صبري العسلي.. الزعيم السوري الذي احترق بحبه لعبد الناصر مرة وبمعارضته مرتين

صبري العسلي

لما أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا في ١٩٥٨ تنازل اثنان من الزعماء السوريين عن مناصبهما للرئيس جمال عبد الناصر: الأول هو رئيس سوريا وقد أصبح أمر تنازله مشهورا، أما الثاني وهو رئيس وزراء سوريا فقد أحرق نفسه مبكّرا بحب الناصرية، ومن المذهل أن الناصرية أحرقته بنفسها ثم جاء أعداء الناصرية فأحرقوه مرة ثالثة لأنه ناصري وقالوا إنهم يُحرقونه لأنه معاد للناصرية.. وهكذا أصبحت قصّة هذا الرجل في السياسة بمثابة فكرة ناضجة لمسرحية من طراز رفيع تستحق أن تسمي باسمه هو لا بأي اسم آخر. نعرف أن شكري القوتلي كان رئيس الجمهورية الذي تنازل عن رئاسة الجمهورية لجمال عبد الناصر الذي صار رئيسا للدولتين، ومنحه لقبا شرفيا هو المواطن العربي الأول بينما كان قد أصبح في حقيقة الأمر واحدا لا من المواطنين الأوائل أو غير الأوائل وإنما واحدا من الرعايا فقد كان المواطنون في عهد عبد الناصر في أفضل صورهم مجرّد رعايا.

تضحياته العجيبة

أما الرجل الثاني وهو رئيس الوزراء صبري العسلي، فقد كانت تضحيته بل تضحياته عجيبة، ذلك أن الرئيس جمال عبد الناصر احتفظ برئاسة وزراء مصر وضم معها رئاسة وزراء سوريا وهكذا فقد رئيس وزراء سوريا منصبه الرئاسي إلى الأبد، وقد تم تعويضه عن هذا المنصب بأن أصبح نائبا لرئيس الجمهورية لكن عهده بالمنصب "الشرفي" لم يطل، إذ أنه سرعان ما اختلف مع الرئيس جمال عبد الناصر، وهكذا أصبح حسب التعبير الفاشي المعروف والمفضل عند العسكر من أعداء الوطن.

 

فلما حدث الانفصال (1961) أيّده الرئيس صبري العسلي وأبدى سعادته به، ولما حدث انقلاب البعثيين على الانفصال ١٩٦٣ عوقب بمصادرة أمواله باعتباره انفصاليا مع أنهم كانوا هم الانفصاليين في الحقيقة لكنهم أخفوا نزعتهم الانفصالية، وكان من وسائلهم في إخفاء هذه النزعة أن يُعاقبوا بعض الساسة على أنهم انفصاليون، وكان الرئيس صبري العسلي في مقدمة هؤلاء الساسة الذين عوقبوا على أنهم انفصاليون يستحقون العقاب، بينما كان الانقلابيون الجدد وهم الانفصاليون الحقيقيون ينعمون بمقاعد الحكم.

في 1948 أصبح الرئيس صبري العسلي  وزيرا للداخلية في حكومة جميل مردم بك، وكان هو الذي تولى تنفيذ اعتقالات عهد القوتلي التي شملت ميشيل عفلق نفسه

نشأته

ولد الرئيس صبري العسلي (1903 ـ 1979) في دمشق، وكان عمه شكري الرئيس صبري العسلي سياسيا بارزا في الدولة العثمانية وكان عضوا في البرلمان العثماني لكن نزعته السياسية قادته إلى التمرد فالإعدام على يد جمال باشا السفاح الوالي العثماني حاكم سوريا الذي تُنسب إليه الفظائع في معاملة الشعب السوري والسياسيين وقد أُعدم العم شكري الرئيس صبري العسلي في 6 مايو 1919. ربما نتوقف هنا لنشير إلى أن الرئيس شكري القوتلي الذي عمل الرئيس صبري العسلي رئيسا للوزراء في عهده كان يكبر الرئيس صبري العسلي باثني عشر عاما وهكذا كان من الممكن أن تكون صورة شكري القوتلي في ذهنية الرئيس صبري العسلي هي صورة العم "شكري".

 

تلقّى الرئيس صبري العسلي تعليما مدنيا وتخرج فيما يُسّمى معهد الحقوق العربي (كلية الحقوق) 1924 فلما اندلعت الثورة السورية الكبرى 1925 ضد الفرنسيين الذين فرضوا انتدابهم على سوريا وأسقطوا المملكة السورية اشترك الرئيس صبري العسلي في الثورة وتولى تهريب الأسلحة إلى الثوار في منطقة الغوطة، فلمّا مارس الفرنسيون إجراءاتهم المضادة نفى الرئيس صبري العسلي إلى أرض الحجاز، حيث عمل مع شكري القوتلي في معاونة الملك عبد العزيز آل سعود حين كان لقبه لا يزال سلطان نجد والحجاز.

تمثيله للسعوديين في مؤتمر ١٩٢٨

ويُذكر أن الرئيس صبري العسلي هو الذي تولى تمثيل "السلطان" عبد العزيز في مؤتمر أريحا (1928) الذي كان بمثابة مفاوضات بين حكومتي نجد والحجاز والأردن. عاد الرئيس شكري القوتلي والرئيس صبري العسلي إلى سوريا 1932 مع صدور العفو العام وفي العام التالي اشترك الرئيس صبري العسلي في تأسيس "عصبة العمل القومي" التي استهدفت مناوأة الاستعمار الأوروبي وتنمية التعاون العربي وقد اشترك معه في تأسيس هذه العصبة المفكران البارزان قسطنطين زريق وزكي الأرسوزي كما اشترك معهم رئيس الوزراء في عهد حسني الزعيم الدكتور محسن البرازي الذي أعدم مع حسني الزعيم.

لمعانه في حزب الكتلة السورية

وفي 1936 وبناء على ترشيح الرئيس شكري القوتلي انضم الرئيس صبري العسلي  لما عرف بأنه حزب الكتلة السورية (وهو الحزب الذي تحول اسمه فيما بعد إلى الحزب الوطني، وهو حزب الرئيس شكري القوتلي على كل حال) وخاض الرئيس صبري العسلي  الانتخابات البرلمانية الشهيرة التي أُجريت في 1936 ففاز في هذه الانتخابات، ويُذكر أيضا أنه فاز في الانتخابات السورية التالية وهي انتخابات 1943 (التي أصبح بعدها الرئيس شكري القوتلي رئيسا للجمهورية لمدة ثانية) و1947 (التي تراجعت فيه مكانة الحزب الوطني مع احتفاظه بالصدارة، وتلاه البعث بينما تراجع حزب الشعب للترتيب الثالث) و1954 (وهي الانتخابات التي تمت في عهد الازدواج بين سلطتي الرئيس هاشم الأتاسي والعقيد الشيشكلي) و1962 (وهي الانتخابات التي تلت الانفصال عن مصر).

 

أصبح الرئيس صبري العسلي وزيرا للداخلية في ثاني وزارات عهد الرئيس شكري القوتلي الأول أي في وزارة الرئيس فارس الخوري ثم أصبح وزيرا للعدل والمعارف. وفي وزارة الرئيس سعد الله الجابري الثانية (أكتوبر 1945) التي هي ثالث وزارة في عهد الرئيس شكري القوتلي جمع أيضا بين وزارتي العدل والمعارف، وهي ثنائية لم تتحقق عند المصريين. وبدأ الرئيس صبري العسلي علاقاته ومشاركاته العربية الواسعة منذ عهد تلك الوزارة، فقد كان عضوا في الوفد الذي حضر تأسيس الجامعة العربية (1945). بعد الاستقلال السوري 1946 أعاد الرئيس سعد الله الجابري تشكيل الوزارة وشغل الرئيس صبري العسلي منصب وزير الداخلية.

توليه وزارة الداخلية واعتقاله لميشيل عفلق

عندما انقسمت الكتلة الوطنية إلى الحزب الوطني بقيادة شكري القوتلي وحزب الشعب كان من الطبيعي أن يكون الرئيس صبري العسلي في الحزب الوطني وهو الذي قاد معارضة الحزب الوطني للنفوذ الهاشمي (أي العراقي ـ الأردني) في سوريا في ذلك الوقت. في 1948 أصبح الرئيس صبري العسلي  وزيرا للداخلية في حكومة جميل مردم بك، وكان هو الذي تولى تنفيذ اعتقالات عهد القوتلي التي شملت ميشيل عفلق نفسه مما أدى إلى استقالة نائب رئيس الوزراء لطفي الحفار، وتعرض الرئيس صبري العسلي  لمحاولات لاغتياله ولم يكن الرئيس صبري العسلي  يدري أن سياساته تُمهّد للانقلاب الأول الذي قاده حسني الزعيم الذي أسقط نظام الرئيس شكري القوتلي ولي نعمة الزعيم الذي رقّاه واختاره لمناصبه المتقدمة في الجيش.

اعتزل الرئيس صبري العسلي الحياة العامة وعاش بعيدا عن الضوء وشهد هزيمة 1967 بل شهد نصر 1973 كما شهد الانقلابات السورية المتعاقبة بعد 1963، لكنه اكتفى في كل هذه التطورات بالمراقبة البعيدة

وكان من الطبيعي أن يكون الرئيس صبري العسلي في مقدمة من يعتقلهم الرئيس حسني الزعيم، وقد بقي محدد الإقامة طيلة عهد الزعيم حسني الزعيم وحتى قام الرئيس شكري سامي الحناوي بانقلابه لكن الرئيس صبري العسلي لم يعد إلى السلطة في عهد الحناوي ولا هو عاد إليها في الانقلاب الثالث بقيادة أديب الشيشكلي وإن كان هذا الانقلاب الثالث قد مكّنه من أن ينضم إلى الرئيس هاشم الأتاسي في سعيه لإسقاط العسكر وإعادة الحكم المدني إلى سوريا.

دوره في ربيع الديمقراطية

فلما وقع الانقلاب العسكري الخامس وهو المعروف بانقلاب 1954 العسكري والسلمي بقيادة الجنرال فيصل الأتاسي وأُزيح الشيشكلي والكزبري وفوزي السلو وبدأت فترة من ربيع الديموقراطية 1954 ـ 1958 قرر القادة السياسيون العودة إلى دستور 1950 وعودة الرئيس هاشم الأتاسي للرئاسة ليبقى فيها حتى نهاية ولايته الدستورية. وقد كلف الرئيس هاشم الأتاسي الرئيس صبري العسلي بتشكيل الوزارة فشكّلها، وكانت هذه هي وزارته الأولى في عهد الرئيس هاشم الأتاسي الجديد والأخير، أي بعد إبعاد الشيشكلي وقد استمرت منذ 1 مارس 1954 وحتى 19 يونيو1954حيث خلفه محمد سعيد الغزي.

 

أما وزارته الثانية فكانت في عهد الرئيس هاشم الأتاسي أيضا في 13 فبراير 1955 وحتى 13 سبتمبر 1955 أي لمدة تسعة أشهر كاملة وقد خلفه أيضا سعيد الغزي مع بداية عهد الرئيس شكري القوتلي الثاني في رئاسة الجمهورية. وكان أهم الأحداث العاصفة في عهد هذه الوزارة اغتيال العقيد عدنان المالكي معاون رئيس الأركان العامة وانتهت المحكمة الرسمية التي شكّلها الرئيس صبري العسلي برئاسة عبد الحميد السراج إلى اتهام القوميين السوريين بتنفيذ الاغتيال بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وهكذا استرضى الرئيس صبري العسلي قادة الجيش ونال ثقتهم مما ساعده على أن يشكّل وزارة ثالثة في عهد الرئيس شكري القوتلي. وقد كانت وزارته الثالثة والأخيرة في عهد الرئيس شكري القوتلي في 14 يونيو 1956 (خلفا لسعيد الغزي) واستمرت حتى يناير 1958، حيث خلفه الرئيس جمال عبد النصر في رئاسة الوزارة كما خلف الرئيس شكري القوتلي في رئاسة الجمهورية.

أصبح بمثابة الناصري الأول

وفي عهد تلك الوزارة وقع العدوان الثلاثي على مصر 1956 فازدادت ميول الرئيس صبري العسلي  الناصرية ظهورا، وأصبح الرئيس صبري العسلي  بمثابة الناصري الأول وكان الرئيس صبري العسلي  نفسه قد أبدى ملامح حب للناصرية بطريقة واضحة، وأصبحت الفرصة مهيأة لكل ضابط ناصري أن يتقدم للأمام بفضل تشجيع وثقة الرئيس صبري العسلي بل إنه عيّن صلاح البيطار وزيرا للخارجية في يناير 1958 كي يتم الوحدة مع مصر وهو ما حدث في الشهر التالي مباشرة، وقد وصل تحمس السوريين للوحدة إلى أن رئيس الجمهورية (القوتلي) ورئيس الوزراء (الرئيس صبري العسلي) سافرا إلى القاهرة ووقّعا وثيقة الوحدة فيها (1فبراير 1958) ، وبمقتضى الوحدة أصبح الرئيس صبري العسلي نائبا لرئيس الجمهورية بينما خلفه عبد الناصر بنفسه في رئاسة الوزراء. بدأت الأزمات تُحيط بالرئيس صبري العسلي في 1959 حيث نشر أعداؤه وثائق تتهمه بتلقّي تمويل مالي غير قانوني من الحكومة العراقية في عام 1951 وكانت العراق في ذلك الوقت بمثابة "العدو".

انقلابه على عبد الناصر في ١٩٦٠

في 1960 انضم الرئيس صبري العسلي علانية لمعارضة الرئيس جمال عبد الناصر ليتحوّل من أكبر مؤيديه إلى واحد من أكبر معارضيه. وفي 1961 أيّد الرئيس صبري العسلي انقلاب الانفصال، بل إنه قام بالتوقيع على إعلان الانفصال لكنه ظل بعيدا عن مواقع المسؤولية والحكم، ومع أنه خاض انتخابات 1962 وفاز فيها كما أسلفنا فإنه لم يتول أي منصب وزاري فلما نجح انقلاب البعث في مارس 1963 قررت الحكومة الجديدة مصادرة ممتلكاته وحرمانه من حقوقه المدنية وعلّلت هذا بتعاونه مع النظام الانفصالي، وذلك على الرغم مما اتضح بعد هذا من أن انقلاب 1963 كان انفصاليا تماما.

الاعتزال الطويل

اعتزل الرئيس صبري العسلي الحياة العامة وعاش بعيدا عن الضوء وشهد هزيمة 1967 بل شهد نصر 1973 كما شهد الانقلابات السورية المتعاقبة بعد 1963، لكنه اكتفى في كل هذه التطورات بالمراقبة البعيدة من دون الاندماج فلم يكن له تلاميذ فاعلون ولا مريدون متورطون وعلى حين توفي زعيمه الرئيس شكري القوتلي في 1967 عن 76 عاما فقد توفي هو في 1976 عن 73 عاما ولم يحظ بالطبع بجنازة رسمية ولا شعبية، وذلك على الرغم من أنه كان نائبا لرئيس الجمهورية في القاهرة كما كان رئيس الوزراء في دمشق ثلاث مرات.

 

وهكذا يمكن القول بأن الرئيس صبري العسلي قاد خطواته السياسية إلى جوار الرئيس شكري القوتلي (منذ 1936) في الكتلة الوطنية ثم بعد تحول الكتلة إلى الحزب الوطني وأصبح وزيرا في وزارة فارس الخوري الأولى (14 أكتوبر 1944) ثم سعد الله الجابري الثانية (1 أكتوبر 1945) والثالثة (17 أبريل 1946) ثم جميل مردم بك الثانية (وكلها من وزارات عهد رئاسة القوتلي الأولى) ثم أصبح رئيسا للوزراء ثلاث مرات في ربيع الديموقراطية، مرتين في عهد الرئيس هاشم الأتاسي والثالثة والأخيرة في عهد القوتلي حتى قامت الوحدة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة