في ذكراها.. معركة بدر الكبرى التي لم نتعلم منها!

يقول صاحب الظلال العلامة سيد قطب، أن النصوص القرآنية وما تحمله لنا من قصص ما قبلنا لا تدرك حق إدراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب!، وإنما تدرك أولاً وقبل كل شيء بالحياة في جوها التاريخي الحركي المتجدد، وفي واقعيتها الإيجابية، وتعاملها مع الواقع الحي، وهي إن كانت أبعد مدى وأبقى أثراً من الواقع التاريخي الذي جاءت تواجهه؛ فهي لا تتكشف عن هذا المدى البعيد إلا في ضوء ذلك الواقع التاريخي، ثم يبقى لها إيحاؤها الدائم، وفاعليتها المستمرة؛ ولكن بالنسبة للذين يتحركون بهذا الدين وحدهم ويزاولون منه شبه ما كان يزاوله الذين تنزلت عليهم هذه النصوص أول مرة، ويواجهون من الظروف والأحوال شبه ما كان هؤلاء يواجهون، وكان قطب يشير إلى عزوة بدر الكبرى التي تمر ذكراها السنوية علينا هذه الأيام.

 

الفرقان واقعة عظيمة وانطلاقة إسلامية قوية

والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ، هكذا قالها رسول الله ﷺ وهو يغادر مكة إلى المدنية المنورة في هجرته التي أُكره عليها من قبل المشركين بعد ما عذبُوه وحاربُوه ومنعوا منه الكساء والغذاء وضيقوا عليه في نشر دعوته التي بُعث من أجلها، وفي المدينة أقام رسول الله مُجتمعاً مُسلماً قوياً عُنوانه الاعتصام بحبل الله جميعا والتعاون على نصر الحق ودفع الباطل، فوحد بين الأنصار والمهاجرين في أكبر دَفعة للإسلام، فأقتسم الأنصار أموالهم وبيوتهم وتجارتهم مع المهاجرين الذين تركوا أموالهم في مكة.

 

مثلت معركة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة حدث عظيماً، فهي التي فرقت بين انطلاقة الدعوة واستمرارها أو مقتلِها في مهدها، ففيها قال رسول الله ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد في الأرض أبداً" فكان يدعو هكذا حتى استجاب له ربه وأمده الله بنصرٍ منه، كانت بدر وعداً ربانياً وبُشرى منه، قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" سورة الحج 39، فشكلت بدر فرقاناً بين الحق والباطل فكان الإسلام بين أن يكون أو لا يكون في تلك المعركة، فما كان أمام المسلمين إلا أن ينتصروا فيها وقد فعلوا ذلك، هكذا أسس الإسلام منذ مهده وإلى يومنا هذا فرقاناً بين الحق والباطل.

 

بدر.. دوافعٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية
الجانب الاجتماعي لغزوة بدر كان حاضراً بقوة، فرسول الله ﷺ يرى في سادات وزعماء قريش مهدداً لنشر الدعوة فهؤلاء مطاعون في قومهم، بل هؤلاء الزعماء كان يسخرون من محمد وصحابته بحجة أن رسول الله ﷺ ليس معه ثقل اجتماعي

المتأمل لهجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدنية وقيام معركة بدر، يستلهم ويستخرج مجموعة من الدوافع والأسباب لتك الهجرة وما تبعها خلاف تلك الأهداف المعلومة للعوام، في تلك الهجرة السرية لم يستطع صحابة رسول الله أخذ أموالهم وممتلكاتهم معهم إلى المدنية فتركوها في مكة فأخذتها قريش، فعندما علم رسول الله بقافلتهم بقيادة أبي سفيان وهي في طريقها إلى مكة قرر أخذ تلك القافلة، فرسول الله في حاجة إلى تلك الأموال لنشر دعوته وقبل ذلك هي أموال صحابته الكرام التي أخذتها منهم قريش، فكان الدافع الاقتصادي كبير جداً فأخذ تلك الأموال يجفف منابع الدعم التي يملكها عدوه، أيضاً قريش كانت ترى في وجود رسول الله بمكة خطراً على تجارتها التي تعبر من وإلى الشام، لذلك كان الهدف من جانبها هو أيضاً الكسب الاقتصادي.

 

بدر شكلت لرسول الله ﷺ هدافاً سياسياً، فهو يرغب في التوسع في نشر الدعوة التي بدأها بإرسال برقيات إلى ملوك وزعماء المنطقة مثل هرقل وكسرى وغيرهم يدعوهم للدخول في الإسلام، وهو يعلم بأن الانتصار على قريش سيقوي من شوكته في المنطقة وسيكون له أثرٌ معنوي كبير له وللمسلمين عامة، وجرس إنذار لأعدائه، أما قُريش فكانت تنظر إلى المعركة من منظور علاقتها الإقليمية بتلك الكيانات، فهي لا تريد أن يعلم الأخرون بأن قافلتها قد أُخِذت أو أن رسول الله يُهدًد تجارتها التي تربطها بمُحيطها فكان الدافع السياسي كبير بالنسبة لكليهما.

 

الجانب الاجتماعي لغزوة بدر كان حاضراً بقوة، فرسول الله ﷺ يرى في سادات وزعماء قريش مهدداً لنشر الدعوة فهؤلاء مطاعون في قومهم، بل هؤلاء الزعماء كان يسخرون من محمد وصحابته بحجة أن رسول الله ﷺ ليس معه ثقل اجتماعي ولم يطعه شرفاء القبائل وساداتها، هذا التنمر والإكراه الاجتماعي تجسد فعلياً في عمه العباس الذي رفض أن يسلم بحجه أنه زعيم قرشي، لذلك أول ما أستهدف رسول الله ﷺ في تلك المعركة أعيان وسادات قريش، فقتل منهم أبو جهل، وعمرو بن هشام، وأمية بن خلف وغيرهم، فتحقق لرسول الله ﷺ ما يريده بأن يعظم عقيد الإسلام على عقيد الدم والنسب، فقاتل الأبن أباه والأخ أخاه، وكذلك أبناء العمومة بعضهم البعض. أما قريش كانت ترى في مجرد التفكير بالاعتداء على قافلتها حِطًا لمكانتها الاجتماعية، وامتهانًا لكرامتها، لذلك بلغت أعداد مقاتليها نحو ألف مقاتل، ومعهم مائتا فرس يقودونها من أجل الانتقام من رسول الله.

 

الشُورَى وأثرها النفسي والمعنوي على قبول التحديات

كان رسول الله ﷺ قائداً فذاً؛ فقد شهد له الأعداء بذلك قبل الأصدقاء، أما المستشرقين وعلماء الغرب فقد رأوا فيه منقذاً للبشرية وقائداً لها كما ورد ذلك في أقوال الفيلسوف الإنجليزي جورج برناردشو، فرسول الله ﷺ بدأ انتصاره عندما وحد بين المهاجرين والأنصار، وحدةً أساسُها التقوى والإيمان؛ كما مارس رسول الله الشورى الفعلية مع صحابته امْتِثَالًا لقوله تعالى: " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" آل عمران 159، فعندما علم بأن قريش تريد قتالهُ حتى بعد نجاة قافلتها جمع أصحابه وشاورهم وأشركهم في القرار والمصير، فوافق المهاجرون على القتال وكان أبرزهم أبوبكر وعمر، ثم المقداد بن عمرو الذي قال قولته المشهورة: يا رسول الله، امض لأمر الله، لن نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها :"فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ"، ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون.

 

ثم قال رسول الله ﷺ ثانيةً أشيروا عليَّ أيها الناس وكأنه يريد أن يسمع من الأنصار فالاتفاق معهم لا يلزهم بالدفاع عنه خارج الديار، فقام زعيم الأنصار سعد بن معاذ وقال: والله يا رسول الله لكأنك تريدنا، كأنك تعنينا، وقال أنا أُجيب عنهم فقال: "يا رسول الله لقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة لك، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك" إلى نهاية خطبته المشهورة، هكذا حشد رسول الله ﷺ التأييد من الجانبين، كذلك تمثلت شورته عندما نزل خلف أبار بدر، فسأله الصحابي الحباب بن المنذر فقال: "يا رسول الله هذا منزل أنزله الله لا تتقدّمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فأشار له بأن نجعل الأبار خلفنا، ففعل رسول الله ﷺ.

 

هذه الشورى "الديمقراطية" التي مارسها رسول الله ﷺ مع صحابته في بدر كانت بمثابة الدافع والمشجع لخوض معركة غير متكافئة الجانبين فالمسلمون كان عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، مقابل ما يزيد عن ألف رجلٍ من كفار قريش، فانتصر المسلمون على قريش وهزموها وتحقق لهم ما أرادوا، فكان القانون الذي نظم تلك المعركة والفيصل فيها قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" الأنفال 65.

 

بدر الكبرى ما بين مُعْطَيَات اليوم والأمس

المتأمل والناظر إلى حال المسلمين اليوم في كل أرجاء المعمورة يرى أن جميع المعطيات التي من أجلها قامت غزوة بدر الكبرى متوفرة اليوم في عالمنا العربي والإسلامي، المسلمون اليوم مُهاجرون يتخطفهم الطير من كلٍ مكان، بسبب فشل إدارة الطواغيت والدكتاتورين لبلادهم وأراضيهم، فهؤلاء يمارسون بطشاً وفشلاً اقتصاديا وسياسياً واجتماعياً على المسلمين وعلمائهم، الذين هم ورثة الأنبياء، بل ذهبوا أبعد من ذلك زجوا بهم في السجون وقتلوا بعضاً منهم فيها، بل منهم من دمر ومزق دولاً وشرد الأطفال ورمّل النساء؛ كذلك أموال المسلمين اليوم تنفق على محاربتهم فكم من دول أنفقت اليوم على جماعة أخرى معادية لشعوبها، من أجل تنفيذ مشروعها الذي يعاد الإسلام والمسلمين.

 

المسلمون اليوم أشد حوجة من ذي قبل لقائدٍ رشيد وحكيم يوحد صفهم ويجمع كلمتهم ومن ثم يحررهم من هؤلاء الطواغيت، ولسان حاله ينشد فيهم "هلم رسول الله أعددنا العريش القوم هم القوم كأنهم قريش والحق هو الحق مرماه لن يطيش". يقول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ" الأنفال 36.

 

الخُلاَصة

هذه القصص القرآنية التي نحتفي ونحتفل بذكراها في كل عام، سواء كانت معارك أو غيرها من الأحداث، فهي ليست من أجل الذكرى فقط أو التفاخر، وإنما هي من أجل التأمل والتدبر ومن ثم استلهام العبر والدروس منها وتطبيقها في الواقع المتجدد، "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"، فبدر الكبرى هي منهج حياة لمن تأملها وتدبرها في سور القران والسيرة النبوية، فبدر حياة دعوية وتنظيمية واقتصادية وسياسية وعسكرية، فكانت فيها الغنائم وتقسيمها، والأسرى واحترام حقوقهم، وحرمة الموتى، كانت بدر القيادة التي نفتقدها اليوم، كانت بدر شورى حقيقة "ديمقراطية" يعجز عن ممارستها اليوم الكثيرون، كان في بدر العدل عندما أراد أن يقتص الرعية من الراعي، وعندما كان رسول الله يقاسمهم ركوب الجمل، كانت بدر وحدة إسلامية ومجتمعية قائمة على أساس التقوى لا النسب والأعراق، فبدر نحتفي بها كل عام ولكن نجهل ونغفل عن أسبابها وأهدافها ونتائجها التي لولاها لما كان هنالك إسلامٌ نهتدي به اليوم، والحديث هنا عن بدر الكبرى هو غيضٌ من فيض؛ يقول الله عز وجل: "أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد 24)..



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة