هل لا زال محمد بن سلمان يصلح أن يكون ملكاً؟

كلما ذُكِرَ محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، أو الشيخ محمد بن زايد بن سلطان آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلا وَوُصِفَا بالحاكمين الفعليين لبلديهما. والسؤال المنطقي الذي يتبادر إلى ذهن أي عاقل هو: لماذا يكتفي هذان الشابان بصفة ولي عهد، ولا يمران إلى رئاسة الدولة مباشرةً ما داما هما من يتحكم فعلياً في زمام الأمور الحقيقية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؟

 

لنطرح السؤال بصيغة أخرى: ما الذي يَمْنَعُهُمَا من وضع التيجان بدل الاكتفاء بصفة الرجل الثاني في سدة الحكم، والحال أنهما الحاكمان الفعليان؟ إذا لم يكن الأمر بِيَدَيْهِمَا، فهل هو بيدي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان اللذين، ربما، تعوزهما الحكمة والشجاعة للتنازل عن الحكم لِصَالِحِهِمَا كما فعل رجل حكيم وشجاع جَارٌ لَهُمَا جَارَا عليه، حيث ارتأى، وفي عز قوته ونجاحه، أن ينسحب فاسحاً المجال لابنه الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، الذي صَحَّت فيه نَظْرَةُ والدِه، ولا زال يسير شؤون القطريين بكل نجاح رغم الحصار مِمَّنْ يُفْتَرَضُ أنهم إخوة وحلفاء، ورغم تكالب قادة ورؤساء القوى العظمى على المنطقة لجلب أقصى المنافع، وعلى رأسهم رئيس أصبح كَجَهَنَّم كلما أُوتِيَ قال هل من مزيد.

 

مقالنا اليوم سيكون مخصصاً لمحاولة الإجابة عن السؤال/العنوان، وسنخصص لولي عهد أبو ظبي مقالاً لاحقاً في نفس الإطار نظراً لخصوصية كل بلد وظروف تبوؤهما لِمَكَانَتَيْهِمَا. ومن أجل هذا، وبعجالة، سنحاول أن نَتَذَكَّرَ مسار محمد بن سلمان منذ بدايته.

 

رسمياً دخل الرجل دواليب الحكم كثالث شخصية في هرم السلطة السعودية من خلال تسميته وَلِيّاً لِوَلِيِّ العهد في ليلة انقلابية (29 أبريل/شباط 2015) على ولي العهد آنذاك الأمير مقرن بن عبد العزيز (أول من عُيِّنَ وَلِيّاً لِوَلِيِّ العهد في شهر مارس/آذار من سنة 2014 بعد تعيين سلمان بن عبد العزيز وَلِيّاً للعهد)، وتعيين الأمير محمد بن نايف (الذي كان وَلِيّاً لِوَلِيِّ العهد) وَلِيّاً للعهد. وعلى شاكلة الثور الأبيض، فقد أُكِلَ الثور الأسود، وتكرر الإنقلاب هذه المرة بتعيين محمد بن سلمان وَلِيّاً للعهد (دون تعيينٍ لِوَلِيٍّ لِوَلِيِّ العهد) يوم 21 يونيو/حزيران 2017 بعد إعفاء محمد بن نايف من ولاية العهد ومن وزارة الداخلية. والكل يَذْكُرُ تَقْبِيلَ قَدَمِهِ وَيَدِهِ من طرف من أصبح الحاكم الفعلي، والذي زَجَّ به في غياهب السجون ويُجْهَلُ مَصِيرُهُ بعد الإعلان عن إصابته بنوبة قلبية وفق ما أعلن رسمياً؟!

 

 

مسار الرجل لا يزيد حتى الآن عن خمس سنوات عنوانها، في نَظَرِنَا، الفشل في كل شيء والأخطاء التي لا تُحْصَى… ما عدا نجاحه في شيء واحد: تكوين جبهة عريضة من الأعداء والمعارضين والناقمين والمنتقدين… إلخ. وحتى لا نغوص في أعماق هذه الأخطاء الكثيرة، سنكتفي بسرد بعضٍ منها بكل موضوعية وبعيداً عن طبيعة شخصيته وطموحه الجارف.

 

1 – الخطأ القاتل لجل المسؤولين: البطانة. لقد تَسَلَّحَ محمد بن سلمان بثلة من الشباب الهواة المفتقدين للتجربة والحنكة أمثال سعود القحطاني الذي يُقال إنه وَرَّطَهُ في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، وتركي آل الشيخ (رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية) الذي أصبح محط تنكيتٍ من رواد الشبكة العنكبوتية الذين يتمازحون لكون هذا الأخير نذير شؤم على السعودية، فما إن استقدم الغانيات وفتح الملاهي الليلية… إلخ، حتى أُغْلِقَ الحرمان الشريفان بغزو فيروس "كورونا" للعالم، وغيرهما كثير من البطانة.

 

2 – تسرعه بالاستئثار بالصلاحيات والاختصاصات الحصرية للملك مباشرة بعد تعيينه وَلِيّاً للعهد، وإقصائه لجل مستشاري ومساعدي والده.

 

3 – سعيه للزعامة من خلال التركيز غير المبرر والمفرط على استعمال قوة المال على حساب أهمية ونجاعة التخطيط والاستشراف.

 

4 – انقلابه على أصدقائه وحلفائه بحصاره لدولة قطر في شهر رمضان 2017 (وهو المفروض أن يصبح خادماً للحرمين الشريفين) ودون وجه حق، وتَنَكُّره للمغرب بعد أن رفض هذا الأخير الانسياق وراء مغامراته غير محسوبة العواقب، ضارباً عرض الحائط كل ما قَدَّمَهُ جلالة الملك محمد السادس، وقبله والده الحسن الثاني رحمه الله، من خدمات ومساعدات للمملكة العربية السعودية.

 

5 – مراهنته بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة الأمريكية، زعيمة العالم الغربي، وعلى إسرائيل التي تنكل يومياً بالفلسطينيين وتحتقر كل قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بحقوق الشعب الفلسطيني.

6 – مراهنته على دغدغة مشاعر النساء السعوديات بالسماح لهن بقيادة السيارة والسفر دون محرم، ومحاولة استمالة الشباب بإدخال مضامين وأشكال الثقافة الغربية المتحررة إلى أرض الحرمين الشريفين.

 

7 – مراهنته على ما يسمى بالذباب الإلكتروني (حرب افتراضية)، وعلى وسائل إعلام وأشباه خبراء ومحللين يطبلون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا يَفْتُرُونَ… حتى أن الإعلامي المصري يوسف حسين مقدم البرنامج الساخر (جو شو) أطلق على قناة سعودية لقب "قناة أهل العروسة".

 

8 – مراهنته الكبيرة وغير المدروسة على خيار القوة العسكرية بدل الاعتماد على خيار القوة الناعمة المؤثرة، وبخاصة الدبلوماسية التي عانت الكثير برحيل قَيْدُومِهَا الأمير سعود بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي أدار دفة وزارة الخارجية السعودية خلال الفترة الممتدة من 1975 إلى 2015.

 

9 – دخوله حرب اليمن التي أصبحت توصف حالياً ب"المستنقع اليمني" بسبب عدم القدرة على حسم الحرب في وقت وجيز كما كان يعتقد، وتَطَرُّفُهُ الكبير في استعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعدد من دول الجوار الإقليمي.

 

10 – تبنيه لـ"رؤية" غير ذات أساس ترتكز على مجرد أحلام طفولية قد لا تتحقق في أفق سنة 2030.

 

11 – قَمْعُهُ لمعارضيه الذين لم يستثن منهم بَنِي عُمُومَتِهِ والعلماء والصحفيين… إلخ، والذين منهم من قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر.

 

12 – فشله الذريع في إدارة ملفات ذات أهمية كبيرة كحرب أسعار البترول، والطلب والعرض العالميين على هذه المادة الطاقية الحيوية.

 

13 – إخفاقه الواضح في تأسيس نموذج إقتصادي إنتاجي يستغل موارد الريع البترولي بشكل صحيح وناجع يفيد كل مكونات المجتمع السعودي.

 

14 – اعتماده على حلفاء بمقابل مادي سخي كالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على الشرعية الإنتخابية في بلاده بدعم سعودي وإماراتي يعرفه القاصي والداني.

لن يتسع المجال لذكر وتعداد كل الأخطاء التي ارتكبها الأمير محمد بن سلمان، فالنتيجة واحدة: فشل ذريع على كافة المستويات الداخلية والخارجية، وحالة من التخبط وعدم الاتزان.

 

ونعتقد أن من نَظَّرَ وَخَطَّطَ لتولي محمد بن سلمان ولاية العهد كان متأكداً من هذه النتائج الكارثية، لهذا تم الإبقاء على وَالِدِهِ كَمَلِكٍ صُورِيٍّ ربما يستمد مشروعيته من كونه ابناً مباشراً لمؤسس دولة آل سعود، وسيتم الاحتفاظ به ولو ميتاً على قيد الحياة إلى حين التأكد من استقرار الأمر لولي العهد. وَأَتَذَكَّرُ هنا دولة عربية دون ذكر إسمها، وفي نهاية السبعينيات من القرن الماضي (يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1978)، كان رئيسها قد مات واستمر التلفزيون الرسمي في الدعاء وتمني الشفاء العاجل له إلى أن تم الاتفاق على من يَخْلُفُهُ. ولن أَسْتَغْرِبَ إذا قامت "هيئة الترفيه السعودية" بتسجيل أنشطة واستقبالات وهمية سَيَحِينُ مَوْعِدُ بَثِّهَا حين يتم التشكيكُ في وفاة الملك في مَنْظَرٍ يذكرنا بنبي الله سليمان الذي لم تكشف عن موته إلا دابة الأرض تأكل مِنْسَأَتَهُ كما ورد في الآية 14 من سورة سبأ: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

 

قد لا يكون الرأي العام السعودي أو معظمه يَعِي ما يحدث في بلاد الحرمين الشريفين، لكن حلفاء محمد بن سلمان، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سيخوض قريباً معركة الانتخابات لعهدة جديدة، تَيَقنوا أنهم راهنوا على حصان خاسر بذر المئات من المليارات من الدولارات دون نتيجة تذكر اللهم إلا الحرج الذي سببه لهم من جراء أخطاء قاتلة كمقتل الصحفي جمال خاشقجي، وحصار قطر، والحرب على اليمن الجار… فأصبح الرجل عبئاً على هؤلاء القادة، وإن كان لا زال يُبْدِي استعداده إنفاق ما في الأرض جميعاً لكسب دعمهم ورضاهم، من جانب آخر، فإن سياسة التقشف وفرض مزيد من الضرائب على المواطنين السعوديين (15 في المائة نسبة الضريبة على القيمة المضافة) الذين لم يعودوا يخفون معاناتهم على شبكات التواصل الاجتماعي (مع تدني أسعار البترول وشلِّ جائحة "كورونا" للعالم)، سيكون من نتائجها تَشَكُّلُ جبهة داخلية معارضة قوية لن يُسْكِتَهَا لا الترفيه ولا الوعيد. فهل لا زال محمد بن سلمان يصلح أن يكون ملكاً؟

 

الجواب بالقطع: لا. وفي اعتقادنا المتواضع، أصبح من الناحية العملية لزاماً على الرجل أن يترجل بما بقي له من كرامة (إن وُجدت)، أو أن تنتفض العائلة الحاكمة، قبل فوات الأوان، وتلتئم لتصحيح الوضع وتعيين مَلِكٍ جَدِيدٍ، بدل الملكين الصوري والفعلي، يقود دولة عربية محورية وعزيزة على العرب والمسلمين إلى بر الأمان، بدل تركها بين يدي "وَلِيِّ عهدٍ – ملكٍ" لن يبقي ولن يذر، وقد يتحول إلى "هَادِمِ" الحرمين الشريفين في إشارة إلى النكتة التي تُحكى عن السُفْرَجِي السوداني الذي سمح له الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بمناداته باسمه فقط (عبد الله)، لأنه كان بِلَكْنَتِهِ السودانية الجميلة حين يُناديه بخادم الحرمين الشريفين، تخرج من ثغره كلمة "هَادِمُ" الحرمين الشريفين. دون هذا، فمن علامات الساعة الصغرى ظهور الرُّوَيْبِضَةُ وعودة جزيرة العرب مروجاً ومراعياً بحلول ربيع لن يكون فصلاً مناخياً وحسب، بل سياسياً بامتياز.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة