الألتروفوبيا.. لماذا نرى الآخر دائما في مرآة ذواتنا مشوها؟

تبني التنشئة الاجتماعية صرح الإنسان السوي، فإذا اختلت أحد أركانها تهاوى هذا الصرح، وأخرجت للعالم إنسانا برتبة مريض نفسي، وتشتمل التنشئة الاجتماعية على كل العادات والتقاليد والشعائر الدينية المتوارثة والتي تسري في الإنسان مسرى الدم، فإذا كان الإنسان كائنا اجتماعيا بطبعه فهو صورة لطبائع مجتمعه، ونظرا لتهميش العلوم الإنسانية في وطننا العربي فنحن لم نعمل يوما على الاستثمار في علمي النفس والاجتماع لتسيير مجتمعاتنا وحمايتها، لذلك ترى التركيبة الاجتماعية العربية رثة، والمواطن العربي عرضة للمسخ الثقافي والعقائدي.

 

تكالبت مؤسسات التنشئة الاجتماعية في الوطن العربي على تحطيم شخصية الإنسان، وللأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية دور محوري في صناعة الاضطرابات النفسية، ومن أهم العقد النفسية وأخطرها عقدة الآخر، رهاب يصنع حاجزا بينك وبين كل من يختلف عنك ثقافيا أو أيديولوجيا أو دينيا، وتعتبر عقدة الآخر أو المعروفة علميا باسم الألتروفوبيا حجر الأساس في بداية العنصرية أو التطرف.

حتى يتخلص العالم من رهاب الآخر ومن السلوكات العنصرية والعصبية القبلية والتي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها منتنة لابد أن يزرع في الأجيال القادمة بذرة  تقبل الآخرين والتعايش السلمي

أسر ودعاة ومناهج تعلمية وبرامج إعلامية ساهمت في تطعيم عقد الآخر عند الفرد العربي عامة والمسلم خاصة، وأعطت للغرب صكا على بياض للطعن في ديننا وهويتنا الإسلامية العربية، أجيال اصطدموا في متاهة التنشئة الاجتماعية ودعوة الله سبحانه وتعالى عباده للتعارف على اختلاف جنسهم وأجناسهم وديانتهم وأماكن تواجدهم في قوله "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" الحجرات:13، فلماذا نرى الآخر دائما في مرآة ذواتنا مشوها؟

 

معظم الصراعات والحروب والتطهيرات العرقية والدينية في تاريخ الإنسانية كان فتيلها النعرة القبلية ومبدأ الغيرية، وتتطور عقدة الآخر وتختلف درجاتها باختلاف طبيعية المجتمعات وتنوع القوميات داخلها وقدرتها على التعايش، فكلما كان المجتمع منفتحا وتعددت داخله الأعراق والأجناس، كلما ساهم ذلك في تراجع درجة العنصرية وأنشأ مزيجا ثقاقيا يكون بمثابة الأرضية الصلبة التي تبنى عليها فكرة تقبل الاختلاف.

 

تقبل الآخر لا يعني الانصهار في فكره وثقافته وهويته، وإلغاء الذات، بل هو مبدأ وثقاقة وفلسفة تساعد الجنس البشري على الاستمرارية، ورهاب الآخر قد لا يقتصر على من يختلف عنك ثقافيا، بل قد يتعداه إلى صراعات فكرية خاوية، كالصراع بين الرجل والمرأة و تعارض الرؤى بين أبناء المذهب أو الدين أو الوطن الواحد، صدام الأفكار والقناعات وبروز حاد لحب الذات، كلها أشكال لعقدة الآخر والتي غذتها تراكمات التنشئة الاجتماعية الخاطئة، ولنا في أمتنا العربية العديد من الأمثلة في صناعة الطائفية، التي فجرت حروبا أهلية وعداوة بين نسيج يشترك في هوية واحدة ووطن واحد.

 

ويمكن أن نعتبر الألتروفوبيا سببا مباشرا في ظهور الجماعات التكفيرية، والتي استغلت الفهم السطحي لمبادئ الدين الإسلامي لتنصب نفسها جبهة توزع صكوك الغفران، وأرادت أن تحصر الدين الإسلامي وفقا لنظرتها وشريعتها الضالة، وتعتبر المغالطات والتي تنشرها حول نظرة الإسلام إلى الآخر نموذجا جاهزا لتبرير الإسلاموفوبيا عند الغرب، ضاربة بعرض الحائط الخاصية الرئيسية للإسلام وأنه دين للعالمين، ولا تختلف نظرة هذه الجماعات للآخر عن نظرة هتلر والذي صنع من وهم الجنس الآري حربا عالمية كانت ضريبتها ملايينا من جثث الأبرياء.

 

وحتى يتخلص العالم من رهاب الآخر ومن السلوكات العنصرية والعصبية القبلية والتي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها منتنة لابد أن يزرع في الأجيال القادمة بذرة  تقبل الآخرين والتعايش السلمي، لأننا في زمن لا مكان فيه لذهنية العشيرة، ويجب أن نصنع من الاختلاف نقطة التقاء للبشرية تحت عرش كلمة تسمى الإنسانية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة