هل يهدد الحقد الأيديولوجي استقرار تونس؟

blogs تونس

تشهد تونس في المدة الأخيرة تصاعد العنف الأيديولوجي بين جميع مكونات المجتمع السياسي التونسي بكل توجهاته: يساريين وقوميين وليبراليين وإسلاميين وتجمعيين. خاصة من الأطراف التي تقيم تحالفا استراتيجيا مع الثورة المضادة وأنظمة الاستبداد العسكري في المنطقة العربية. إذ يبدو أن هؤلاء جميعا يريدون إعادة التجربة المصرية والسورية بتونس ولو أدى ذلك للحرب الأهلية ولذلك يرتمون جميعا وبالسرعة القصوى في أحضان مجرم الحرب حفتر ويتمنون سيطرته على طرابلس حتى يكون عونا ومددا لهم حين يعلنون النفير العام لغزو تونس وتحريرها من الخوانجية.

 

إنها كلمة كان يرددها في عهد بن علي أعوان الاستبداد والمتعاونين معه من الوشاة والبصاصين من اليسار واليمين الذين اختاروا أن يكونوا أداة قمع وتنكيل بيد النظام الاستبدادي نكاية في الإسلاميين ولا يزال بعضهم لليوم يمارس نفس الدور في الإعلام والبرلمان والأحزاب والنقابات ويحرض على استقرار البلد وأمنها ومستقبل شعبها فقط لتحقيق غرض واحد وهو إبادة الإسلاميين ويقف حجر عثرة أمام كل مصالح تونس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتحقيق ذلك متناسيا أنه حين تغرق السفينة سيكون أول ضحاياها.

   

إنها نخبة بائسة لا تمتلك القدرة العقلية والفكرية والنظرية والعملية لبناء ديمقراطية حقيقية تحقق التعايش معا بين جميع الأفكار والمذاهب والأيديولوجيات خدمة لمصلحة تونس ولا شيء غير مصلحة تونس. إنها نخبة قررت التحالف مع الإرهاب والتهريب والفساد والاستبداد والطغيان لتحقق هدف وأحد وأوحد الإبادة الجماعية للتيار الإسلامي مهما كلف ذلك من خراب وتدمير لتونس ومن تضحية بمستقبل شعبها في حياة كريمة وحرة. ومهما شاهدوا من أمثلة على تهاتف خياراتهم من خلال التجربة الفاشلة في مصر التي حولت مصر لسجن كبير وزادت في بؤس الشعب المصري ولا الدمار الذي خلفه الحقد الأعمى في العراق وسوريا ولا ويلات الحرب الأهلية القبلية المستعرة في اليمن وليبيا. فإن كل هذا الخراب لم يحرك شعرة واحدة في عقولهم الخربة وكأنهم أعجاز نخل خاوية.

 

إنه من المؤسف أن يسيطر الانتهازيين والوصوليين وقدماء البوليس السياسي ووشاته على قرارات الأحزاب والحركات والجبهات السياسية وعلى أغلب منظمات المجتمع المدني والقنوات الإعلامية والتلفزيونية ويشنون حربا بلا هوادة ضد العيش المشترك في تونس ويستعملون كل الوسائل بل وأشدها قذارة لمنع قيام تحالف وطني للقوى السياسية يكون هدفه الوحيد انقاذ الاقتصاد التونسي وتحقيق الرفاه الاجتماعي للشعب.

   undefined

 

إنها حرب قذرة تشن في وسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية التي يسيطر عليها كبار الفاسدين وناهبي المال العام. إنه تحالف استراتيجي بين المال القذر والفساد وبارونات التهريب والقوى الخارجية والداخلية التي تتحكم في الغرفة المظلمة للإرهاب. والهدف الوحيد منه ضرب كل إمكان لقيام دولة ديمقراطية في تونس تكون نموذجا يحتذى به من بقية الشعوب الأخرى ولتحقيق ذلك يبثون سموم الفرقة ويعيدون الجميع لمربع الصراعات الأيديولوجية التي شهدها العالم في فترة الحرب الباردة وأثناء الحكم الاستبدادي الذي خيم على المنطقة العربية طيلة تلك الفترة مستفيدا من الصراع بين الغرب والاتحاد السوفياتي. بل لعل بعضهم يحلم بإعادة السوفيتات واللجان الشعبية لمزيد إحكام سيطرته على مقدرات البلاد وثروتها باسم الدفاع عن المال العام.

 

إن الدعوات لحل الأحزاب والبرلمان إنما غايتها إعادة تونس لمربع الاستبداد مجددا. فالنظام الديمقراطي ومهما كانت العيوب التي فيه (قابلة للإصلاح نظريّا وعمليّا) فإنه يبقى أفضل الأنظمة الممكنة خاصة وهو يضمن أهم حق من الحقوق الطبيعية للإنسان وهو الحرية. ولعل محاولة البعض التفريق بين التحرر والحرية (محاولة للتفريق بين الوسيلة والغاية) إنما دليل على تهاتف هؤلاء واعتمادهم منطق المغالطة لتمرير أفكارهم ورؤاهم المخادعة لشعب يظنون أنه جاهل في حين أنه أكثر معرفة منهم بحقيقة الأمور.

 

لقد أنخرط الإعلام الفاسد بكل قوة في حملة ترذيل (من الرذيلة) الحياة السياسية لأن قيام حياة سياسية فاعلة وحقيقية يهدد مصالحه ومصالح من يقفون ورائه من مافيات التهرب (مانعي الضرائب ومن رجال الأعمال الفاسدين) والتهريب وقوى الثورة المضادة. وهم يبررون ذلك دوما بحرية التعبير والنشر وحرية العرض وأن الإعلام سلطة رابعة مستقلة في خدمة الشعب والوطن. ولكن يجب أن نسجل كما تقول إلزا غودار أن ما يعرض لا يدرك دائما مضمون فعله.. لا يتعلق الأمر إذن بفعل مقصود وحر، ومن جهة ثانية فإن المتلقي الذي يفرض عليه ما يعرض، لا يمتك اختيارا. وبناء عليه فإن "حرية العرض" لا علاقة لها بالحرية. وليس من السهل رسم حدود لحرية التعبير، ولكن بالمقابل هناك حدود للعرض والقابل للعرض: إنها تسمى العار. العار باعتباره آخر ملجأ للوعي الأخلاقي، بعد انتفاء ملكة الحكم. ولذلك أطلق عليهم الشعب التونسي تسمية: إعلام العار. إنه إعلام لا تحكمه ملكة الحكم وخارج دائرة الايتيقا.

 

إن الشعب التونسي مدرك بوعيه الفطري لخطورة هؤلاء وهو فاقد الثقة فيهم جميعا وأدرك أنهم رغم الفرصة التي أعطيت لهم في انتخابات 2019 إلا أنهم مصرون على ارتكاب نفس حماقات من سبقهم. ولذلك هو يعد لهم نفس مصيرهم وهو أن يرميهم في مزبلة التاريخ في انتخابات 2024 فلا تغيير في تونس إلا عبر الصناديق أما من يتصور غير ذلك فهو واهم. فالشعب الذي غادر قفص الاستبداد نحو الحرية لا يمكن أن يعود إليه أبدا مهما فعل أراذل أهل السياسة والإعلام.