زلازل أبو يعرب تضرب الربيع العربي!

blogs الثورة المصرية

في ظل الادعاء المتكرر، بأن الشعب المصري لا يثور، وهو ادعاء يراد له أن يصبح أحد ثوابت الشخصية المصرية، وهو ما يحاول مدعوه أن يجدوافي البيئة الجغرافية متكأ للتدليل عليه، مدللين بأن المجتمع المصري مجتمع زراعي وحضارته نهرية، فإن أهله يجنحون إلى الاستقرار، وإن صحت النتيجة وهو ما لا يمكن التسليم به، فإن المعطيات تنسحب على كل شعوب العالم التي تعيش بجوار الأنهار أو تمتهن الزراعة، ولو سلمنا بالنتيجة.. فإن الثورة في أصلها استثناء.

 

ينحت التاريخ صدق الرواية التي تكذب المدعي، فأول ثورة عرفها ذلك الشعب الذي يميل للتغيير كانت على حكم الملك بيبي الثاني بين عام 2280 وعام 2132 قبل الميلاد، ثم عاد وثار ضد الهكسوس، ثم ثار بقيادة اخناتون ضد الموروث الديني وتسلط الكهنة، ثم توالت الهبات ضد الفرس والروم، وحتى تحت حكم الدولة الإسلامية لم يخنع الشعب المصري، ولم يقبل بالظلم حتى لو أحاط الحاكم نفسه بهالة التقديس أو ادعى انطلاقه من منزلات السماء، فثار الشعب على المماليك والعثمانيين، وثم المحتل الفرنسي، لا نصرة للمماليك أو غيرهم ولكن غضبا لكرامته ودفاعا عن شرفه، على الرغم من أن المحتل الفرنسي أتاهم بسلاح فتاك لم يعهدوه، وفي العصر الحديث عرف الشعب ثورات اللاعنف، بدأت في عشرينيات القرن الماضي من ثورة 1919 واستمرت ضد الفساد والمستبدين فكانت انتفاضة 18 و19 يناير 1977 وصولا لثورة يناير العظيمة، هذا التاريخ المجيد للشعب الحي يؤكد أن هذا الشعب وتحت القمع والقبضة الأمنية لهو شعب قابل للتثوير.

  

ومن ثم فإن التاريخ يكذب نظرية الاستقرار، وفالميل الطبيعي له لا يتنافى مع شخصية المصري القابلة والمطالبة للتغيير، فذلك الشعب الذي قبلَ أن يغير دينه الوثني إلى المسيحية ثم إلى الإسلام، كما قبل أن يغير لغته من الهيروغليفية إلى اللغة القبطية ليستقر على العربية لهو شعب قابل للتغيير والتغير، ينقل عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه قال واصفا أهل مصر: (لا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه… واتقوا فيهم ثلاثاً: نساؤهم فلا تقربوهن بسوء وإلا أكلوكم كما تأكل الأسود فرائسها، أرضهم وإلا حاربتكم صخور جبالهم، دينهم وإلا أحرقوا عليكم دنياكم).

 

يتحدث علماء التربية بأن التحفيز أو عما يسمى بدافعية الإنجاز، وهي التي تلعب دوراً مُهماً في رفع مستوى أداء الفرد، بل والمجتمع، وتزيد من إنتاجيته في مختلف المجالات والأنشطة
إعلان

أما القول بأن: (ثلاثة أرباع الشعب المصري تحكمه ثقافة الاستسلام للأقدار بالمعنى المعاكس لرؤية الإسلام مدفوعة بفقر الفلاحين الذين هم شبه عبيد لأسياد مسيطرين اقتصاديا وهيمنة علتها ثقافي هي الروحانية الزائفة للتصوف، وأن شباب مصر لم يفهم هذه الظاهرة ولن يستطيع تحريك ثورة إصلاحية ومن ثم فإنه من العسير تصور ثورة شعبية ممكنة في مصر، لأن عبادة التاريخ الميت والمفاخرة بالتراث الذي في الحقيقة لم يصنعه الشعب المصري، واستعظام أي شيء يفعلوه الشعب حتى ولو كان أدنى درجات مما ينتظر من شعب كبير مثل الشعب المصري، فهو عنترية زائفة لا تتجاوز الحناجر) هو قول ينافي الفترة الطبيعية للإنسان والتاريخ الذي سطر شخصية هذا الشعب، الذي حقق ولا يزال نجاحات وتحولات لا ينكرها إلا جاحد.

 

يقول الدكتور أبو يعرب المرزوقي (إن كلامي هذا قد يغضب الكثير من أصدقائي المصريين. لكنهم يعلمون أني أقول ذلك ليس تعييرا لشعب مصر -شتان بينه وبين ثقافة نخبه التي أذلته بها- بل توضيحا لما اعتبره عوائق دوره الذي يليق به). لكن الحقيقة يا دكتور كلامك ليس توضيحا بل تجريحا، لأنك عممت ولم تخصص، فاستدراكك بأن كلامك موجه للنخبة لا يرفع عنك وزر سب شعب وإنكار تاريخ لم يمض عليه إلا أيام، فذلك الشعب الذي خرج بعدد قارب الــ 35 مليون مواطن ضد مبارك في ثورة يناير أعظم ثورة عرفتها البشرية في القرن الواحد والعشرين، وأظنها ستحمل هذه الصفة لفترة طويلة، يدحض ما ذهبت إليه، حتى الملايين التي خرجت ضد الرئيس مرسي، ولا ننكر، فخروجها يعني أن هذا الشعب بكل أطيافه يعرف كيف يغير، وإن كنت تريد من مقالك هذا هو المكاشفة والنصيحة، كثائر تريد للأمة المصرية العظيمة أن تنفض عن كاهلها الظلم لتنهض وتقود هذه الأمة الكبرى، أمة العرب والمسلمين، فأنت تعرف بل توقن أن لا قيام لهذه الأمة إلا بقيام هذا الشعب الذي نعته بالعبودية، فاستعباد هذا الشعب معناه أن الأمة مستعبدة، فلا يمكن أن يقبل بهكذا نصح، لا المصريون ولا العرب.

 

يتحدث علماء التربية بأن التحفيز أو عما يسمى بدافعية الإنجاز، وهي التي تلعب دوراً مُهماً في رفع مستوى أداء الفرد، بل والمجتمع، وتزيد من إنتاجيته في مختلف المجالات والأنشطة، وإذا ما قلنا إن الثورة أحد الأنشطة البشرية أو هي أقدسها على الإطلاق بعد العبادات، فإن التحفيز مهم جدا لإخراج أفضل ما يكمن الفرد من طاقات، فالتضحية بالوقت والمال بل والنفس إنما تأتي بالمحفزات لا بالمثبطات، فلا يمكن أن تأتي بإنسان بليد وتنعته بالبلادة وتنتظر منه إنجازا، فإن كنت ناصحا فلقد شططت، وإن كنت رائدا فلقد افتقدت التواصل، وإن كنت واصفا فلقد ظلمت، وبين هذه وتلك فقد صدق فيك قول الشاعر:

أوردها سعد وسعد مشتمل      ما هكذا يا سعد تورد الإبل

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان