أزمة أمريكية إسرائيلية تلوح في الأفق بسبب الصين!

مشروع ميناء حيفا

تلوح في الأُفق، هذه الأيام، بوادر أزمة بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بسبب الصين، التي ستتولى تجديد ميناء حيفا، وهو المشروع الذي تعترض عليه واشنطن بشدة، خاصة مع اقتراب موعد التنفيذ العام القادم. فقد كانت الحكومة الاسرائيلية قد منحت الصين، نهاية عام 2015، عقداً لإعادة بناء ميناء حيفا، مقابل استثماره لمدة 25 سنة قادمة، بحيث يبدأ العمل سنة 2021. وفي حال إصرار إسرائيل المُضي قُدماً في المشروع فإنها ستضع علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن في مهب الريح، على حساب تعزيز علاقاتها مع بكين.

 

المخاوف الاستراتيجية الأمريكية

هناك أسباب متعددة تجعل الولايات المتحدة تتخذ موقفاً متشدداً حيال تأجير ميناء حيفا للصين، لمدة ربع قرن، وبالتالي حرمان واشنطن من ميناءٍ كان يوماً مقراً لأسطولها السادس، على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فيراه الأمريكيون تحول، بين عشية وضحاها، إلى ميناء تسيطر عليه الصين، منافستها الرئيسية على الساحة الدولية، الأمر الذي يعتبر خسارة فادحة للنفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وأوروبا، وإنتكاسة لهيبتها على مستوى العالم، ربما تشكل نقطة بداية لتراجع نفوذها في مناطق اخرى، خاصة في ضوء تعزبز وجود البحرية الروسية في اللأذقية، إلى الشمال قليلاً من حيفا، للحيلولة دون وصول إمدادات أمريكية إلى أوكرانيا. تأجير ميناء حيفا، وإقامة الصين لمحطة تحلية مياه البحر، الأكبر في العالم، لتغطي ربع استهلاك الكيان الصهيوني من مياه الشرب، حمل إدارة ترامب على إرسال وزير الخارجية، جورج بومبيو، في مهمة عاجلة، إلى تل أبيب، حاملاً وجهة نظرها الغاضبة، وتحذيرات شديدة اللهجة، سمعها منه قادة الكيان.

لم تكون إسرائيل ترتبط بعلاقات مع الصين، التي كانت تؤيد القضية الفلسطينية، في عهد ماو تسي تونغ. لكن الأمر اختلف عندما فتح الرئيس الأمريكي الأسبق صفحة جديدة في العلاقات مع الصين

أزمة تلوح في الأُفق

إن مضي اسرائيل قُدماً في مشروع ميناء حيفا، مع الصين، يتعارض مع المصالح الأمريكية، وبالتالي يؤدي إلى تأزيم علاقتها بواشنطن، التي تعتبر الصين تهديداً إستراتيجياً لها، والتي جاءت الآن لتدخل منطقة تعتبرها واشنطن وكأنها عقر دارها. وقد سبق لأمريكا أن أوقفت صفقتين لبيع منظومات عسكرية إسرائيلية إلى الصين تحتويان على تكنولوجيا أميركية. وتعتبر صفقة ميناء حيفا، وتحلية مياه البحر، وصفقات بنى تحتية اخرى، من بين أسباب التوتر القائم حالياً بين الولايات المتحدة والصين.

 

ضغوط دون جدوى

وقد سبق وأن حذر الكونغرس الأمريكي إسرائيل من (الانعكاسات الأمنية للاستثمارت الأجنبية)، وأعرب عن شعوره بـ (القلق البالغ) حيال تأجير ميناء حيفا للصين، سيما أن هناك خططاً لنشر قوات بحرية أمريكية متطورة في الميناء. كما هددت إدارة ترامب الحكومة الاسرائيلية أن تعزيز علاقاتها التجارية مع الصين سيعود بالضرر على التعاون الأمني بين الطرفين. ومارس البيت الأبيض والخارجية ضغوطاً لثني الحكومة الإسرائيلية عن تأجير الميناء، دون جدوى. لذلك لا يمكن لإسرائيل أن تتحدى الولايات المتحدة، بهذا الشكل السافر، بدون أن يكون لها سند دولي آخر، أروربي على الأرجح، راغب في أن تحل الصين محل أمريكا، في مركز الصدارة في العالم.

 

إعتراضات إسرائيلية داخلية

في سياق مساعيها لإقناع إسرائيل بالتراجع، عن تسليم ميناء حيفا إلى الصين، أورد الأمريكيون جملة من الاعتبارات الأمنية التي أشارت إلى ان المشروع سيشكل ضرراً على اسرائيل نفسها، ساعدهم في ذلك المواقف التي اتخذها خبراء أمنيون، داخل الكيان الصهيوني، للاعتراض على المشروع، الذين قالوا أنه يمنح الصين امكانية التجسس، والتنصت، ومراقبة ميناء حيفا، الذي هو أيضاً القاعدة الرئيسية للبحرية الاسرائيلية، بما فيها اسطول الغواصات، التي ستكون مكشوفة للصينيين، من حيث تفاصيل القطع البحرية، والمهام التي تقوم بها في عمق البحر، إضافة إلى إنكشاف تقنيات التعامل مع قنابل العمق، وطرق التشويش، والتسلل تحت سطح البحر.

 

خلاصة القول: كيف انقلب السحر على الساحر؟

لم تكون إسرائيل ترتبط بعلاقات مع الصين، التي كانت تؤيد القضية الفلسطينية، في عهد ماو تسي تونغ. لكن الأمر اختلف عندما فتح الرئيس الأمريكي الأسبق صفحة جديدة في العلاقات مع الصين، مطلع السبعينيات، فأخذت اسرائيل تبيع المعدات العسكرية إلى الصين، بموافقة من واشنطن. وقد بدأت اسرائيل علاقاتها الرسمية مع بكين عام 1992، وظلت تبيعها السلاح، وتوسعت العلاقات التجارية بين الجانبين، حتى أصبحت الصين هي الشريك التجاري رقم 3 للكيان الصهيوني.

 

الأمريكيون هم أنفسهم الذين فتحوا الطريق لإسرائيل كي تورد السلاح إلى الصين، وها هم ينتهى المطاف بهم، بعد هذه العقود، يستجدون ربيبتهم، التي لا عهد لها، أن تتراجع عن بيع موطىء قدم بحري مهم، بالنسبة لهم، إلى قوة دولية منافسة ومتحدية، فانطبق عليهم قول الشاعر: أُعَلِّمُه الرمايَة كُلَّ يَومٍ، فَلَمّا اشتدَّ ساعِدهُ رَماني، وَكَم علمتُه نظمَ القوافي، فَلما قالَ قافيةً هجاني.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة