كيف تكسب ماليزيا الحرب ضد كورونا؟

لقد أطلقت جائحة فيروس كورونا المستجد سارس كوفـ2 المسبب لمرض كوفيد-19 العنان للفوضى حول العالم وتسعى الحكومات والمنظمات الصحية جاهدة لإدارة واحتواء انتشار هذا الوباء حتى 17 مايو أصيب أكثر من أربع ملايين شخص حول العالم وفتك هذا الفيروس بأكثر من 300 ألف شخص وفي جنوب شرق آسيا تم تسجيل 68769 حالة مؤكدة عبر عشر دول في الآسيان وفقاً لإحصاء يومي تديره منصة The ASEAN Post على صفحتها الرسمية عبر الفيسبوك، على الرغم من المخاوف من ضعف البنية التحتية للرعاية الصحية وعدد الفحوصات المحدودة لتشخيص فيروس كورونا المستجد في دول معينة فقد أظهرت العديد من الدول في منطقة الآسيان معدلات تعافي ملحوظة مثل كمبوديا وفيتنام وبروناي.

 

في ماليزيا وهي دولة يبلغ عدد سكانها 32 مليون نسمة أصيب أكثر من 6800 شخص بـ كوفيد-19 وتم تسجيل 113 حالة وفاة حتى الآن ومن خلال متابعتي اليومية للتقارير الصادرة عن وزارة الصحة الماليزية حول أعداد الإصابات فقد سجلت ماليزيا أعلى معدل لحالات الإصابة المؤكدة في المنطقة خلال شهر مارس وحتى منتصف أبريل حيث سجلت حالات ثلاثية الأرقام كل يوم ومع ذلك في 15 أبريل أبلغت ماليزيا عن 85 حالة جديدة فقط وهو انخفاض كبير بعد أسابيع قليلة من معدلات الإصابة العالية واستمر هذا الانخفاض في معدلات الاصابة حيث سجل يوم 12 مايو أقل معدل إصابات بـ16 حالة فقط وتم علاج وشفاء أكثر من 70 في المائة من أصل 6894 كوفيد-19 التي تم الإبلاغ عنها في البلاد حتى الآن، من الواضح أن التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الماليزية في محاولة كسر سلسلة العدوى تبدو ناجحة حتى الآن لذا ماذا كانوا يفعلون لتسطيح منحنى الإصابة بفيروس كورونا المستجد في البلاد؟

 

بداية غير سارة

ضرب فيروس كورونا المستجد ماليزيا في 25 يناير حسب ما أعلن عنه مدير عام وزارة الصحة الماليزية داتو دكتور نور هشام عبد الله حيث صرح أن الحالات الثلاث الأولى في البلاد كانت على صلة برجل يبلغ من العمر 66 عاماً أكدت السلطات الصحية في سنغافورة أنه ثبتت إصابته بالفيروس.

 

منذ ذلك الحين ارتفع عدد الحالات المؤكدة في البلاد بشكل متسارع بعد التجمع الكبير الذي نظمته جماعة التبليغ في سري بيتالينج بالقرب من العاصمة كوالالمبور بحسب تصريحات وزير الصحة أدهم بابا حيث حضر هذه الفعالية ما يقدر بنحو 16 ألف شخص من جميع أنحاء آسيا ومن بين المشاركين كان هناك 14500 من الماليزيين بينما كان 1500 من خارج البلاد حيث ارتفع عدد حالات الاصابة بCovid-19 في البلاد من 99 في 8 مارس إلى 200 حالة في أقل من أسبوع بعد هذا التجمع وسجلت البلاد أول حالتي وفاة بسبب فيروس كورونا المستجد في منتصف مارس حيث كان أحدهما قد حضر هذا التجمع.

أمر تقييد الحركة

فرضت الحكومة الماليزية لأول مرة إغلاقًا شبه كامل للبلاد في 18 مارس لمدة أسبوعين لمحاصرة تفشي الفيروس وذلك بعد بلوغ عدد المصابين 800 ويحد هذا الاغلاق من حركة المواطنين بشكل واسع ويحظر عليهم ارتياد الأماكن العامة ومنع التجمعات الكبيرة للأفراد ويتضمن ذلك النشاطات الدينية والثقافية والاجتماعية والرياضية وإغلاق المساجد وإغلاق جميع المنشآت والمصانع باستثناء قطاع الخدمات الأساسية ومحلات السوبرماركت والأسواق العامة والبقالات وتم أيضاً إغلاق جميع حضانات الأطفال والمدارس الحكومية والخاصة ومراكز تحفيظ القرآن والجامعات ومراكز التدريب المهني إضافة إلى منع الماليزيين من السفر خارج البلاد ووضع قيود على غير الماليزيين القادمين إلى ماليزيا.

 

ومددت السلطات الماليزية هذا الاغلاق لمدة أسبوعين مرتين حيث أملت الحكومة الماليزية أن يؤدي ذلك إلى كسر سلسلة العدوى وتسطيح منحنى الاصابات ويأتي هذا التمديد بعد أن أصدرت مجموعة بحثية من بنك الاستثمار المتعدد الجنسيات وشركة الخدمات المالية القابضة (JP Morgan) تقريراً أشارت فيه أن ماليزيا يمكن أن تشهد زيادة في حالات Covid-19 وبلوغ ذروة العدوى في منتصف أبريل وتوقع أن يصل عدد الاصابات إلى 6300 حالة وبنى هؤلاء الباحثين توقعاتهم على ثلاث عوامل هي عينة من السكان ومعدل الإصابة وتوقع أعداد الوفيات و تزامن ذلك من تحذير المدير العام لوزارة الصحة نور هشام عبد الله حيث صرح إن المرحلة الثالثة من انتشار الوباء في ماليزيا سوف تكون أشبه بتسونامي وهي غير مستبعدة في حال تجاهل الالتزام بالتعليمات وإجراءات الإغلاق التي أعلنها رئيس الوزراء محي الدين ياسين.

 

من الملاحظ أن إجراءات تقييد الحركة كانت صارمة على الماليزيين حيث تم اعتقال أكثر من 9000 شخص بسبب مخالفة أوامر الإغلاق وفقاً لتقارير إعلامية محلية وتم تنفيذ حواجز على الطرق في جميع أنحاء البلاد كما تم فرض حظر للتجوال على جميع المركبات من الساعة 10 مساءً إلى 6 صباحاً يومياً وفي هذا السياق حذر وزير الدفاع إسماعيل صبري يعقوب مرات عديدة خلال مؤتمره الصحفي اليومي أن الحكومة الماليزية لن تتنازل بعد الآن مع منتهكي أوامر تقييد الحركة وسيتم اتخاذ إجراءات صارمة ضدهم لذلك نأمل أن يتعاون الجمهور في هذا الشأن ومع بداية شهر رمضان تم حظر بازارات رمضان التي طال انتظارها والتي تُعقد سنويًا طوال شهر الصيام.

 

الفحوصات المخبرية

كان واضحا من البداية ومن خلال المتابعة اليومية أن وزارة الصحة الماليزية تقوم بجهود منظمة تهدف إلى منع وصول عدد الحالات إلى حد يتجاوز قدراتها العلاجية وذلك باعتماد تدابير تؤدي إلى تخفيض سرعة انتشار الفيروس حيث انتهجت الوزارة استراتيجية إجراء أكبر كم من الفحوصات على المواطنين وهذا ما أكده الدكتور نور عبد الكريم استشاري طب الطوارئ ورئيس قسم الحوادث والطوارئ في مستشفى KPJ-Damansara في كوالالمبور حيث صرح نحن نتبع النموذج الكوري الجنوبي لفحص الجميع فحص فحص فحص ثم فحص مرة أخرى فمن خلال فحص الجميع يمكننا اكتشاف الحالات الإيجابية مبكراً والمساعدة في تقليل انتشار الوباء.

 

 

وهذا ما أكدته نتائج دراسة فيما بعد أجريت من قبل باحثين في جامعة غوتينغن الألمانية منتصف أبريل حيث أشارت الدراسة أن العامل الفاصل في اكتشاف الحالات الحقيقية للعدوى تكمن في الوقت الذي بدأت فيه الدولة بإجراء الفحوصات وعدد الفحوصات التي أجرتها ففي كوريا الجنوبية على سبيل المثال توقعت الدراسة أنه تم اكتشاف أكثر من نصف الإصابات الحقيقية وذلك لأن الدولة بدأت بإجراء الفحوصات في وقت مبكر وعلى نطاق واسع لذلك تعتبر كوريا الجنوبية من الدول القليلة التي يبدو أنها استطاعت السيطرة على انتشار الفيروس.

 

وفي هذا السياق ووفق تقارير وسائل الإعلام المحلية أن قدرة ماليزيا على فحص وتشخيص الفيروس بلغت في بداية الإغلاق 4 ألاف عينة في اليوم وارتفعت تدريجيا حتى وصلت اليوم ما يقارب من 16 ألف عينة في اليوم وتسجل ماليزيا اليوم أكبر عدد فحوصات أجريت للكشف عن كوفيد-19 في الآسيان حيث تم فحص 443263 فرد حتى الآن وتم تسجيل فقط 6894 حالة ايجابية بمعدل 1.5 في المئة.

 

إضافة إلى ذلك عملت وزارة الصحة على تغيير استراتيجيتها لإجراء اختبار الأجسام المضادة بدلاً من فحص تفاعل البوليميراز المتسلسل PCR للأشخاص الذين كانوا على اتصال وثيق مع مرضى Covid-19 وتم عزلهم ووفقاً للدكتور نور هشام عبد الله أن سبب التحول في الاستراتيجية هو أن فحص PCR يستغرق وقتاً أطول و يلزم إرسال العينات إلى المختبرات مقارنة بفحص الأجسام المضادة التي يمكن إجراؤها في المكان وأضاف الدكتور نور هشام إن فحص الأجسام المضادة يتم إجراؤها على الأشخاص ذوى الصلة القريبة مع المصابين ويوشكوا على إنهاء فترة الحجر الصحي التي تبلغ 14 يوماً لتحديد ما إذا كان مسموحاً لهم بالخروج أم لا ومع ذلك يتم الخضوع لفحص PCR في بداية الحجر الصحي الخاص بهم.

 

ختاماً: اتخذت سنغافورة واندونيسيا والفلبين وغيرها من دول الآسيان إجراءات وتدابير لمواجهة هذا الوباء ولكن بالنظر إلى ماليزيا فإننا نجد أن الأداء والإجراءات التي اتخذت فيها حتى الآن تعد ناجحة للغاية وبفضل هذه التدابير تم الحد من انتشار هذا الوباء وكسر سلسة العدوى وتسطيح منحنى الإصابات وتسجيل معدل وفيات منخفض ومعدل تعافي عالي من المرض بفعل الرعاية الصحية الجيدة و دخلت البلاد منذ الرابع من مايو مرحلة جديدة من تخفيف هذه القيود بعد سريان قرار رئيس الوزراء محي الدين ياسين والقاضي بتنفيذ تقييد مشروط على الحركة لتخفيف الإغلاق الذي تم تنفيذه في البلاد منذ 18 مارس لاحتواء جائحة كوفيد-19.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة