"منصة للتوظيف عن بعد".. مبادرة فلسطينية لعالم بعد كورونا

blogs تعليم

عانى شعبنا الفلسطيني، طوال السنوات الماضية، من نكبات وأزمات متتابعة، كابد مراراتها بحرقة وألم بالغين، شكلت مآسيها النصيب الأكبر من فسيفساء الذاكرة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته، كانت حافزاً لشعبنا الذي استبدل آلام ذاكرته إلى أمل وعمل، وعكس محنه إلى منح، للنهوض بواقعه، عبر إطلاقه العديد من المبادرات المتنوعة بين حين وآخر للتخفيف من أعباء أزماته التي عايشها.

 

اليوم يجابه هذا الشعب نكبة جديدة، فاقمت أوضاعه المتأزمة أصلاً، وأثّرت فيه كبقية شعوب ودول العالم؛ أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد 19". التي كانت هذه المرة نكبة على العالم أجمع، لا تزال تبعاتها وتأثيراتها جلية ومستمرة، فاستلهم شعبنا من الواقع الذي فُرِض اليوم، معالم الطريق للمرحلة المقبلة، بتنظيم العديد من المبادرات، فما هي آخر مبادراتهم؟

 

وما لفت انتباهي، أثناء متابعتي العديد من أخبار شؤون اللاجئين الفلسطينيين، في أكثر من قارة وساحة عمل في العالم، مبادرة أعلن عنها مؤخرا المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، – وهو مؤتمر يعمل على حشد جهود فلسطينيي الخارج لإطلاق حراك يحقق تفعيل دور الشعب الفلسطيني في الخارج – على منصة (Launch Good للتمويل الجماعي)، وهي مبادرة لتصميم وإنشاء (منصة للتوظيف عن بعد)، لدعم اللاجئين الفلسطينيين حول العالم، بهدف تمكينهم للحصول على وظائف بغية تحقيق الاستقلال المالي، حيث تربطهم مع أصحاب ورجال الأعمال في العالم.

في الحديث عن لبنان، فإن نسبة البطالة وصلت إلى 23 بالمائة بين اللاجئين الفلسطينيين، والفقر المدقع وصل إلى 71 بالمائة، والعمل دون عقود رسمية وصل إلى 92 بالمائة

اللافت في هذه المبادرة، أنها تستعد للمستقبل -والحديث هنا على المستوى الفلسطيني- بنظرة استباقية، فعالم ما بعد كورونا، وفق ما تنبأت به دراسات وتحليلات كثيرة، لن يكون كما قبل الجائحة، فهذه المبادرة تستقبل متغيرات البيئة المحيطة في دوائرها وأطوارها المختلفة، نتيجة تأثير انتشار الفيروس على العالم وعلى الفلسطينيين بشكل أخص هذا من جانب، ومن جانب آخر، تخدم هذا الشعب وتدعم قضيته. وأن حملة التبرعات للمبادرة حققت نجاحا كبيرا في اقترابها من جمع المبلغ المطلوب لإنشاء هذه المنصة حتى الآن، ما يدلل على وجود اهتمام بالغ من كافة الفلسطينيين بالمبادرة وفكرتها.

 

ومن أبرز ميزات المنصة، عرض خبرات اللاجئين الفلسطينيين ومهاراتهم على مجتمع المال والأعمال فلسطينيا وعربيا وعالميا مستفيدين من توزع الفلسطينيين في قارات العالم، ما يساهم في تقديم الدعم للمجتمعات الفلسطينية، وتخفيض معدلات البطالة فيها، كما تعمل على انتشال اللاجئين الواقعين تحت خطر الفقر في هذه المجتمعات. بالمقابل ستوفر المنصة لأصحاب المال والأعمال، توظيف أفضل وأكثر المهارات كفاءة لشواغرهم.

 

وبلغة الأرقام فإن هناك حوالى 1.9 مليون لاجئ فلسطيني (من أصل 5.1 مليون لاجئ مسجل) تحت خط الفقر بحسب وكالة الأونروا خلال تقرير لها في كانون الثاني/يناير 2020، ووفق تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2019، فإن نسبة البطالة في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) بلغت 32 بالمائة، ونسبة الفقر – بحسب تقرير 2017- بين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة بلغت 29 بالمائة، منهم 17 بالمائة تحت خط الفقر المدقع، وهي تتفاوت بين منطقة وأخرى، ففي قطاع غزة بلغت النسبة 54 بالمائة وفي الضفة بلغت 16 بالمائة، بينما يشير الاتحاد الفلسطيني لنقابات العمل في فلسطين بقطاع غزة أن نسبة الفقر بلغت في القطاع أكثر من 80 بالمائة نتيجة الحصار المفروض عليه.

 

وفي الحديث عن لبنان، فإن نسبة البطالة وصلت إلى 23 بالمائة بين اللاجئين الفلسطينيين، والفقر المدقع وصل إلى 71 بالمائة، والعمل دون عقود رسمية وصل إلى 92 بالمائة، وفق تصريحات لساري حنفي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بلبنان نشرت في آذار 2020. أما في سوريا، فتعيش 91 بالمائة من العائلات تحت خط الفقر، من عائلات اللاجئين ممن تبقى فيها بعد الحرب السورية (يقدر عددهم حاليا بـ 438 ألفا).

 

وفي الأردن أظهرت دراسة استقصائية، نشرها معهد "FAFO" النرويجي، عام 2014، ما مفاده أن معدل البطالة بين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن بلغ 13بالمائة داخل المخيمات و3بالمائة خارجها، وبحسب مقياس التقييم الذاتي للاجئين وفقا لظروفهم الاقتصادية، فإن عائلة واحدة من بين 5 عائلات للاجئين في المخيمات تعتبر فقيرة، أي ما نسبته 20 بالمائة من العائلات ونسبة 8 بالمائة من العائلات خارج المخيمات.

 

ومعلوم أن اللاجئين الفلسطينيين ينتشرون في دول أخرى، كالعراق ومصر وباقي الدول العربية، وفي القارة الأوروبية، وفي الأمريكيتين، وشرقي آسيا، ولكن التركيز على فلسطين ودول الطوق، يغطي النسبة الأكبر من أعداد اللاجئين ويعطي فكرة شبه كاملة عن أوضاعهم. وهنا أود التنويه، أنه رغم هول هذه الأرقام التي ذكرتها آنفاً، كان لزاما على جميع أبناء الشعب الفلسطيني وكل مناصر للقضية الفلسطينية، أن يبادر ويقدم كل أسباب النجاح لهذه المبادرة، ولغيرها من المبادرات، ويقدم الدعم لمشروع المنصة، سواء ماديا أو معنويا أو من خلال تسخير الجهود التطوعية لها، لما له من تأثير في التخفيف من معدلات البطالة ونسب الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين.

 

إن هذه المبادرة وغيرها من المبادرات العابرة للحدود، والتي تتجاوز كل العقبات أو معظمها على أقل تقدير، على قدر أهميتها في دعم مجتمعات اللجوء الفلسطيني اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؛ فهي تستقبل عالم ما بعد كورونا، بتجهيزات تتناسب وطبيعة المرحلة ومتطلباتها، وتمهد لفتح الباب أمام مبادرات أخرى مشابهة، بما يخدم شعبنا المنتشر في بقاع الأرض، مما يكرس حقيقة قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف السريع والتفاعل الإيجابي. وتنتقل به لمرحلة عمل جديدة، تغذي العمل الوطني وترفده بشكل أو بآخر بمقومات أكبر لمجابهة المشروع الصهيوني، وتخفف من الأعباء على اللاجئين الفلسطينيين حول العالم وتمدهم بمقومات الصمود وتسند أبرز عناوين القضية الفلسطينية، العودة واللاجئين.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة