من أجل منظمة دولية جديدة بدل الأمم المتحدة!

عرف القرن الماضي حدثين عظيمين جللين تمثلا في حربين عالميتين شكلتا منعطفاً حاسماً في تاريخ الإنسانية. وبعيداً عن الخوض في الأسباب والمسببات، فإن النتائج كانت كارثية بكل المقاييس على الأنفس والأموال والثمرات والبنيات التحتية. والأكيد أن الحرب العالمية الثانية كانت أشد وطئاً من نظيرتها الأولى، ولا أدل على ذلك من إلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتين يابانيتين هما هيروشيما وناغازاكي.

 

وبالموازاة مع هذا الدمار الهائل والخسائر الفادحة في الأرواح البشرية وفي البنى الاقتصادية، أخذت العلاقات الدولية منحى آخر تجلى في انقسام العالم إلى كتلتين: كتلة شرقية بقيادة الاتحاد السوفياتي، وكتلة غربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور ما سُمي بتجمع "دول عدم الانحياز" الذي لم يكن له في الحقيقة إلا تواجد رمزي لا أقل ولا أكثر. المهم أن المنتصرين، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا، الاتحاد السوفياتي والصين، أملوا قواعد ومعايير تسيير شؤون العالم من خلال تبوؤهم المقاعد الخمسة لمجلس الأمن الدولي بعد تعويض "عصبة الأمم" بمنظمة "الأمم المتحدة" التي يبدو أنها لم تأخذ من هذه الصفة إلا الاسم. بعدما سكتت لغة المدافع والصواريخ، شُرِعَ عملياً في الحديث عن النظام العالمي الجديد، وشُنَّت حرب باردة على أساس إيديولوجي في الظاهر، لكنه أخفى صراعاً بين قوى تُنَافِحُ من أجل قيادة العالم، وسعت إلى ذلك بشتى الطرق العسكرية والاقتصادية والمالية والاستخباراتية.. إلى أن حُسِمَ الصراع لصالح المعسكر الغربي مع انهيار جدار برلين في ليلة تاريخية من نوفمبر/تشرين الثاني من سنة 1989، وبروز آفاق جديدة في العلاقات الدولية تجلت فيما سُمي بـ"الأحادية القطبية".

 

ليس خافياً أن هناك مطالب لباحثين وخبراء وسياسيين تصب في ضرورة "خلق حكومة لتسيير العالم"، وهذا طرح لا نتفق معه لعدة أسباب ليس المقال مناسبة لذكرها. ولكن نذكر أن ذلك، على الأقل، سَيُدْخِلُنَا في متاهات جديدة

غير أن ظهور صراعات جديدة وقوى جديدة وظواهر جديدة كالإرهاب العابر للحدود الوطنية، جعل العديد من الدول والمنظمات والمفكرين والباحثين وغيرهم ينادون بضرورة إصلاح هيئة الأمم المتحدة، وذلك أساساً من خلال زيادة عدد مقاعد أعضاء مجلس الأمن الدولي الذين، وكما يعلم الجميع، يتمتعون بحق النقض (الفيتو)، فَصَارَ هذا مطلب عدد من الدول مثل ألمانيا واليابان وهما أكبر الخاسرين في الحرب العالمية الثانية، وأيضاً تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان. وأصبح الحديث أيضاً عن ممثل للعرب وممثل للأفارقة، وتعزيز تواجد القارة الآسيوية الممثلة حالياً بالصين فقط. في مقالنا هذا لن نتحدث عن إصلاحٍ للأمم المتحدة، بل إننا ندعو إلى تعويضها بمنظمة أو مؤسسة دولية جديدة مثلما تم تعويض "عصبة الأمم" بهيئة "الأمم المتحدة".

 

لماذا التعويض وليس الإصلاح؟

من بين الأسباب التي تجعلنا ندافع عن ضرورة خلق إطار دولي جديد من شأنه تدبير شؤون العالم وتحقيق السلم والسلام والرخاء بشكل أفيد وأوسع لصالح كل مكونات المجتمع الدولي، نورد ما يلي:

 

– الظرفية التي تم فيها تأسيس منظمة الأمم المتحدة كما سبقت الإشارة، اتسمت بإملاء القوى المنتصرة منطقها واستئثارها بالوضعية الاعتبارية الدولية مما ساهم في ضمان قوتها على كافة الأصعدة. إذن، فالطعن في ظرفية التأسيس مشروع، لأنه تم تحت الضغط وبمنطق رابح – خاسر.

 

– عدم توصل منظمة الأمم المتحدة إلى حل صراعات ونزاعات عمرت تقريباً نفس عمرها كالقضية الفلسطينية (لا نتحدث عن "اتفاق أوسلو" الهش، بل نتحدث عن الحل النهائي والعادل)، وقضية الصحراء المغربية التي دامت حتى الآن حوالي 45 سنة، وقضية كشمير وغيرها كثير، إلى درجة أن التقادم في بعض الصراعات والنزاعات أصبح سمة هذه المنظمة التي يبدو أنها استنفدت جميع وسائلها وسبب وجودها.

 

– تطور بنية العلاقات الدولية بشكل أفضى إلى ظهور تحالفات جديدة تحت غطاء التكتلات السياسية والاقتصادية الجهوية والقارية كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي..

 

– تطور نمط الحياة بالاعتماد الكبير والمتزايد، يوماً بعد يوم، على تكنولوجيا المعلومات وظهور مواطنين جدد "رقميين" ينتمون إلى قارة "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب"… إلخ، أي ينتمون إجمالاً إلى العالم الافتراضي.

 

– تطور أنماط الصراعات الدولية وأشكال النزاعات العسكرية من الأرضية إلى المائية، فالجوية، فالفضائية، فالافتراضية.

 

– ظهور أخطار جديدة تهدد ساكنة العالم كظاهرة الإرهاب الدولي والكوارث الطبيعية وأزمة التغيرات المناخية والأوبئة الفتاكة والأزمات المتكررة… إلخ.

 

– غياب الحد الأدنى من آليات التضامن والتآزر والتعاضد بين الدول، وقد برز هذا الغياب بشكل مرعب ومخيف خاصة مع ظهور وباء (كوفيد 19) الذي أوقف حركة تنقل الأشخاص وشل آلة الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق.

 

– ظهور مقياس جديد للتمييز بين الدول، حيث لم يعد المقياس هو كبر المساحة الجغرافية ولا القوة، وإنما أصبح المقياس هو التأثير. فقد ظهرت دول ليست كبيرة ولا قوية، ومع ذلك فهي مؤثرة جداً في محيطها الجهوي وحتى على المستوى الدولي، ونضرب أمثلة على ذلك بكل من دولة قطر على المستوى السياسي والاستراتيجي والإعلامي، والمغرب الذي واجه لحد الساعة جائحة "كورونا" بشكل استباقي وناجح وحازم، وتركيا التي ترسل المساعدات إلى دول يُفْتَرَضُ أنها قوية ومتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي فقدت الكثير من هيبتها بسبب طريقة تعاملها المرتبكة مع أزمة فيروس "كورونا" القاتل.

 

نكتفي بسرد بعضٍ من الأسباب دون إسهاب، لكننا نؤكد أن الظروف قد تغيرت بطريقة لافتة وجذرية على مختلف المستويات، وصَارَ من الضروري العمل على تهيئة ظروف جديدة بهدف إحداث إطار عالمي جديد من شأنه أن يكون في مستوى التحديات والإكراهات والصراعات التي تواجه البشرية جمعاء، وليس فقط تَطْعِيم مجلس الأمن الدولي بأعضاء جدد لولوج نادي الكبار.

 

أي إطار أنسب وأنجع لحل مشاكل العالم؟

ليس خافياً أن هناك مطالب لباحثين وخبراء وسياسيين تصب في ضرورة "خلق حكومة لتسيير العالم"، وهذا طرح لا نتفق معه لعدة أسباب ليس المقال مناسبة لذكرها. ولكن نذكر أن ذلك، على الأقل، سَيُدْخِلُنَا في متاهات جديدة من قبيل ضرورة إنشاء جهاز تشريعي ورقابي وحتى جهاز قضائي. صحيح أن العالم بات قرية صغيرة، إلا أن أدوات الحكامة المتعارف عليها والمطبقة على الدول لن تجدي نفعاً، وستزيد الأمور تعقيداً… وبدلاً من أن نحل المشاكل المطروحة، سنسقط في بئر البيروقراطية الكابحة وأشكال أخرى من العراقيل. تصورنا للأمور بسيط، وهو على الشكل الآتي:

 

1 – تأسيس مجلس دولي من أهدافه الكبرى:

– جعل الكرة الأرضية موطناً للسلم والرخاء والتنمية المشتركة والعدالة بكل أشكالها.

– جعل الإنسان وكل كائن حي في صلب الاهتمامات الاستراتيجية والأولويات الحيوية للمجلس.

– التقليص من العوامل المهددة للبشرية وللحياة فوق سطح الأرض من خلال تدبير حكيم لملف الأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية، والحد من انبعاثات الغازات المضرة بالبيئة.

– سن قوانين شفافة للمنافسة ببعد إنساني واضح بما يضمن حق المستهلك العالمي.

– الحد من سباق التسلح المحموم والعشوائي المفضي إلى الحروب والنزاعات العسكرية المدمرة.

 

2 – تشكيلة المجلس الدولي:

يمكن اقتراح عدة صيغ لتشكيل المجلس اعتمادا على مقاييس مختلفة نذكر منها:

– المقياس الجغرافي: تُقَسَّمُ الكرة الأرضية إلى أربع قارات تكون لكل واحدة منها تمثيلية بخمسة أعضاء يتناوبون كل سنة، على أن يكون هناك ممثل عن كل قارة في مجلس مصغر يُحْتَكَمُ إليه خلال الطعن في بعض القرارات.

– المقياس السكاني: يتم اعتماد أعضاء المجلس حسب تعداد سكان كل قارة على حدة. إلا أنه في هذه الحالة، ستحظى القارة الآسيوية بنصيب الأسد (يعيش 61 في المائة من سكان العالم في آسيا: 4.7 مليار نسمة)، وهذا المقياس لا نشجعه كثيراً.

– مقياس التكتلات الجهوية والقارية: هذا المقياس يبدو الأقرب للتنفيذ ما دام أننا نجد على مستوى كل قارة تقريباً اتحادات كبرى كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، ويمكن إنشاء اتحاد آسيوي وآخر أمريكي.

 

– المقياس العَقَدِي (حتى لا نقول الديني): هذا المقياس سَيُطْعَنُ فيه نظراً لقوة وتأثير التيار العلماني في العالم، حيث يمكن الاستناد إلى تمثيلية للديانات الموحدة، وتمثيلية للديانات الأخرى كالبوذية التي تعد رابع أكبر ديانة في العالم بعد المسيحية والإسلام والهندوسية، ويصل تعداد أتباعها إلى أكثر من 520 مليون نسمة، أي ما يعادل أزيد من 7 في المائة من سكان العالم.

– مقياس التأثير: وهو مقياس جديد أخذ مكانه، بشكل تدريجي وبارز، في منظومة العلاقات الدولية نظراً للمكانة التي أصبحت تتبوؤها دول ليست في الواجهة ولا تستوفي لا شروط كبر المساحة الجغرافية ولا معايير القوة العسكرية، ولكنها تدخل في إطار تصنيف "القوة الناعمة" مثل قطر وسويسرا والدول الإسكندنافية.

 

وهذه الدول يمكن أن تَتَشَكَّلَ في إطار "مجلس للحكماء" يتدخل، بفضل تأثيره، من أجل تجاوز العقبات وتقريب وجهات النظر حين تستعصي النزاعات على الحل (النرويج استضافت "اتفاق أوسلو" عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية).

 

3 – هيكلة المجلس الدولي:

نميل مما سبق إلى تفضيل المقترح الأول بتشكيل مجلس دولي موسع يضم تمثيلية قارية بعشرين (20) عضواً؛ أي خمسة أعضاء لكل قارة من القارات الأربع (على أساس التناوب بين الدول)، ومجلس مصغر يضم أربعة أعضاء (عضو عن كل قارة)، ومجلس حكماء يضم بعض الدول المؤثرة في العالم. يَتْبَعُ هذا المجلس منظمات متخصصة مع ضرورة إلغاء بعضها لكونها أصبحت متجاوزة، وإدماج أخرى، وإنشاء منظمات جديدة، ونقترح في هذا الصدد ما يلي:

 

– منظمة الرقي بالصحة ومكافحة الأوبئة والأمراض الفتاكة.

– منظمة الاقتصاد والتعاملات المالية والتنمية المستدامة.

– منظمة الرقي بالإنسان تُعْنَى بالثقافة والأخلاق والعلوم والبحث وحقوق الإنسان وغيرها من المجالات ذات الصلة.

– منظمة التعاملات الافتراضية (مقترح جديد).

– المنظمة الاجتماعية العالمية (مقترح جديد)، وقد سبق وأن تطرقنا إليها.

 

في مقال سابق نشر يوم 14 أبريل/نيسان 2020 في موقع (آذار. ما) المغربي تحت عنوان: "زهير داودي يتساءل: لماذا لا تدعم الأمم المتحدة مبادرة الملك محمد السادس لمحاربة (كورونا) في أفريقيا؟".

– المنظمة النقدية العالمية (مقترح جديد)، ويكون دورها تأطير التعاملات النقدية في العالم، والعمل على خلق عملة دولية جديدة بدل الدولار واليورو بغرض تخليص بلدان المعمورة الأخرى من سيف التبعية للولايات المتحدة الأمريكية ولمنطقة اليورو.

– المنظمة الدولية لإدارة الأزمات (مقترح جديد).

– منظمة الأمن والسلم (مقترح جديد).

 

لقد شهد العالم المعاصر تغيرات فارقة وجذرية لعل أهم ما يُمَيِّزُهَا هو سُرْعَتُهَا مما يستوجب إنشاء "مجلس دولي" يكون في مستوى التغيرات المسجلة حالياً وتلك القادمة في الأمدين المتوسط والبعيد، مع الحرص على أن تكون هذه المؤسسة الجديدة مُزَوَّدَة بكل ما يلزم لرفع التحديات والرهانات، فجائحة (كورونا) أثبتت أن العالم برمته لم يكن مستعداً لمواجهتها، ولا يزال غير مستعد لمواجهة أي خطر قد يهدد البشرية لا قدر الله. ونعتقد أن هذه الخطوة ستساهم، ولا شك، في إحداث الوقع الإيجابي من أجل أن تنعم الكائنات الحية فوق الأرض بالعيش الكريم والآمن.

 

هذا المقال هو بمثابة اقتراحات لا يسع المجال للخوض فيها بإسهاب وشرح أبعاد كل واحدة منها (نرجو أن تتاح الفرصة لبسطها بشكل أعمق من خلال يوم دراسي مثلاً)، لكنه يبقى أرضية للنقاش والتبادل والإثراء من أجل إيصال الفكرة الرئيسة؛ وهي تعويض منظمة الأمم المتحدة بمنظمة أكثر فعالية وفاعلية تستجيب لروح العصر وتحديات المستقبل، والتي نقترح تسميتها بـ"المجلس الدولي".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة