معركة تولوز.. قصة أول مواجهة عسكرية بين العرب والفرنجة

حملة السمح بن مالك على فرنسا
في رمضان سنة 102هـ، خرج السمح بن مالك الخولاني أمير الأندلس على رأس حملة عسكرية إلى بلاد الفرنجة (فرنسا)، واخترق جبال البيرينية من جهة الشرق، أي من الممر الساحلي التقليدي، أو ممر قطالونيا، في ناحية برشلونة على البحر المتوسط، وأفضى إلى أراضي مقاطعة سبتمانيا، الواقعة فيما وراء السفوح الشمالية الشرقية لجبال البرت في جنوب شرقي فرنسا، وتمكن من فتح المدينة المهمة نربونة عاصمة المقاطعة، ومعظم مدن هذه المقاطعة، وكانت سبتمانيا حينذاك تابعة للقوط الغربيين في إسبانيا، برغم الحاجز الجبلي بينهما، ولم تكن تابعة للدولة الفرنجية (فرنسا)، برغم أنها جغرافياً وطبيعياً جزء منها، وهي شريط من الأرض يمتد بمحاذاة ساحل البحر المتوسط جنوبي فرنسا، من جبال البرتات حتى مصب نهر الرون.

وقد أقام السمح بن مالك حكومة إسلامية في هذه المقاطعة واتخذ نربونة عاصمة لها، بعد أن قام بتحصينها وشحنها بالمؤن والمقاتلين، حتى تصد غارات من يهاجمها. وكانت غالة آنذاك مقسمة إلى عدد من المقاطعات أهمها: دوقية أكيتانية، التي يسميها المؤرخون العرب «أقطانية»، أو «أكيطانية، الواقعة في جنوب غرب فرنسا، بين نهر اللوار شمالاً، ونهر الجارون جنوباً، ونهر الرون شرقاً وخليج بسكاي غرباً، ثم مقاطعة بروفانس في شمال سبتمانيا الشرقي، وعاصمتها أبنيون، على نهر الرون، وإلى الغرب من هذا النهر تقع مقاطعة برغندية، وعاصمتها ليون، وكانت المنطقة الواقعة في شمال أقطانية بعد نهر اللوار خاضعة للدولة الميروفنجية، وعاصمتها باريس. أما فرنسا كاصطلاح جغرافي لم تكن قد وجدت بعد ككتلة واحدة أو كوحدة سياسية، وكذلك لم تكن قد تكونت بعد اللغة الفرنسية آنذاك، ولكن جذور فرنسا المستقلة كانت قد وضعت وهيئت الأسباب والعوامل لنشوء الأمة الفرنسية.

عشية عبور السمح بن مالك إلى غالة كان كل منهما يعد العدة لمجابهة الآخر، فكانت الحرب على وشك الوقوع بينهما. بيد أن الدوق أودو عندما رأى المسلمين يزحفون نحو بلاده أرتأى أن خلافه مع شارل يمكن تأجيله

واختار السمح بن مالك بعد أن استكمل فتح سبتمانيا التوجه إلى فتح دوقية أقطانية، وكانت تمثل مركز الثقل لدى الفرنجة، بعد المملكة الفرنجية الواقعة في شمالها، وكانت أقطانية من أغنى الدوقيات وأوسعها في حوض نهر الجارون في جنوبي غالة، واشتهرت بخصوبة أرضها، وبوفرة إنتاجها من القمح والفاكهة، كما اشتهرت بكثرة مياهها وأنهارها، التي تتغذى من ذوبان الثلوج، ومن ذلك اشتق اسمها «أكيتانية»، والذي يعني باللاتينية «بلاد المياه»، وفيها المدن الشهيرة، تولوز، وبواتييه، وبوردو (أكبر مدن الإقليم حينذاك)، وكان أدواق هذه المقاطعة يطمحون دائماً إلى الاستقلال عن المملكة الفرنجية، ربما منذ الربع الأخير من القرن السابع، وكان سيدها حينذاك هو الدوق أودو أو أوديس، وكانت قاعد حكمه هي بوردو، على مصب نهر الجارون، في جنوب غربي فرنسا، على بعد 96 كم من المحيط الأطلسي.

والمهم أن السمح بن مالك زحف على رأس جيشه، شمالاً بغرب، لغزو دوقية أقطانية، فعبر نهر الجارون لفتح مدينة طولوشة (تولوز)، بوابة الدخول إلى هذه المقاطعة، ولكن أهلها أغلقوا أبوابها دونه، ففرض الحصار عليها، وبدأت محاولات المسلمين لاقتحامها. وعند ذلك تحرك الدوق أودو لإنقاذ هذه المدينة المحاصرة قبل أن تسقط في أيدي المسلمين، وبدأ بذلك النضال بين العرب والفرنج في بسائط غاليس قوياً.

الدوق أودو واستعداده لرد المسلمين:

كان الدوق أودو ينتمي إلى الأسرة الميروفنجية، زعيمة قبائل الفرنج في غالة، وكان من ذرية الملك كلوفيس، مؤسس الدولة الفرنجية، فكان يكره، بطبيعة الحال، حجّاب القصر، الذين استبدو بالأمور من دون الملوك، ولم يبق لهم هم إلا توطيد سلطتهم وسلطة جنس الفرنج في تلك المملكة، مما ثنى أعنتهم عن صد العرب عن جنوبي فرنسا. وكان أودو أقوى أمراء الفرنج في جنوبي غالة، وكان عظيم الطموح واسع الأطماع متصل النشاط، وكان أثناء الاضطراب الذي ساد مملكة الفرنجة قد استقل بهذه المقاطعة الغنية والواسعة، وبسط حكمه على القسم الأكبر من جنوبي فرنسا، من اللوار إلى جبال البرينيه، والتف حوله القوط، والبشكنس (النفاريون) سكان تلك الأنحاء. بل كان الدوق أودو يطمح إلى انتزاع ملك الفرنج برُمَّته من رئيس البلاط، وهو شارل، زعيم الفرنج المتغلِّب، ومن ثم إعادة ملك أسرته الميروفنجية في غالة.

وعشية عبور السمح بن مالك إلى غالة كان كل منهما يعد العدة لمجابهة الآخر، فكانت الحرب على وشك الوقوع بينهما. بيد أن الدوق أودو عندما رأى المسلمين يزحفون نحو بلاده أرتأى أن خلافه مع شارل يمكن تأجيله أمام التحدي الأكبر والخطر الوشيك القادم من الجنوب، ولذلك فقد صالح شارل وقرر أن يشتغل ولو إلى حين برد المسلمين. وهذا الصلح قد ضمن لأودو دعماً مادياً ومعنوياً يساعده على حشد كل قوته، واستنفار الأقاليم المجاورة للوقوف إلى جانبه وهو آمن من أن توجه له طعنة في الظهر من قبل خصمه القوي شارل رئيس البلاط، وما كان لشارل أن يطعن أودو في ظهره وهو منصرف لقتال المسلمين، لأنه لو فعلها فسيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع المسلمين، مواجهة ربما أنه لم يكن مستعداً لها بعد، لأن مركزه لم يكن قد استقر على رأس مملكة الفرنجة على النحو الذي يريده.

فكان الحل الأمثل بالنسبة لشارل إفساح المجال أمام أودو ليخوض معركته مع المسلمين في ظروف مناسبة. والمهم أن أودو، دوق أكيتانيا، استطاع أن يجمع جيشاً ضخماً من الفرنجة وبقايا الرومان من أهل دوقية أكيتانيا، ومن حلفائه من الدوقيات المجاورة. وقد وصف مؤرخو العرب، كما قال المسشرق الفرنسي رينو، كثرة جيش الفرنج، بقولهم: «إن العثُير (الغبار) المتطاير من زحف أقدامهم كان يغطي قرص الشمس من كثرتهم». ثم لم يلبث أودو أن سار على رأس هذا الجيش نحو طولوشة (تولوز)، التي كان يحاصرها المسلمون آنذاك. ولما علم السمح بذلك ارتدّ عن مهاجمة تولوز، وأقبل يتأهب للقاء جيش الدوق أودو، برغم تفوقه على جيشه في العدد، فالتقى الجمعان في ضواحي تولوز يوم عرفة سنة 102هـ/ 10 يونيو 721م.

معركة تولوز:

تذكر بعض المصادر أن أودو انقض على مؤخرة جيش المسلمين، وشنّ هجمة سريعة حاصرت هذا الجيش، هذا الأخير الذي وقع بين جيش الدوق أودو والحامية المدافعة عن تولوز. وفي أعقاب ذلك نشبت بين الطرفين معركة هائلة تلاحمت فيها الرماح والسيوف وحمي الوطيس، واتسم القتال فيها بالشدة والعنف، وسالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل في الجيشين، وتكدست الجثث في أرجاء ميدان المعركة. ولكن برغم ثقل هجمة الجيش الفرنجي وتفوقه العددي، وكون أفراده كانوا يقاتلون على أرضهم، وفي مناخات اعتادوا عليها، ومناطق كانوا على دراية بجغرافيتها وطرقها ومسالكها، فقد أبدى المسلمون برغم قلتهم شجاعة خارقة، وكسر قوادهم أغماد سيوفهم، وهم مصممون على إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وصبروا صبراً فريداً، وكان السمح بن مالك الخولاني، على رأس أولئك الجنود المستبسلين الصامدين، وكان يقاتل قتال الأبطال، وينتقل بين جنوده من مكان إلى مكان لحثهم على الثبات، ولاستنهاض هممهم واستثارة جذوة حماسهم لأقصى درجةٍ، وكان سيفه في أثناء ذلك يقطر من دم الأعداء، وكان يواجه الأخطار ملتحماً، ويسير نحوها متقدماً، ويقتحم الأهوال كالفحل الهائج لا يرد رأسه شيء، أو كالأسد الزائر يحمل على العدو فلا يقف أحد في وجهه، ولم يفقد اتزانه، أو يخور عزمه، أو يطيش صوابه.

واستمر القتال، وتراوح النصر حيناً بين الفريقين. وفي عضون ذلك شاء قدر الله أن يُصاب القائد البطل المغوار إصابة بالغة، ويسقط من فوق جواده مضرجاً بدمائه، «وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين»، وأسرع الأقربون منه من أصحابه بالتوجه نحوه، مقتحمين الصفوف والغبار والأشلاء، فوجدوه يتشحط في دمه، ويعالج سكرات الموت، ثم ما لبث حتى أسلم الروح راضياً مرضياً بعد وقتٍ قصير، فخسر روحه وربح الشهادة. وفي أعقاب هذا الحادث المفاجئ والأليم شاع الاضطراب في صفوف المسلمين، أولئك الذين أرهقهم طول القتال، مع كثرة جيش عدوهم وحسن استعداده، واشتدّ الأمر وعظم الخطب، وكانت الهزيمة قدراً مقدوراً للمسلمين، بعد استشهاد أميرهم وقائدهم. ولأن حادث مقتل السمح أثناء المعركة قضى على معنويات المسلمين، ولما لم يكن من السهل تفادي الهزيمة، وذلك لاختلال التوازن العسكري بين القوتين في الميدان، وإزاء الحالة السيئة التي بات فيها الجيش الإسلامي، وتكاثر جموع الفرنجة عليه، واليقين بأن هذا الجيش أصبحت تواجهه الهزيمة النكراء، إن لم تكن المذبحة الشاملة، فكّر القائد الجديد، وهو عبد الرحمن الغافقي، في طريقة تنقذ ما تبقى من الجيش، من مصير أسود ينتظره، فبذل الهمة في جمع شتاته، وقاد عملية انسحابه إلى الجنوب ببراعةٍ، ومنه إلى الأندلس.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة