أبو بكر عبد الكلام.. الرئيس الذي تفتقده الهند في زمن الطائفية

كلمات تنبع من عمق الوجدانات، تبعث فيك العزم والإصرار، وتعلمك طرق النجاح المستقيمة أمام العقبات الكؤودة المنصوبة في وجه حلمك، وتحثك على أن تتحدى المستحيلات وتملأ فيك طاقة روحية لا تدري من أين لك كل هذه المقومات، هذه هي الصور التي تختزل لكم سيرة الشخصية الهندية الخالدة، الرئيس الراحل أبو بكر عبد الكلام الذي عاش في قلوب الملايين، ونصب خيمته في روح الهند التي حنت إلى عودة تلك الأيام الجميلة، وقتها كانت الأفكار تتسع والقلوب تتفتح، والجامعات تتفاعل، والمدارس تتنامى، أستدعي هنا ذكرياته الخالدة التي لها نكهة خاصة وذوق جميل في زمن تعيش الأقلية المسلمة فيه وسط موجات طائفية تجتاح الهند من جديد.

 

أن تعيش في دولة تسودها أطياف العنف والقمع، وتعيش ساحتها العامة صناع الإرهاب وأرباب العنف ثم أن تتنامى حتى تصل إلى عرش السلطة فتلك هي ظاهرة لا تتكرر وسحر لا ينقلب، وعند الحديث عن الرئيس الهندي الراحل عبد الكلام تتزاحم الأحزان على فراقه الذي أحدث ثغرة واسعة في سياسة الهند الضبابية، فما كان رئيسا يلوح في موكب من الخدم والحشم، وسط حراس مدججين بالسلام، لا ينزل من سيارته ويكتيفي بتلويح الأيادي وبنظرات عارية ترمى على من حوله، فما كان رئيسا لا نراه إلا تحت الأضواء الإعلامية ليلقي خطابا مجهزا مسبوقا أو ليقدم تعزية أو ليوجه رسالة تهئنة إلى قادة الدول، وما كان رئيسا نتفاخر بعدد سياراته، وشدة حراسته، وفخامة قصره وجلالة منصبه، فتلك كانت الصور النمطية عهدناها منذ الصغر حتى جاءنا رئيس الشعب أبو الكلام الذي غير بوصلة الرئاسة ووجهها نحو الشعب بأكمله، فمنذ صعوده إلى عرش السلطة أدرب الشعب الهندي بأن الرئيس كان إنسانا له قلب رقيق، له موقف لا يتزحزح، له مبادئ لا تساوم، له رؤية واضحة وأفكار صحيحة، فما كان لعبة ترقص حسب نغمات تلحن في أروقة البرلمان، فمن قولته الشهيرة بصدد منصب الرئاسة "علينا أن لا نسيس منصب الرئاسة، فبمجرد انتخاب الرئيس فهو يصبح فوق السياسة"..

 

وكان مهندس الأفكار الملهمة قبل أن يكون رئيسا لأكبر دولة ديمقراطية في العالم، أحب الحوار الهادئ، وشجع الطلاب شبابا وأطفالا، وحثهم على مواصلة المشوار مهما فعل بهم الزمن وأنهكهم المحن، وأوصاهم لبذل كل الثمن في تحقيق الأحلام، وأكد بأن الحلم ليس هو الذي نراه في المنام بل هو الذي يجبرنك على ترك المنام، فبهذا التعريف الملهم المختلف طاف الهند شمالا وجنوبا للملمة شتات الدولة الأكثر تعددا وتنوعا، حتى نجح في مهماته الصعبة، وانتصر في ثورته الفريدة، وأصبح أليف الشباب والطلاب، ولم يسمح لهم لإهدار كرامة علومهم التي اكتسبوها في جامعاتهم، ونصحهم لمتابعة السير وسبر الأغوار مهما كلفه الثمن.

الحديث عن الرئيس عبد الكلام ليس هو حكايات الصواريخ التي أطلقت إلى الفضاء، ولا هو حكايات القنابل النووية التي تم تطويرها تحت إشرافه، بل هو حكايات رئيس الشعب الذي امتلك القلوب وتبوأ مقعدا مباركا في أرواح المواطنين

يعرفه العالم الحديث بالأب الروحي لصواريخ الهند، حقا كان هذا الوصف الجميل مما يعبر عن مدى عصاميته وعبقريته في مجال التقنية الحديثة، لكنه قبل أن يبتكر صواريخ نووية، وقبل أن يطلق أقمارا صناعية إلى الفضائيات كان عبد الكلام معلما ملهما ووالدا رائدا ومرشدا خريتا ورجلا بسيطا في قلوب للملايين، نشأ صحافيا في راميشورام مسقط رأسه، يتهرب من مخالب الفقر، ويشتاق إلى تحقيق الحلم الكبير، فما رغبوا في وصف تلك الشخصية المتشعبة برجل الصواريخ أو بأنيس القنابل النووية التي لا تنم إلا عن الدمار أو الحرب، وإن كانت العناوين المتصدرة عن شخصيته تلك الألقاب والأوسمة. فمن أهم الدروس التي نستلهمها من تلك الحياة هي أن المعجزة نتيجة همة صافية لا تشوبها أدران الأطماع التافهة ولا توقفها المصالح الفردية السافلة، وبعبارة أخرى أن ميلاد البطل يتطلب إلى مراحل حتى تتشحذ قريحته وتتقوى عضلته وتتصلب مواقفه أمام المحن الحارقة التي ستورطه في الحياة لحظة وأخرى.

 

وسيرته الذاتية الموسومة بعنوان "أجنحة من نار" تعد من أبرز السير التي ألهمت الشباب، وكن سفر النجاح بالنسبة لهم، فمن أهم النقاط التي وضعها عبد الكلام عبر سيرته الذاتية هي تلك الآراء والأفكار التي لازمته منذ أن أصبح يراقب المجتمع الهندي الذي لم يزل يتململ في هيمنة العرقية والطائفية، لا سيما بين الهندوس والمسلمين، وهو يرسم صورة واضحة عن الطائفية الهندوسية التي تعرض لها أيام دراسته في المدارس الحكومية، حيث يأمره مدرسه راميشرا شاستري واحد ينتمي إلى الطبقة العليا الهندوسية للتنحي عن زميله الهندوسي الذي يأتي من عائلة علية، إلا أن أبا زميله لاكشمانا شاستري يتدخل في الأمر ليصب وابل الغضب على المعلم الذي لم يقرأ نبض الأطفال ويعنفه على إثارته شعل الفتنة في القلوب البريئة، فبهذه الصورة ينطلق عبد الكلام ليرسم الصور المتناقضة الموجودة في شرائح الهند، في الوقت الذي يسيطر صناع العنف على كافة أصعدة المجتمع يتشكل هنالك سد مضاد يهدم كل ما بناه الطائفيون والعرقيون.

 

وترجمت هذه السيرة إلى عدة لغات وطنية وعالمية منها مليالم، وغجراتية، والهندية والكورية والصينية، لتغذي تلك الصفحات المضيئة عقول الشباب ومن أرهقهم تعب الحياة ومن يئسوا من الحلم، ومن سرقت أمانيهم قبل ازدهارها ونموها، ففيها حكايات المراهق الذي تردد بين شوارع تاملنادوي، يبيع الصحف والمجلات، ينادي بأعلى صوته ليجد فريسة تريح قلبه، ومغاورات الطفل الذي تمرد على الصور النمطية المتردية، وآمال الشاب الذي تشبث بخيوط حلمه، وأفنى عمره وليله ونهاره في تبديد الحواجز السلبية التي وقفت في وجه طموحاته، وقصص المهندس الماهر الذي حقق من أجل الهند أهدافا نبيلة، إلى أن وصل إلى قمة العرش ليعود من جديد إلى تلك الذكريات القديمة حيث أدرك مبكرا آلام الملايين الذين ديست كرامتهم وترنحت حياتهم تحت وطأة الفقر، فأرهف سمعه إلى كل من اشتاق إلى العلوم، وقام أمامهم مدرسا ومهندسا، يعلمهم هندسة الحياة وإعادة صياغتها حتى تتحقق النهضة التي تريدها الدولة.

 

فمن أهم السمات التي احتكرها عبد الكلام أنه ولد ونشأ في أسرة مسلمة متدينة، وترعرع في كنف والد كان مؤذنا المسجد القريب من بيته، وأنه عايش بيئة راميشورام المعروف بمدينة الهياكل الهندوسية حتى أسهمت هذه العناصر الاجتماعية والثقافية في صناعة رجل تلمس نبض الشعب الهندي الأصيل الذي يستعصى على موجات الطائفية والأجندات المسوقة باسم الدين والمعتقدات، وفي تلك الفترة وحتى الآن كان مسلمو الهند يتحيطون لتقبل الشخصيات الحكومية التي تنحدر من أصول مسلمة خوف الانسياق وراءهم شرا وخيرا كما تككرت تلك السينايروهات كثيرا في الهند، حيث تصبح هذه الرموز المسلمة في مرمى السياسة العلمانية أو الهندوسية ليخفت صوت المسلمين وليطعنوا من داخلهم، لكن عبد الكلام لم يك كذلك مع أنه كان مدعوما من قبل الأحزاب الهندوسية وفي رأسها بي ج ب الذي يقوم الآن بأعمال العنف ضد المسلمين، فما انساق وراء تلك الأجندات السياسية بل وقف وقفة الرئيس الصامد، نزل إلى الشعب ليسمعهم ويستجيب لهم، فما ميز بين فقير وغني، وبين سياسي وعامي، بل ظل يضم وجوه الهند المختلفة.

 

إذن الحديث عن الرئيس عبد الكلام ليس هو حكايات الصواريخ التي أطلقت إلى الفضاء، ولا هو حكايات القنابل النووية التي تم تطويرها تحت إشرافه، بل هو حكايات رئيس الشعب الذي امتلك القلوب وتبوأ مقعدا مباركا في أرواح المواطنين حتى ناداه الأطفال بعم عبد الكلام الذي ينادونه إشعارا بالود والاحترام كما نادو جوهر لال نهرو من قبل بعم نهرو، فكلما تضطرم نيران الفاشية في الهند، وتسود عليها ولاة الطائفية والعصبية البحتة تأتي ذكرياتها مجددا لتهلم المواطنين، ولتبعث فيهم الأمل في الوطن الكبير، ولتحيي فيهم معنويات النضال ضد الأفكار المتحجرة والمعتقدات العقيمة تسوق الدولة إلى هاوية.

 

وحتى في زمن كورونا حدثت في الهند ما تبدي سوءتها وتظهر وجهها القاتم، حدثت سلسلة من أعمال العنف التي مارسه بعض العصابات المسلحة بمباركة من الحكومة المركزية ضد المسلمين، أشاعوا شائعات مصبوغة بالكره والبغض، ووصفوا المسلمين بحملة فيروس كورونا بدون أي مبرر، فرغم كل هذه المشاهد المروعة لم تنفض الحكومة الهندية غبارها ولم تصح من رقدتها، لعبت دور الثعلب المكار، وأهملت قضايا الأقلية المسلمة إهانة وإقصاء، فكلما تعصفها رياح الطائفية والعنف تتجدد هنا تلك الهيبة الكلامية وتلك البسمة الكلامية التي أوحت إلى الشعب الهندي أن اتخذوا من التنوع طاقتكم ومن التاريخ مستقبلكم ومن التضامن روحكم ومن التسامح دستوركم.