الطلاق البائن لضمان الولاء.. ماليزيا الجديدة وتيه الديموقراطية

لم يحتف الماليزيون بالذكرى الثانية للتغيير السياسي الذي أحدثته انتخابات التاسع من مايو/ أيار 2018، فالنخبة السياسية منشغلة بصراع جديد على السلطة أشد ضراوة عما كان عليه قبل الانتخابات، لكن الصراع الجديد لم يعد بين قطبين رئيسيين كما كان الحال بين تحالفي "الجبهة الوطنية" الذي كان يتزعمه نجيب عبد الرزاق رئيس الوزراء الأسبق، و "تحالف الأمل" الذي كان يتزعمه مهاتير محمد، وتحول إلى صراع يتقلب فيه الساسة على رمال متحركة، لا تعرف له معالم فكرية أو عرقية أو حتى حزبية، وتاهت الأحزاب بالتنافس بين الأشخاص والرموز دون برامج سياسية أو اقتصادية.

 

فقد تسبب الصراع داخل "تحالف الأمل" الحاكم سابقا بخسارته للحكومة بشكل مفاجئ، وحل محله في السلطة تحالف "العقد الوطني"، وهو تحالف حزبي تشكل على عجل، ونظرا لأنه لم يشكل الحكومة بناء على برنامج انتخابي فقد صبغت حكومته بحكومة الأبواب الخلفية، ولدى افتتاحه الدورة الثالثة للبرلمان الرابع عشر منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني عام 1957 دعا الملك " عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه" النواب إلى التوقف عن إثارة الأزمات السياسية، وبمعنى آخر التوقف عن الطعن في شرعية حكومة محيي الدين ياسين الذي اختاره الملك رئيسا للوزراء، بناء على صلاحياته الدستورية.

دوامة سياسية

لقد اختزلت جلسة البرلمان التي عقدت ليوم واحد في 18 مايو/ أيار الجاري المشهد السياسي الماليزي، حيث جلس رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد في مقاعد المعارضة ضد حكومة رئيس حزبه " أبناء الأرض" محيي الدين ياسين، أما أنور إبراهيم رئيس حزب " عدالة الشعب" والذي ما فتئ ينتظر استلام السلطة فقد اختاره " تحالف الأمل" الحاكم سابقا زعيما للمعارضة في البرلمان.

 

لا شك أن جلسة البرلمان اليتيمة جنبت البلاد أزمة دستورية جديدة، حيث ينص الدستور على أن يعقد البرلمان في مدة لا تتجاوز ستة أشهر من أخر جلسة له، والتي عقدت في 5 ديسمبر كانون/ أول الماضي، وبذلك نجا البرلمان من حل تلقائي في ظل استمرار الإغلاق وتقييد الحركة لمحاصرة انتشار فيروس كورونا، يضاف إلى إجماع بين السياسيين على أن الوقت لم يحن لانتخابات مبكرة.

 

لكن هذه الجلسة البرلمانية أظهرت مدى شرذمة الأحزاب السياسية، وتناقضاتها الدستورية، وأزماتها الداخلية، وهو ما تسبب بجدل سياسي واسع بين مختلف الأطراف، فقد تعهد زعيم المعارضة أنور إبراهيم لرئيس الحكومة محيي الدين ياسين بعدم التقدم بمشروع لسحب الثقة من الحكومة مقابل تمديد المداولات لمدة عشرة أيام، لكن رئيس حكومة ولاية صباح شافعي أبدال تقدم بمشروع لمنح الثقة لمهاتير محمد، وهو ما رفضته رئاسة البرلمان لمخالفته الواضحة لنص الدستور واعتباره تحديا لإرادة الملك التي منحت الثقة لرئيس وزراء قائم في السلطة.

 

وبعد فشل مشروع تنصيب مهاتير عن طريق البرلمان لعدم دستوريته، تقدم هو بنفسه بمشرع لسحب الثقة من رئيس الوزراء الحالي الذي هو رئيس حزبه، ومع أن الطلب مشروع دستوريا فإن تنفيذه ينتظر استئناف البرلمان جلساته العادية في يوليو/ تموز المقبل، وهنا لم يعد مهما من هو الأحق بالسلطة، ليثور سؤال عن آليات حزب مهاتير ومصيره، يجادل محللون سياسيون بشأن إصرار مهاتير محمد على أن يكون تنصيب رئيس الوزراء برلمانيا بأنه هو من وافق على تكليف الملك له في العاشر من مايو/ أيار عام 2018، بل إنه وجه انتقادات لاذعة للملك السابق محمد الخامس لأنه تلكأ في تكليفه عدة ساعات، واستند في انتقاداته الجريئة أن الدستور يحتم على الملك اختيار من يعتقد أنه يحظى بثقة غالبية البرلمان.

خطر الرجل الثاني

لم يصل أنور إبراهيم إلى سدة الحكم، لسببين رئيسيين برأي كثير من المراقبين للسياسة الماليزية، هما: رفض مهاتير الوفاء بوعده تسليم السلطة في منتصف الطريق، وانشقاق الرجل الثاني أو نائبه في رئاسة الحزب "أزمين علي" ومعه عشرة نواب في البرلمان، ما أفقد أنور الكاريزما والنفوذ التي كان يحظى بهما داخل تحالف الأمل، وخسر مهاتير السلطة كذلك بسبب طموح الرجل الثاني في حزبه " محيي الدين ياسين" الذي اقتنص الفرصة ليشكل حكومة مع أعداء الأمس في حزبي أمنو والحزب الإسلامي بمجرد أن تقدم مهاتير باستقالته التكتيكية يوم 24 فبراير شباط الماضي.

 

رئيس الوزراء الماليزي المكلف ووزير الداخلية السابق محي الدين ياسين

 

وكلاهما أنور ومهاتير صرحا بوضوح أنهما تعرضا لخيانة من داخل حزبيهما، بينما أصبح قفز السياسيين من حزب لآخر ومن جبهة لأخرى، لأسباب مصلحية، سمة بارزة في السياسة الماليزية الحالية، وبرأي زعيم الحزب الإسلامي الماليزي عبد الهادي أوانغ فإن مهاتير وأنور يتحملان وِزر هذه الآفة، وقد اكتويا من نفس النار التي أحرقا بها أحزابا أخرى، ولا شك أنه يقصد أن الحزب الإسلامي (باس) أبرزهم.

 

ومن مفارقات السياسة الماليزية أن الحزب الإسلامي تنبه مبكرا لضعف ولاء الساسة لأحزابهم حتى المبدئية منها القائمة على أسس فكرية، فكان يشترط على من يتسلم موقعا قياديا في الحزب الحلف بالطلاق البائن على زوجته إذا غير ولائه، وهو ما تسبب بإشكاليات اجتماعية وفقهية لقياديين غيروا ولائهم ليؤسسوا حزب "الأمانة الوطنية" عام 2016 والذي أصبح شريكا رئيسيا في تحالف الأمل وحكومته السابقة.

 

لقد بشرت نتائج انتخابات 2018 بعهد جديد لماليزيا أطلق عليه المنتصرون فيها " ماليزيا الجديدة" التي تقوم على أساس تداول السلطة، ووضعت الركيزة الأولى فيه باتفاق تعاقب السلطة بين مهاتير محمد وأنور إبراهيم، لكن يبدو أن خطأ أنور أنه لم يأخذ باستراتيجية الحزب الإسلامي بأن يقرن الوعد بيمين طلاق بائن بينونة كبرى، والمثل الأفغاني يقول " إن السرير المستعار لا يدوم حتى الصباح"، بمعنى أن صاحب السرير قد يأتي في منتصف الليل ليوقظ النائم عليه ويأخذ سريره، واستعارة المتنقلين بين الأحزاب لن تدوم طويلا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة