كيف تأثرت العمارة بقيام الثورات واندلاع الحروب؟

تتأثر كل مجالات الابداع الفني سواء في فروع الأدب والفنون التصويرية والعمارة حتما بالتحولات المجتمعية خاصة الراديكالية الرافضة للماضي والساعية لمستقبل مغاير مما يدفع حاملي أفكار تلك الثورات أو المؤمنين بتلك الأيدولوجيات بالإتيان بخصائص جديدة تميز منتوجهم بل وتؤسس لمدرسة جديدة تتميز بها الفترة الفكرية المستحدثة.

 

وإذا ألقينا النظر على العمارة الحديثة بوجه خاص، نجد أنها انتهجت سبيلها متأثرة بعدة أحداث جسيمة تعتبر من العوامل الأساسية في إحداث عمارة القرن المنصرم ونشرها وتعميمها على جميع أنحاء العالم، مما عُرف باسم "الطراز الدولي". ومن تلك الأحداث البارزة: الثورة الفرنسية، الثورة الصناعية، الحرب العالمية الأولى والثانية، وأزمة البترول التابعة لحرب أكتوبر 1973.

كيف كانت الثورة الفرنسية نقطة تحول ملحوظة في تاريخ العمارة؟

قبل قيام الثورة الفرنسية كانت الكثير من دول العالم تعيش تحت حكم استبدادي ثيولوجي، وكان أغلب المعماريين يعملون تحت ظل الحكام الذين كلفوهم ببناء القصور والقلاع والمعابد الدينية والنُصب التذكارية بأنواعها المختلفة، وكان الطراز الحاكم لتلك الفترة هي العمارة الكلاسيكية بأنواعها المتفاوتة، أما أفراد الشعب فكانت تُبنى بيوتهم بمجهودات أقرب للذاتية أو عن طريق الاستعانة بحرفيين متخصصين الذين بالطبع لم يخرجوا عن إطار معين من طرز البناء الموجودة في عصرهم.

 

وبقيام الثورة الفرنسية ومع تقلص الفروق بين الطبقات المختلفة، وبدء التمدن بسبب ارتفاع مستوى المعيشة الناتج عن الثورة الصناعية، يدا بيد مع الحركة الاستعمارية التي قادتها الدول الأوروبية، أدى كل ذلك إلى رفع مستوى الفرد الأوروبي ماديًا وثقافيًا واجتماعيًا، وهنا ظهرت المعضلة وهي تكوين الطبقة الرأسمالية، وطبقة العُمال المهاجرين الذين تكدسوا في أحياء ومساكن غير آدمية مما أدى لانتشار بعض الأوبئة الصحية والاجتماعية، مما جعل الحكومة والطبقة الرأسمالية يهرعان إلى انشاء مساكن عصرية تناسبهم، وكان هذا دور المعماريين الذين رأوا عجز العمارة الكلاسيكية عن حل هذا التحدي الجديد، فكان عليهم أن يفكروا في إنشاء عمارة خالية من الزخارف والتفاصيل المعقدة التي تستهلك مالًا ووقتًا كبيرين، ولم تقتصر المشكلة على المساكن فقط، بل رأى المعماريون مع مرور الزمن أنهم في حاجة إلى تصميم مبان جديدة لم تتواجد من قبل مثل المباني الإدارية، المعارض والمصانع والمحطات الخدمية.. الخ.

 

 

مع استمرار فريق من المعماريين رأى ضرورة التمسك بالأشكال الكلاسيكية، وقد تأثر بهذا الفريق العديد من المعماريين الأمريكيين آنذاك حيث سيطرت العمارة الكلاسيكية على معظم المباني الحكومية في أمريكا خلال الربع الأول من القرن العشرين. وعلى النقيض رأى فريق آخر من المعماريين أن كل محاولات إحياء العمارة القديمة ما هي إلا زيف وهروب من مواجهة الواقع، ودعوا إلى عمارة جديدة تكتشف الواقع الجديد، وادعوا أن القدماء لو عرفوا الخرسانة المسلحة لما استخدموا الزخارف العديدة المكونة للطرز الكلاسيكية! وفي الوسط كانت هنالك عدة فرق تتأرجح بين النقيضين، ومع تطور الثورة الصناعية قام المعماريون بإنشاء العديد من الهياكل الخرسانية والحديدية واستخدام الزجاج كمادة أساسية في البناء على أوسع نطاق خاصة عندما رأى المعماريون الإمكانيات التكنولوجية الحديثة فتملكتهم الجرأة في سبر أغوار أشكال معمارية جديدة.

الحرب العالمية الأولى وتأثيرها على العمارة

قامت في تلك الأثناء الحرب العالمية الأولى، والحرب دومُا قرار سياسي قد يحمل تأثيرًا حادًا على العمارة في بقعة ما لفترة زمنية طويلة، فالحرب قد تسوي نسيج مدينة بكاملها بالأرض مدمرة مباني ومجتمعات بأسرها، فتلك المباني تُمحى في ثواني وتظل الحاجة المُلحة لعمارة جديدة قائمة إلى أن تنتهي الحرب. وتضع الحروب والإرهاب الآثار في خطر حيث تصبح تلك الآثار أهدافًا يراد بتدميرها قطع الوصال بين مجتمع ما بأصره الحضارية المبنية، وعلى جانب آخر، تجعل عمارة ما بعد الحرب مبانينا أكثر دفاعية، فالمباني الجديدة تحتاج إلى دفع أي تهديد إرهابي محتمل. ومع التخريب الذي حدث لتلك المدن الأوروبية بعد الحرب، أصبحت تلك المدن ملعبًا مفتوحًا أمام المعماريين والمخططين الذين بدأوا يدعون لعمارة جديدة في وقت أسرع وبتكاليف أقل منها مثلا مدرسة "باوهاوس" المعمارية الشهيرة.

 

ولكن تبعا للأحوال السياسية المتخبطة، تصادمت رغبات بعض الزعماء مع تلك الدعوات مثل هتلر الذي أغلق باوهاوس، أو مثل الدولة الشيوعية التي كانت ضد أي نوع من التجريد في الفن أو العمارة وكانت تحبذ الواقعية التأثيرية المستمدة من التراث الكلاسيكي، يتضح ذلك على سبيل المثال في تصميم مبنى قصر السوفيت عام 1934، أو في إيطاليا كما فعل موسيليني وخلافه. وعلى الرغم من ذلك فان الفترة ما بين الحربي العالمية الأولى والثانية كانت فترة استطاع فيها المعماريون من تطوير أفكارهم واخراج بعضها إلى النور. ​

 

 (مبنى قصر السوفيت)

كيف أثرت "حرب أكتوبر" على عمارة القرن العشرين؟

على الرغم من أن حرب السادس من أكتوبر قامت بين دول صغيرة نسبيًا ولم تدم أكثر من أسبوعين إلا أن تأثيرها كان بالغ الأثر وذلك نتيجة لمنع الدول العربية تصدير بترولها إلى الدول المساندة لـ"إسرائيل" آنذاك، وأدى ذلك القرار المباغت إلى رفع أسعار البترول بشكل لا يصدق مما جعل تلك الدول تحاول تحديد وتقليل استخدامات البترول خاصة في توليد الطاقة الكهربائية، وبالطبع وبما أن المباني لها جزء ضخم من استخدام الطاقة اللازمة للتكييف والتهوية الصناعية والإنارة، أخذ المعماريون في إعادة التفكير بالأسلوب المعماري المنتشر حينها والذي كانت صفته المميزة استخدام مسطحات كبيرة من الزجاج في الواجهات التي تنتقل منها إلى داخل المبنى كمية كبيرة من أشعة الشمس.

 

كذلك إعادة النظر في أشكال المساقط المعمارية العميقة التي لا تصلها أشعة الشمس وكانت تعتمد على الاضاءة الصناعية وفقط، وكانت النتيجة اعادة استخدام المناور الداخلية للمساعدة في التهوية والاضاءة الطبيعية والعودة إلى المساقط الشريطية الغير عميقة، أو جعل المباني تتجه إلى الداخل حيث يوجد أفنية ضخمة تطل عليها الغرف لتصلها أشعة الشمس غير المباشرة، وبالطبع تقليل حجم المسطحات الزجاجية في الواجهات واستبدالها بواجهات بها أجزاء مصمتة أكثر واعادة الاستعانة بمواد البناء الطبيعية مثل الأحجار والطوب والرخام لقدرتهم على العزل الحراري.

 

من الأمثلة السابقة نرى بشكل واضح التأثير التي قد تحدثه الحروب والثورات على تغير العمارة ومن ثم تغير وجه المُدن بسبب اختلاف الأوضاع المُنشئة والعوامل المؤثرة على تصميمها، وهكذا كانت هي بداية تشكل صورة مُدننا في عصرنا الحالي، فبداية عمارتنا كانت مؤلمة، انها الحروب! فلماذا تظل عمارتنا تتخذ نفس شكلها على الرغم من انقضاء مسبباتها؟ فمع عزوف الكثير من الدول الأوروبية عن العمارة الحديثة "كطراز ظهر في منتصف القرن الماضي" مازالت بعض دولنا الشرق أوسطية حبيسة تلك الطراز، فقيرة التعبير عن كينونتها وتراثها. فهل يتغير الوضع المعماري بعالمنا قريبا؟ هذا بالطبع لا يتحدد الا كما رأينا بإصلاح الأوضاع الحاكمة أولا والتي ستؤثر تلقائيا على صورة المنتج الظاهر أمامنا.