عسكر مصر.. من قوات مسلحة إلى قوات استثمارية مسلحة

إن المتابع للحالة المصرية وتطوراتها إلى يومنا هذا ابتداء من ثورة يناير التي في الحقيقة أطاحت برأسين إثنين فقط من رؤوس النظام متمثلة في وزارة الداخلية والرئاسة وتركت باقي الرؤوس تجدد نفسها منذ تنحي مبارك إلى الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.. فالجانب الذي نختص بتحليله هو الفلسفة الاقتصادية الجديدة للعسكر وحضوره فيها بعد تجديد تلك الأقلية نفسها بشكل جديد متغول ومتطرف وعدواني وشرس أكثر مما كان سابقا وانعكاس ذلك على الاقتصاد..

فالمتابع للانقلاب بعد نجاحه أنه اتخد مسارات جديدة قديمة من حيث تفرده بالسلطة وسعيه لمحاولة بلع كل عصب للاقتصاد والتدخل في كل القطاعات بحضور كاسح يسعى للاحتكار وتقويض القطاع الخاص مستقويا باستحالة منافسته لقلة تكلفة انتاجه لاستعمال نظام شبيه بالسخرة لمجنديه واعفاءات ضريببة ومنظومة تشريعية وقضائية وسلطوية تشتغل لحسابه وأضحى تجريفه هو الآخر مسألة وقت بعد تجريف المسرح السياسي الذي شمل التجريف فيه تقريبا حتى من تحالفوا معه في 30/6 خصوصا الليبيراليين وبالأخص الجناح القوي فيه الذين غرههم وحفزهم وفتح شهيتهم ذلك الانفتاح السياسي وجو الحريات وبداية نشأة آلية التداول فرغبوا هم أيضا في الحكم أو البحث عن فرصة للمشاركة فيه بعد عقود من الكبت السياسي والإقصاء فتحالفوا ضد الديمقراطية وطعنوا الصندوق وأظهروا قصر نظر وانتهازية فوُظِفوا فقط كديكور لذلك المشهد المخجل من الانقلاب ليساهموا مع غيرهم في إهدار مكتسبات يناير والرجوع إلى المربع الأول مربع دولة الضباط..

لعل السيسي كانت أحلامه تجارية وكان مفتونا بقطاع الأعمال والاقتصاد ولكن ربما مجموعه المتواضع دفعه لدخول الكلية الحربية.. فلو كانت هذه الكلية تقبل بمجموع امتياز مثلا لربما كانت الكارثة أقل

فالانقلاب التجأ لسياسة عقابية للشعب والطبقة الوسطى لانتخابهم جماعة الاخوان المسلمين التي لم تكن مستعدة لإدارة المرحلة بروية وذكاء وتحالفت مع العسكر وأمِنت له رغم تجاربهم معه منذ عبد الناصر.. وقد ملأوا الدنيا أحاديث وحكايات عن ظلم العسكر لهم وممارساته اللاإنسانية في حقهم.. وصموا آدانهم لكل ناصح وكل من يدعوهم للحذر فبقوا مطمئنين واثقين بتحالفهم إلى آخر ساعة وأكلوا يوم أكل الميدان ودم الشهداء.. وانعكس ذلك على قطاع عريض باليأس بعد أن أمل فيمن انتخبهم نفاد البصيرة والدهاء والاستفادة من الدروس السابقة وحسن إدارة المرحلة فأُجهضت آمالهم وأحلامهم.. إلا أنني وللموضوعية والحق لا أشكك في نواياهم الخيرة في البناء والتطور أو وطنيتهم أو أياديهم المبرءة بالإجمال من شبهات الفساد المالي في التدبير.. إلا أن المسلم لا يلدغ من جحر مرتين.. ولكن أزعم أنهم لن يلدغوا مرة أخرى إن كانت هناك أخرى أو سمحت لهم الفرصة مستقبلا.. مع ما دفعوه من ثمن باهض لتلك الخصومة السياسية التي وصلت بفجور لحد الاستئصال.. ولكن من حسنات هذا المشهد المؤسف رغم ذلك هو إظهاره لنا للاعبين الذين كانوا يعملون في الخفاء ولم يكونوا ظاهرين بجلاء من ممولي الانقلابات والثورات المضادة بالمال والرز الذين كنا في غالبيتنا مخدوعين فيهم ولم نحسب أنهم في ذلك القاع السحيق من التآمر والخيانة والنفاق السياسي..

إلا أن الأهم في هذا الطرح هو نهج القوات المسلحة في اكتساح السوق والقيام بدور هو أبعد ما يكون للجيوش ولو في فترة الكوارث والأزمات.. فالملاحظ أن الجيوش عند فقدها للعقيدة القتالية الدفاعية أو الهجومية أو حتى الاستنزافية تصبح شيئا ما لا علاقة له بالجيش أو الحربية وهذا هو حال العسكر في مصر.. فأصبح من قوات مسلحة يفترض في عقيدتها القتال والبدل ومعاني التضحية والفداء إلى قوات استثمارية عقيدتها التربح والاستثمار والاستغناء.. فعوض أن تكون ساحته ساحة المعركة والجبهة والحدود وخطوط التماس أصبحت ساحته ساحة المال والاقتصاد والاستثمارات والإنشاءات فعندما يفقد جيش ما احترافيته والتزامه لا تنتظر منه نصرا أو صمودا في جبهة لأنه بدوره يحتاج لمن يحميه.. فهو أقرب للعسكر منه للجيش.. فماذا تنتظر مثلا من لواء لأركان الحرب مختص في تصنيع الثلاجات أو الغسالات في ميدان الوغى والقتال أو لواء آخر لخط انتاج الجمبري!.. فلم نسمع في التاريخ القديم أو المعاصر للحروب والجيوش استراتيجية للثلاجات أو الغسالات ربحت حربا أو حسمت معركة أو تمويه تكتيكي للجمبري ساعد في إختراق جبهة!

فالعقيدة الدفاعية يعاب عليها الفشل بدون خطط للمبادرة حتى ولو كان الجيش قويا.. فما بالك بجيش بلا عقيدة قتالية همه فقط ما سيتربح منه من إنشاء هذا الطريق أو بيع تلك الأراضي أو ما تبقى من مصانع القطاع العام ووصل به جشع التربح إلى الأوبئة في تعامله مع معاناة عمالته في العالم.. فالسيسي وهو الوجه الواضح لهذا التحول يعطي نمادج واضحة لهذا التغير في أهداف تلك القوات بتصريحه تارة لوزير النقل السابق عندما طالبه بميزانية لتحديث قطاعه نهره وأجابه بأن ذلك المبلغ لو حطيناه في بنك يعمل فوائد بكام كل سنة. فلعل السيسي كانت أحلامه تجارية وكان مفتونا بقطاع الأعمال والاقتصاد ولكن ربما مجموعه المتواضع دفعه لدخول الكلية الحربية.. فلو كانت هذه الكلية تقبل بمجموع امتياز مثلا لربما كانت الكارثة أقل بوجود كفاءات وعقليات وقدرات مبدعة تصلح في تسيير وإدارة مجالات الدولة وقد تصنع الفرق حتى ولو كان الاستبداد هو منهج وروح الحكم فلا نُبتلى بمواهب وأحلام مكبوتة كالسيسي تسعى للتفريغ والتحقّقُ على حساب مقدرات الدولة وتصبح الموارد والشعب فئران اختبار..

وأستحضر قوله مرة في طوفان تصريحاته أنه لو ينفع يتباع لباع نفسه فهل هذه روح محاربة تعرف قيم التضحية والفداء تستخسر نفسها دفاعا عن شيئ ما وأن قيمها لا تباع ولا تشترى..؟! ومرة أعلن بصراحة وجرأة وهي القاضية في تصريحاته بأن المال أهم شئ في الحياة فماذا تتنتظر من شخص يعتبر المال هو أسمى شيء وأغلاه فوق كل شئ ربما فوق الدين والوطن والتضحية والفداء؟! فعند ذلك دعوت الله أن يلطف بهؤلاء المسحوقين المقهورين من جشع هذا الرجل الذي ليس عنده شئ ببلاش فكيف يُرقّى مثل هذا لمرتبة جنرال ووزير دفاع وهو على الأقل لم يخض قبلا أي حرب أو معركة أو نزال لنعرف فيها معدنه..

إلا أن ما يحسب للسيسي صراحة لإحقاق الحق والموضوعية بالمقارنة بمن سبقوه وخاصة عبدالناصر هو أنه أكثر واقعية منه رغم عقدة الميكروفون عند كليهما والكلام في كل شيء ولا شيء إلا أن السيسي يعرف حدوده فهو ليس كعبد الناصر الذي كان يهدد اسرائيل برميها في البحر على أساس أنها عربة خضار فأعطته اسرائيل درسا في الفرق بين مخاطبة النجوم والمجرات بالمكروفون وعلم الحروب وخديعتها.. فالسيسي كما صرح مرة بأن دولة عبدالناصر كانت كماركة سيات للسيارات واسرائيل كالمرسيدس في دليل على التفاوت في القدرات.. لدى فهو يبدو حريصا على سياقة العجلة كل مرة سنحت له الفرصة لزيارة سيناء وحتى أنه دخل بها تجمعا عسكريا بمناسبة ما لا أتذكرها كما لو أنه يرسل رسالة مشفرة مفادها أنه إذا كان نظام عبدالناصر سيات فنظامي عجلة وأنا أعرف حدودي جيدا.. وهذا ما جعل الإسرائليين يعتبرونه كنزا استراتيجيا..

فتغول الجيش في الاقتصاد ابتداء من الخضار الى المشاريع العملاقة والانشاءات هو كمثل الامراض المناعية الذاتية التي تهاجم الجسم البشري وتقضي فيه على السليم والعليل.. فمتى سيستمر هذا الداء وما هو مصير هذا البلد العزيز الذي يفرط في موارده وثرواته ويعطي التنازلات في كل اتجاه لشرعنة وتثبيت نظامه البليد؟!

فختاما عند التفكر جيدا بتعمق وثقة فمصر لا تحتاح لجيش فحدودها آمنة ودول جوارها قليلة لا تتعدى ثلاثا إذا اسثتنينا غزة المحاصرة فهناك السودان جنوبا وهو أخ لا ينتظر منه سوء منشغل بأزماته ومشاكل أقاليمه وليبيا غربا وهي في أقصى حالات الضعف ووجود ميليشيا للواء المتقاعد خليفة حفتر الذي هو فاشل في كل شئ إن أصابه الجنون وهاجم الحدود فتكفيه مديرية شرطة من مديريات القاهرة لأسره والقبض عليه وتبقى الحدود مع اسرائيل وهي سعيدة وممتنة بمعاهدة السلام وحريصة على دوامها واستمرارها.. فحل ما يسمى الجيش هو خيار صحي لاستثمار ميزانيته في انعاش الاقتصاد والطبقات المتضررة من سياساته الفاشلة والغير اجتماعية وترشيد الموارد المستنزفة في هذا القطاع الغير ملح من حيث الظرفية الذي بهذه الروح الاستثمارية لن يربح معركة ولو كانت دبلوماسية.. "فمن هو فاشل في اختصاصه لا تنتظر منه نجاحا وتنمية في قطاعات الدولة الأخرى التي يسيرها".. لترتاح البلد من قطاع يستهلك جزءا هاما من ميزانيتها العامة وميزانية أخرى خاصة به تعادل ميزانية الدولة أو تفوقها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة