فهي معيقة، اجتهد دائما للإتقان أكثر من الانتصار. وحاول أن تقنع نفسك دائما أن النجاح هو في بذل أقصى الجهد دون ملل ولا كلل والذي هو في متناول يدك وليس في النتيجة التي هي خارج إرادتك. وانظر للأخطاء على أنها فرص ضرورية للتعلم والتحسين بدلا من أن تكون معوقة وعشوائية لا هدف ولا فائدة تُرجى منها، وأن كل محاولة تقوم بها هي تدريب واستعداد للانتقال للمرحلة التي بعدها.