ليلة القدر ليلة العشق..

blogs ليلة القدر

قد هجرتنا الملائكة جل الوقت، كيف لا؟ والأرض على ما هي عليه من قتل وسفك دماء وموت وقباحة وقذارة، وأما قلوبنا، فقد قست فهي كالحجارة بل أشد قسوة، ولكنها قست رغما عنا، فنكد العيش والخوف على الرزق والخوف من الغد ومما يعقبه وما يتخلله وما يحيطه قد أثر علينا، والواقع أننا صرنا نهاب كل شيء ونرتجف من المجهول والمعلوم على حد سواء، وأقل ما يقال عنا أنَّا منخوبون لا عزيمة لنا، لا عزيمة لنا على قتال البؤس أو التغيير أو حتى السجود، نعم فوالله قد بعدنا وصار بيننا وبين ربنا الكريم الرؤوف الرحمن الرحيم اللطيف مسيرة دهر أو يزيد.

 

لكننا قد بعدنا بجهلنا وضعفنا وخوفنا فالعاصي منا- وكلنا عصاة- يقول في نفسه قد بعُدت عن ربي، و ثقلت ذنوبي، وعظم إثمي، فكيف لله أن يستقبلني، وقد سمعت خطيبا يخطب في الناس فيحدثهم عن عذاب المشركين الضالين الجاحدين، ولعمري إني منهم، فما فائدة الندم والرجوع إن كان رجوعي إلى عذاب أليم؟ فقد أمضيت كذا وكذا هاجرا للقرآن، وكذا كذا تاركا للصلاة، وقد بعدت عن الدعاء ما صيَّرني لجلاجا ذا حُكلة، فلست أدري كيف أدعو ربي، وإني أسمع الناس يدعون ربهم بدندنة لا أفقهها، وذاك ليس إلا لتأخري عنهم، فكيف لله أن يستقبلني؟

 

ولو كانت أشهري وأيامي المنصرفة بردا وسلاما وإيمانا، فاليوم شهوري وأيامي كلها ليست إلا ناجِرا جديبا، ولو كنت شبعانا متخما من الإيمان أيامي المنقضية، فاليوم لست إلا غَرثانا وليس لي في بعدي عن ربي إلا القارُ غِذاءً، فكيف يستقبلني ربي وقد صنعت ما صنعت؟ ثم إن الشيطان يُبهرج للإنسان يأسه، وينمنم خوفه،  ويقذفه في قلبه، وينسيه رحمة ربه، فيقنط منها، وذلك ليس إلا أول عمله، فإن تمكن من العاصي الذي يَهم بالتوبة، شككه في نفسه وثبطه، فكُلما أقبل يريد العود، دفعه للظلمات مجددا، فيظل على هذه الحالة مدة من الزمن، يقبل ثم يُحجم، ثم يزداد الوسواس تمكنا منه فلا يبقي في جوفه خاطرة عن رحمة الله، ويلف قلبه بخرقة سوداء مدنسة بالمعاصي، ويصور له التوبة والرحمة صَمدا صعب المنال، فيزيده في غرقه وخوفه، حتى يصير محروما يائسا محبطا أحنف العقيدة، وما هي إلا هُنيهة حتى يضيع ما تبقى من إيمانه في غياهب الظلمات، وحينها، يكون قد تمكن منه الشيطان وأقنطه من رحمة ربه وذاك هو الخسران العظيم.

 

 

إن الخسران العظيم ليس الشرك أو الكفر أو الإلحاد أو اقتراف الذنب أو فعل الفواحش أو إيتاء المعاصي، فالمشرك والكافر والعاصي ومن في حكمهم، كلهم يمكنهم أن يسلموا ويؤمنوا ويَجبوا ما اقترفوا، وهذا هو حال خير البشر، فقد كان  تائها، ولكنه لم يقنط بل صعد إلى غار يتضرع فيه من أجل الهداية، وهذا حال صحابته الغُر الميامين، فكلهم كانوا على الشرك، ومنهم من مشى في عداوته، وما إن آمنو ا ولُبِكَت حلاوة الإيمان بقلوبهم حتى صاروا مُبَشرين بالجنة، ولا زلنا حتى اليوم نذكرهم فنقول: رضي الله عنهم، فليس ما اقترفوه خسرانا عظيما، فقد جب إيمانهم ما سلف، ولكن الخسران العظيم هو أن تكون مسلمًا عاصيا، فتحكم على نفسك باللعن والطرد من رحمة الله وتتصرف على هذا الأساس، فتُهلك نفسك وتلحق بها قارعة، وتلقي بها في دركات الجحيم.

 

والقلب القريح المتعب الوجّاب سهل المنال، وسهل الإغواء، وذاك هو مرتع الشيطان، فهو يدخله ويمزق جوفه، ولا يترك فيه إلا صور العذاب، ثم يسلكه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، ولا ينفك يبث الرعب واليأس في هذا القلب الهش حتى ينهار ويموت الموت الوَحِيّ، ولكن رحمة الله الواسعة قد أحاطتنا كما يحيط حضن الأم ابنها، ومن مظاهر هذا الحضن النفحات، ففي كل سنة يرسل الله لنا من لدنه نفحات رحمة ومغفرة، ومنها- أبقاك الله-  ليلة العشق.

 

ففي آخر الشهر الكريم يترقب الناس ليلة يهيمون فيها عشقا مع ربهم، ليلة يغادر فيها الأرض كل دَميم، ويتنزل كل بديع رحيم، وتتزاحم الملائكة في الأرض حتى تتخم، وفي هذه الليلة -يا دام عزك- عبادة تعدل عمرك كلّه أو جلّه، وفيها تعلو أصوات التعبد السماء، ويصير الليل نهارا تزينه تراتيل المصلين، وتصير الأمة كلها مجلسا لا شقي فيه. ثم إنّ تلك الليلة ليست كغيرها من الليالي، فليست موحشة أو مخيفة، وليست صاخبة ولا هادئة، ففيها صخب يفوق كل ليلة، ولكنه صخب جميل مرتل ترتيلا مَلكيا، وفيه نظام لا يفهمه إلا الساجد بين يدي ربه، وفيها تنهار كل الحواجز بين السماوات العلا والأرض، ويصير خير مجلس مفتوحا على مصراعيه لكل عابد، فلنعم الليلة هي ولنعم العابدون هم، ولكن الحزن قد أصاب العباد هذا العام، فسكنت المساجد، وأطفأت قناديلها، وأغلقت أبوابها التي لم يغلقها عدو أو غاصب أو ظالم، أو هكذا ظننا.

العبد إذا ما ناجى ربه وَصَدَقَه في الدعاء وخالطت حلاوة الإيمان قلبه ذاق طعما أحلى من الشِّهاد، ولامس شعورا لم يعرف له من قبل مثيل، واشتعلت روحه وحلَّقت  في سماء ربها بلا عارض أو لجام، فهي تطوف السماوات مع الملائكة حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود

إن الناس قد فرضوا الأسى على أنفسهم، وقالوا بأن المساجد قد أوصدت، وقالوا بأن أصوات التراتيل قد اختفت، ولكنهم ليسوا إلا في وهم. فالمساجد مفتوحة دائما، وقناديلها موقدة أبد الدهر، والرحمة سرمدية ليست مقرونة بقبة ومأذنة، وكذا المساجد، ليست مقرونة بقبة أو مأذنة، فإني ليلتها رأيت البيوت مضاءة منارة، تحيطها هالات الإيمان واليقين، وتحفها رحمات ربي من كل جانب، وإذا أَصغيت جيدا –رحمك الله- سمعت صوت أبٍ يصلي وآل بيته خلفه رُكّعٌ سُجد، وإذا أصغيت سمعت صلوات تائب يناجي ربه ويطلب الرحمة، وإن أرسلت أذنك أبعد قليلا سمعت بكاء المذنب العائد إلى ربه، والجمال في كل هؤلاء هو إيمانهم اللُّباب، فهو طاهر عفيف لا يخالطه الرياء، فليس للناس أعين عليهم في مخادعهم، وليس هناك في غرفهم من يقول: ذاك مصلٍ زاهد في الدنيا. فليس يراهم إلا السميع البصير، وذاك والله ما لم يدركه إلا من ألقى بنفسه في رحمة ربه تحت ستار بيته، وإني ليلتها رأيت رحمات وصدق دعوات لم أرها قط في حياتي، حتى تحت القباب والمآذن.

 

والعبد إذا ما ناجى ربه وَصَدَقَه في الدعاء وخالطت حلاوة الإيمان قلبه ذاق طعما أحلى من الشِّهاد، ولامس شعورا لم يعرف له من قبل مثيل، واشتعلت روحه وحلَّقت  في سماء ربها بلا عارض أو لجام، فهي تطوف السماوات مع الملائكة حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، والروح ليلتها تجد ذهبا إِبريزًا مكنونا فيها، بل هو أغلى من الذهب، ولكنه لا يوصف، فكل روح تجد كنزا مختلفا، ولكل روح هوى مختلف عن هوى أختها، وتدرك الروح يومها حبا ثالثا لذي العزة والجلال، حبا لم يعرفه شاعر أو كاتب قبلها. والروح في طوافها ذاك أشبه بالصوفي، فهي هائمة عاشقة لا تلقي للدنيا بالا، وتكون كما قال ربي نفسا مطمئنة، وهي تتصل مع ربها وتأنس بصحبته، فلا يبقى من المؤمن إلا الجسد على هذه الأرض وأما الروح فقد أمنت واستراحت واطمأنت. وذاك من طبيعة الروح، فهي كانت في السماء ولكنها هبطت إلى الأرض واضطربت، ولابد أن تحن للسماء، فما إن سجد العبد في تلك اللية حتى غادرت روحه إلى ربها، ووجدت بردا وسلاما لا قِبَل لها به.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة