شرِّعوا للعيد نوافذكم..

Palestinians prepare for Eid al-Fitr amid concerns about the spread of COVID-19, in Gaza (رويترز)
Palestinians prepare for Eid al-Fitr amid concerns about the spread of COVID-19, in Gaza (رويترز)رويترز

تتنقّل أصواتنا وصورنا عبر هذا الفضاء الواسع، نتبادل الهمس والشكوى والضحكات، فأي معنى لحبس قلوبنا خلف قضبان الملل والإحباط؟! وهل مِن العدل أنْ نفقأ عين النهار وهو يستقبل الشعاع مِن أجلنا؟! تكررت صباحاتنا في الحجر المنزلي، حاملة لبعضنا الضيق والضجر! وحملت للبعض الآخر التعب، وملامح تجربة جديدة يمارسون فيها مجبرين التعلّم عن بعد!

 

بينما رآها آخرون فرصة نادرة لمواجهة الذات، ولاسترجاع تفاصيل العمر على جدران أحلامهم وتوقعاتهم، تماما كما فعلت بطلة روايتي (رحيل) حيث حمل لها جدارها أصوات وصور مَن عاشوا عمرها بدلا منها، مَن تحكّموا بملامح أيّامها وشوّهوها، مَن طعنوا قلبها الغض وعيونهم تتقطّر بالطيبة، وتركوها تنزف في وحدتها وعجزها، وعدم قدرتها على الفهم، قد يكون الجدار طريقة مبتكرة لمواجهة الذات، لمشاهدة شريط الحياة دون تدخّل مِن أحد، ودون إغراقه بالمبرّرات التي تستر الحقائق والدوافع، وتتلاعب متعمّدة بالنهايات..

 

قد يكون الحجر المنزلي فرصة نادرة للبحث عن جدارٍ لذكرياتنا.. جدار نُعيد على صفحته تقييم أنفسنا، وتقييم تجربتنا في هذه الحياة! بدل أنْ نكتفي بحبس أنفسنا خلف أبوابنا الموصدة على مخاوفنا! فعلى هذه الأرض مَن يسكن النهارُ أرواحَهم، ويملكون بأعين قلوبهم أنْ يروا التفاصيل الجميلة في لوحة الحياة.. هم يصاحبون أنفسهم، يلملمون شتات الصور ليكملوها مِن مخيّلتهم، يتلقّفون الأمل بكفّي الألم، ويرسمون في العتمة شمسا تتدفّق بالوهج من نافذة مفتوحة، هم يحتفظون بذاكرة الجمال، ويمكن لأرواحهم أن تغنّي حين تفقد الأرواح أبجديتها.. يمكنها في حمّى القلق أنْ تسترجع عطر الياسمين وتزرعه في حواسها!

 

هم ليسوا شعراء! ويمكنهم أنْ يغمروا أرواحَهم بعباراتٍ تصنع أيامهم وتلوّنها بالفرح.. هم يعرفون كيف يشجعون أنفسهم، ليكونوا في المضمار أبطالا! هم يبحثون عمّا يؤهلهم لمرحلة جديدة، يخوضون فيها بقية معاركهم، فشرّعوا (مثلهم) للعيد نوافذ بيوتكم! كافئوا أنفسكم وقد هزمتم الجوع والظمأ وتلمّستم نور الله في طاعته. استشعروا قوّةَ أرواحكم بينما تواجهون عُزلتكم! صلّوا صلاة عيدكم في وقتها، صلّوها مع أُسركم، واحكوا للصغار حكاية النصر والفتح المبين.. دعوهم يتنفّسون حرّيتهم بينما تلامس جباههم الأرض سجودا، وحدّثوهم عن زمن بدأت فيه البشرية تستعيد طريقها على وقع التكبير!

كثيرة أحزاننا، فلا تفرّطوا بناصية الفرح! وتعبّدوا مخلصين بزرع البهجة في قلوب مَن حولَكم، تعمّد عدوّنا مِن قبل أنْ يُهدينا قهرا وغضبا وموتا كل عام، ونقاومه بالتكبير لتحيا في نفوسنا ذاكرة الفرح

كبّروا مِن خلف النوافذ المشرعة، كبّروا وكبّرو وكبّروا واستشعروا مع الصغار فرحة العيد، أصغوا لتكبيرات الجيران من حولكم، ودعوا الحارات تشتعل بالتكبير! فتتوهّج بإيقاعٍ واحدٍ يخبركم بأنكم لستم وحدكم، والعزل لم ينل مِن بهجة عيدكم، وأنتم تتقاسمون الفرح مِن نوافذكم! إنْ لم تصنعوا كعك العيد، فافعلوا.. لم يفت الوقت بعد.. اصنعوه بأيدي صغاركم، بينما تحكون لهم الحكايات، واتركوهم يكوّرون التمر بأكفّهم الصغيرة، دعوهم يختبرون صناعة الفرح بكل الحواس.. لا تستقبلوا العيد بملابس النوم! فالضيف أعزّ مِن أن يُترك، وأكرم مِن أن يُهمل.. انثروا عطر حضوره على وجه الصباح، واتركوه يتنفّس بهجة قلوبكم، وأنتم بالشكر تتلقّفون زهر قدومه! تناولوا الحلوى مع أطفالكم، والعبوا معهم، لا تطفئوا حماسهم، وعظّموا شعيرة الله واعبدوه باستشعار الفرح! هو ذا الفضاء مفتوح أمامكم لتتبادلوا مع أحبّائكم التهاني بالصوت والصورة..  اتركوا أطفالكم يتواصلون مع أصدقائهم وأقربائهم، ليكتشفوا بأنفسهم بأنّ العيد غادر الشوارع ليستقر في بيوتهم.

 

عندما كنت صغيرة كنتُ وإخوتي نخبّئ ملابس العيد تحت وسائدنا، وكان يجافيني النوم بانتظار النهار، وكنتُ أطلّ مع إخوتي على صمت الشارع قبل خيوط الشمس أحثّها على المجيء.. كنّا نرهق خطواتنا جيئة وذهابا.. نستمطر العيد حلوى ونقودا وقبلات، غير أنني سريعا ما واجهت الحزن في الأعياد! كانت تتساقط به دموع أمي وهي تبكي وطنا يوجعها فقده، كانت دموعها تحرقني، بينما تتكسّر دمية العيد في مخيّلتي على أنين أمي وسكون أبي المقهور.

 

تتحدّث أمي عن العيد في الخليل بين الأهل وأنفاس الوطن، ويصف لي أبي خطوات تتسارع صوب الأراجيح وأخرى تضرب الأرض في حلقات الدبكة معلنة التشبّث بكف الفرح، وجدت الحسرة تتسلل إلى قلبي وتطفئه، قاومت الكثير مِن الأفراح بحجة الوفاء لحزن أمي.. حتى تيقّنت بأنّ الحزن لا يأتينا كما نظن، بل نصنعه بأيدينا! لملمت ملامح وطني في ذاكرة قلبي كي لا أنسى، وتعلّمت أنْ أغنّي لحن عودتنا، بدل البكاء.. تعلّمت أنّ استشعارنا للنصر يأتينا بتكبيرات.. وأنّ الأمنيات التي لم تتحقق بعد ليست مؤجّلة،هي في طريقها إلينا وحسب.

 

تعلّمت ِمن الأسرى خلف قضبان الظلم أنّ الروح لا تحيا بالحزن، بل بتحليق المخيّلة على مسافات الرجاء.. وتعلّمت أنّ الفجر لا ينعم بنوره إلا مَن فتح نوافذَ قلبِه ومنزلِه لخيوط الضياء، كثرت أحزاننا، وخرائطنا مضرّجة بالدماء، تساقطت بقايا فردوسنا مِن بين أصابعنا، غير أننا اليوم نعرف بفطرة المكلوم اقتراب الشفاء، كثرت أحزاننا، وباتت أوطاننا متخمة بالمهجّرين والمشرّدين.. أطفالٌ يلاقون العيد في حمأة الخيام.. وقلوبٌ رحل عنها أحبّاؤها فباتت لولا رحمة الله خاوية!

 

كثيرة أحزاننا، فلا تفرّطوا بناصية الفرح! وتعبّدوا مخلصين بزرع البهجة في قلوب مَن حولَكم، تعمّد عدوّنا مِن قبل أنْ يُهدينا قهرا وغضبا وموتا كل عام، ونقاومه بالتكبير لتحيا في نفوسنا ذاكرة الفرح، فتناولوا في العيد أطايب طعامكم، واجعلوا للفقير نصيبا مِن رزقكم.. ارسموا بأيديكم ملامح عيدكم، ولا تتوقّفوا عن التكبير، لا تفقدوا العيد فالله مرسله.. بقلوبكم تلقّفوه.. وكبّروا، كبّروا مَن نصرَ عبده، وأعزَّ جنده، وهزمَ الأحزاب وحده.. لتدركوا أنّ النصر قادم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة