الاقتصاد السوداني.. زيادة الأجور والقفز نحو المجهول

يتداول الاقتصاديون بصفة عامة وأهل التخطيط منهم بصفة خاصة، القول المشهور: "عندما نفشل في التخطيط فإننا في الحقيقة نخطط للفشل" في كثيرة من توجيهاتهم التي تُحذر من مغبة الوقوع في الأخطاء الاقتصادية، المتابع للوضع الاقتصادي في السودان منذ تشكيل حكومة الثورة والتي أُوكلت وزارة المالية فيها للدكتور إبراهيم البدوي – ومرورا بالجدل الدائر الآن حول تطبيق زيادة الأجور والتي أقرتها وزارته وأثر ذلك على الاقتصاد الكُلي، يُلاحظ مجموعة من الأخطاء في السياسات المتبعة المتمثلة في إعداد الموازنة التي أقرت رفع الدعم الكامل عن السلع والخدمات، وزيادة المرتبات، وتعويم سعر الصرف، واعتمادها الكبير على الدعم الخارجي "أصدقاء السودان" في تمويل أنشطتها، وغيرها من السياسات الاقتصادية.

جدلية زيادة الأجور وطرق تغطيتها

العملية الاقتصادية بِرُمتِها تظل مترابطة مع بعضها البعض فزيادة الأجور أو المصروفات يقابله زيادة في الإيرادات العامة للموازنة مع سياسات مالية تتعلق بالسلع والخدمات. مساء الرابع عشر من هذا الشهر، خرج علينا وزير المالية السوداني عبر الفضائية القومية وبدّدَ الحجب عن كثير من الأسئلة التي تتعلق بهيكل الأجور وأثره المباشر على الاقتصاد الكلي، ذكر البدوي بأن تغطية الأجور والتي بلغت نسبة زيادتِها 569% – في سابقة اقتصادية عالمية – سيتم تمويِلها من عائد الأموال المُستردة عن طريقة لجنة إزالة التمكين، وهو نقيض حديثه المتلفز أيضاً على قناة الخرطوم في بداية مارس، والذي ذكر فيه بأن تغطية الأجور ستتم من الموارد الذاتية للدولة المتمثلة في إيراداتها المجازة في موازنة عام 2020م.

 

في بداية هذا العام ذكر وزير المالية وهو يسعى لكسب تأييدٍ شعبي لفكرة رفع الدعم الكامل عن السلع والخدمات، ذكر بأن الدعم لا يذهب إلى مستحقيه، ودعى إلى استبدال فكرة الدعم بزيادة الأجور ودعم الطبقات الفقيرة، وكأنه يُشير إلى أن تغطية الأجور سوف تمول من الإيرادات المخصصة لدعم السلع، وهو ما يُعرف في علم الموازنة "بالمُناقلةِ بين الفصول والبنود" وهي أقرب الطرق الآن لتغطية الأجور، نسبة للبدء الفعلي في رفع الدعم والذي نُفذ بنسبة 90% في سلعة الوقود، أيضاً هنالك طريقة أخرى لتغطية المرتبات وهي زيادة العرض من النقود "طباعة أوراق جديدة"، وزيادة العرض من النقود من المؤشرات النقدية التي تضمنتها موازنة العام، وهذه السياسة في العادة تقابلها زيادة في إجمالي الناتج المحلي وزيارة في العرض من السلع حتى لا تسبب في زيادة التضخم.

هل هي زيادة حقيقية؟، أم مُعالجة لانخفاض القيمة الشرائية للجنيه؟

مبدأ زيادة الأجور وهو سلوك اقتصادي سليم، يُساعد على زيادة النمو الاقتصادي وتحقيق الرضى الوظيفي الذي ينعكس إيجاباً على أداء العاملين في القطاعات العامة للدولة وتحقيق الرفاه الاقتصادي لهم، في ظل سياسة اقتصادية رشيدة؛ كما أن هنالك أسباب مختلفة لزيادة الأجور، الحالة السودانية الماثلة الآن هي أقرب للزيادة النقدية وليست الفعلية التي تستند إلى الإصلاحات الهيكلية الكلية.

الزيادة النقدية نفسها في ظل إقتصاد يعاني من التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للنقود فيه دائماً ما تأتي سلباً على الاقتصاد، المُتابع الحصيف لسير الاقتصاد السوداني منذ انفصال الجنوب وإلى يومِنا هذا، يرى أن الدولة في الحقيقة لا تدعم السلع والخدمات بتلك المبالغ التي قُدِّرَت بـ 180 مليار جنيه، وإنما تنفقها كمعالجة لفُروقات القيمة الشرائية للجنيه "سعر الصرف" أمام العملات الأجنبية الآخرى، كذلك هي الأجور الآن تُعالَج بنفس طريقة السابقة مما يعني أن تلك الأزمة لن تبرح مكانها.

الأجور في ميزان النسب والتناسب

ذكر مدير ديوان الخدمة أن المستفيدين من تلك الزيادة حوالي 7 مليون فرداً بما في ذلك القطاع العام والخاص، كما ذكر أن الهيكل الجديد سيطبق فعلياً على القطاع العام أي العاملين بالدولة والذين يتقاضون رواتبهم من وزارة المالية، علماً بأن جميع العاملين بالخدمة المدنية يمثلون 17% من إجمالي الشعب الذي يقدر بـ 40 مليون نسمة، في حين يمثل العاملين في الدولة أقل من 7%، والقطاع الخاص 10%، وزارة المالية ليست لها ولاية على القطاع الخاص حتى تُلزمه بتنفيذ هيكل الأجور الجديد، فالقطاع الخاص نفسه يُعاني من جراء جائحة كورونا، وربما يشهد موجة تسريح واستغناء عن جزء كبير من موظفيه.

 

تلك الزيادة قابلتها زيادة في الاستقطاعات بلغت 25% من إجمالي الراتب، فـ 8% سوف تذهب إلى الضمان الاجتماعي "معاش"، في حين تذهب 17% للدولة ذاتها أي وزارة المالية في شكل ضريبة على الدخل الشخصي التي كانت في السابق تقدر بـ 10%، فهنا يتبين لنا تلك الخديعة الكبرى التي تم بها إلهاء هذا الشعب، فكيف لدولة أن تخرج عن السوق وترفع الدعم عن السلع، ومن ثم تسترد أموال طائلة من رموز النظام السابق قُدرت بأكثر من 300% من حجم موازنة هذا العام- كما زعمت، وبعد كل ذلك تزيد نسبة الاستقطاع الضريبي على المواطن؟!.

 

الآثار السلبية لفايروس كورونا على الاقتصاد السوداني

يواجه الاقتصاد العالمي هذا العام أسوء موجة ركود منذ أزمة الكساد الكبير 1929م؛ وذلك بسبب جائحة كرورنا التي أوقفت الحياة بشكل عام. الاقتصاد السوداني يُعد من أكثر الإقتصادات تضرراً في أفريقيا من تلك الجائحة، خطوة صندوق النقد والبنك الدوليين التي سعت إلى تخفيف عبء الديون عن 25 دولة للمساعدة على مواجهة جائحة كرورنا خلت من اسم السودان، كذلك أثرت جائحة كرورنا سلباً على حشد الدعم المالي لمؤتمر أصدقاء السودان الذي انعقد في بداية هذا الشهر عبر "الفيديوكوفرنس"، فالدول الأوروبية التي كان يُعِّول عليها السودان تأثر اقتصادها بتلك الجائحة، كما كان السودان يتلقى دعم كبير من السعودية والإمارات اللتين تعتبران الحاضنة الدولية للعسكر الذين يقتسمون السلطة مع المدنيين، ولكن بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية وانتشار جائحة كورونا توقف ذلك الدعم.

 

 

الآثار السلبية المحلية على الاقتصاد السوداني بسبب جائحة كرورنا هي أكثر خطورة من الآثار الدولية التي أشرتُ إليها آنفاً؛ الاقتصاد السوداني بطبيعته من الاقتصاديات قليلة النمو والتي تعتمد اعتمادا كُليا في إيراداتها على الضرائب والجمارك وقليل من الناتج المحلي الإجمالي، توقف النشاط الاقتصادي في السودان سيؤثر في ضعف الإيرادات التي شابها منذ بداية هذا العام عجز في تحقيق الربط المقرر، حيث بلغ العجز في الإيرادات للربع الأول للموازنة أكثر من 50% وذلك حسب بيانات صادرة من وزارة المالية، مع ارتفاع التكاليف المالية للتصدي لجائحة كورونا، كذلك من المتوقع جراء تلك الجائحة أن ترتفع معدلات البطالة والضمور الاقتصادي.

 

انفجار السوق في ظل ندرة العرض

زيادة الأجور دائماً ما ترتبط بزيادة الإنتاج وزيادة العرض من السلع والخدمات، حتى لا يحدث اختلال في جهاز الثمن، ودائماً ما تسعى الدول إلى تحقيق ما يُعرف بالسعر التوازني الذي يعبر عن المسار الصحيح للإقتصاد، السوق السوداني بطبيعته أقرب إلى الأسواق غير الرقابية أي التي لا تخضع للرقابة مما يجعل أسعاره تخضع لرغبة البائع، كما أن أغلب المواد والسلع المعروضة فيه هي سلع مستوردة، زيادة الأجور الآن سوف تؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات في ظل توقف الإنتاج المحلي وصعوبة الإستيراد الخارجي في ظل ندرة قائمة منذ بداية الجائحة، كما أن تلك الأجور تزيد من اختلال ميزان العرض والطلب مما يعني انفجار السوق وارتفاع أسعاره.

 

لماذا نسيرُ نحو المجهول؟

لوزير المالية السودانية "هاشتاغ" ذائع الصيت يختم به تغريداته على توتير "ماشين قدام" أي ماضون إلى الأمام، ولكن يبدو أن الوزير لا يفرق بين الأمام والخلف!، فواقع الاقتصاد السوداني منذ توليه مسؤوليته يُكذب أدعائاته، فالمؤشرات العامة للاقتصاد منذ تشكيل حكومة الثورة ظلت في تراجع مستمر، التضخم في زيادة جنونية، مع عجز تجاري، وتدهور في أسعار الصرف، وفشل للموسم الزراعي، وتدهور للصناعات الصغيرة، فكنا في الماضي القريب نسير نحو المجهول، ولكن الآن بسبب السياسات الجديدة سوف نقفز إليه قفزاً!

 

تمثل الأجور الحلقة الأضعف من حلقات الإصلاح الاقتصادي العام، فربما يسعد اليوم العاملين بالدولة بتلك الزيادات، ولكن عندما يذهبون بها إلى الأسواق سيجدون أنفسهم أمام سوق مرتفع، كما أن الدولة في السودان لا تنتج، فالقطاع الخاص صاحب الإنتاج سيجد نفسه أمام زيادة أسعار منتجاته لتغطية زيادة أجور العاملين لديه، وحينها سيرتفع السوق على حسب تكاليف الإنتاج للقطاع الخاص، فارتفاع الأجور هو متتالية عددية، في حين يرتفع السوق بمتتالية هندسية.

ختاماً

تظل مشكلة الاقتصاد السوداني مشكلة كلية ومحلية في المقام الأول، الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى معالجات جذرية على مستوى السياسات الكلية "المالية والنقدية"، كان الأولى لوزارة المالية التركيز على وضع خطة اقتصادية مستدامة تراعي فيها قضايا السلام واقتسام السلطة والثروة، ولكن يبدو أن الوزير فضل الاهتمام بقضية جزئية وهي قضية المرتبات والسلع والخدمات، كذلك ليس من العدل أن تنفق الأموال المستردة من رموز النظام السابق، على قطاع لا يتعدى الـ7% من الشعب فكان الأولى أن تحول تلك الأموال إلى صندوق قومي معني بالتنمية المستدامة، وذلك إن استطاع تحويلها من أصول ثابتة إلى أصول مسيلة بسبب الأخطاء القانونية التي استندت عليها لجنة إزالة التمكين، فيبدو أن وزير المالية مطربٌ بين خيارات تمويل وتغطية هيكل الأجور الجديد، مما يعني أن وضع الاقتصاد بصورة عامة أصبح أمام خيارات عقيمة ربما تعجل بذهاب تلك الحكومة وربما تُوَدِّي بالاقتصاد نفسه إلى الانهيار.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة