الحجر الصحي.. فرصة للمطالعة

لما كنا نجلس قبالة الشاشة في أواخر شهر ديسمبر من السنة الفارطة، نسمع ونرى أنباء فيروس ظهر في مدينة "يوهان" الصينية، وانتشر انتشارا سريعا في أرجاء الصين؛ لم نكن لنلقي له بالا، أو نستفسر عن ماهيته، أو نتطلع لطرق انتقال العدوى، أو معرفة طرائق الوقاية منه، لأنه لم يخطر ببال أحد أن تنتشر العدوى في غضون أسابيع قليلة إلى القارات الخمس.. وتتهاوى كبرى الدول كالفراش المبثوث أمام هذا الوباء!

 

دخل كورونا أو كوفيد-19 إلى الجزائر عن طريق بعض الأجانب أول الأمر، ثم سجلت حالات أخرى لمغتربين جاؤوا حاملين للفيروس.. وإننا نحمد الله أن لم تتماطل بلادنا في اتخاذ قرارات سريعة وفعالة في تعطيل حركة النقل الجوي والبري والبحري، والتعجيل بالعطل بالنسبة لتلاميذ المدارس في الأطوار المختلفة وكذلك طلبة الجامعات.. واستمر التمديد إلى هذه اللحظة، كما اتخذت الدولة إجراءات وقائية بالنسبة للعمال والموظفين العاملين بقطاعات عامة، بتسريح ما لا يقل عن 50 بالمئة منهم والأولوية لكل من النساء المربيات، والنساء الحوامل، والزمنى (أي المصابين بإحدى الأمراض المزمنة) ضامنة لهم مرتباتهم.. وتزامن ذلك مع تطبيق الحجر الصحي الكلي لولاية البليدة التي عرفت انتشارا واسعا للوباء، والحجر الصحي الجزئي على بقية ولايات الوطن بما فيها العاصمة!

 

فوجد الجزائري نفسه حبيس أربعة جدران، لا يدري ما يصنع، فليس كل الناس يطيق هذا الحبس.. غير أن طائفة من الناس وجدوه فرصة سانحة كي يجددوا عدتهم الفكرية والمعرفية، ويختلوا بمكتباتهم التي أبعدتهم عنها مشاغل الحياة.. وكنت ضمن هذه الطائفة التي نفضت الغبار عن بعض الكتب التي كنت أؤمل قراءتها، ولم تتح لي فرصة الجلوس بين يدي كتاب، فارغ الذهن، مرتاح البال، كلّي شغف باكتشاف الركاز المخبوء بين دفتي الكتاب الذي سيقع عليه الاختيار!

لقد كان من الحصاد الطيب أن جلسنا إلى زوجاتنا ولاعبنا أطفالنا، وتفرغنا أكثر لأسرنا.. ولم يمنعنا الحظر من زيارة الأهل الأقربين وقضاء حاجاتهم، والتودد إليهم وبرهم

انتخبت واحدا من أمهات الكتب التي اقتنيتها وركنتها في الرف، أسحب أحد أجزائه مرة بعد مرة لأعيده من حيث أتيت به، إنه السفر العظيم "البيان والتبيين" لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (150-255هـ).. وترددي في اقتحام أغواره ليس بسبب الكسل المعرفي فقط، وإنما لأنني لم أنعم بحالة نفسية مناسبة تتيح لي مدارسته، والاستفادة من كنوزه النفيسة.. فجلست في يوم من أيام الحجر، مستندا إلى أحد حوائط غرفي، في يميني السفر الأول منه، تجاوزت المقدمة التي قدم بها محقق لأني طالعتها من قبل، ورحت أسافر بخيالي وروحي مع الجاحظ وهو يسوق الأخبار، وينشد الأشعار، وينقل النوادر، ويجلي الغوامض، ويقطف الثمار، ويفتت الصخر، ويزيل العقبات.. وكنت أقرأ بنهم، أقلب الصفحة تلو الأخرى، وأنتقل في الكتاب كالسهم.. تشدني إليه براعة أسلوب الجاحظ، ذلاقة بيانه، وتحكمه بناصية اللغة.. والجاحظ علامة مسجلة في عوالم الأدب والفكر، لا تحتاج إلى تزكية من أحد، وكما قال ابن العميد: "كتب الجاحظ تعلم العقل ثم الأدب"! إي والله!

 

وكذلك صنعت مع الأديب المهجري جبران خليل جبران (ت1931م) الذي اقتنيت قصصه الشهيرة، ولم أطالع منها سوى قصتين "الأرواح المتمردة" و"الأجنحة المتكسرة"، والحق أن هذا الرجل له أسلوب متفرد في كتابة القصة والقصة القصيرة، فهو ممن يرسمون بالكلمات، ويتأنقون في الوصف حتى ليكاد المشهد الموصوف يلوح لناظرك، تتسرب إلى خيشوم عطوره وروائحه، ويطرق سمعك أصواته وصخبه، فلا تملك نفسك إلا أن تتماهى مع الكاتب ومشهده، فتبكي إذا ساق خبرا محزنا، وتنتشي إذا أذاع نبأ مفرحا.. وأقبلت هذه المرة على قراءة مجموعته القصصية المجنون، وكانت قصصا ما بين القصيرة والقصيرة جدا.. أبدى من خلالها قدرة فائقة على السخرية والتهكم، فاكتشفت موهبة أخرى هي قدرة هذا الكاتب على صناعة المفارقات في النص السردي، وإجراء فنه عن طريق شخصية المجنون.

 

لم تكن مطالعة الكتب هي الجني الوحيد في موسم الحجر الصحي، فكثير من بنات حواء وجدنها فرصة لتعلم مهارات جديدة في المطابخ، وتجريب وصفات مستحدثة كطبخ الخبز عوضا من اقتنائه من المخبزة، وطبخ مختلف الأكلات والأطعمة التي كانت تشترى من محلات بيع الحلويات والمرطبات، ولا سيما مع حلول شهر الصيام، لقد كان من الحصاد الطيب -أيضا- أن جلسنا إلى زوجاتنا ولاعبنا أطفالنا، وتفرغنا أكثر لأسرنا.. ولم يمنعنا الحذل من زيارة الأهل الأقربين وقضاء حاجاتهم، والتودد إليهم وبرهم، وكذلك كانت فرصة للتواصل عبر الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي للسؤال عن الأقارب والأصاحب، والداني والقصيّ.

 

لقد علمنا الحجر قيمة الإنسان، لقد علمنا قيمة الأسرة، لقد علمنا استغلال الوقت فيما هو أنفع، لقد علمنا أن دوام الحال من المحال، لقد أعطانا فرصة لنلتفت إلى ذواتنا، ونبصرها من الداخل، فنرص أركان صالحة، ونرمم مواضع مهترئة وخربة أحيانا! في الأخير نسأل الله رب العالمين أن يرفع عنا هذا البلاء، وأن يعجل باندثاره، وأن يقبل منا الصيام والقيام.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة