الحرب الباردة بين قصيدة النثر والقصيدة العمودية

منذ إطلالة الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا وما أثارته من جدل كبير حول قصيدة النثر، إلاّ واحتدم الصراع البويطيقي بين شقّ منتصر للقصيدة العمودية على اعتبار أنّها أمّ الشعر وروحه وبين شقّ متعصّب لقصيدة النثر على اعتبار أنّها الطوفان الذي سيجرف الشعر العمودي. وفي هذا المقال سنحاول مقاربة كلا الجنسين مع تسليط الضوء على مستقبل القصيدة في ظل إرهاصات اجتماعية وسياسية أثّرت بشكل مباشر في المدونة الشعرية العربية.

في البداية، وعندما ندرس الشّعر العربيّ بتياراته جميعها واتجاهاته والمؤثرات فيه لا نستطيع أبدًا أن نرى تأثيرًا في حقيقته من جانب الجنس النثري المسمّى قصيدة النثر، وسيظلّ الشّعر يعيش سيرورته وحياته الطبيعيّة، ويظلّ هذا الجنس يجري جريًا هباء في سبيل أن يقنع الجميع بغير حقيقته، وما أظن أن يكون ذلك في يوم ما، وسيظلّ هذا الجنس زوبعة في فنجان، وعلى هامش الشّعر، وعلى غير خاطر النثر، فلا خوف على القصيدة المقفاة أو التفعيلة. هذا رأي أوّلي من جهة المنتسبين للقصيدة العمودية. وإذ نشير إلى أنّنا لسنا بصدد إرساء محاكمة شعرية أو التنبّؤ ببقاء أو زوال جنس شعري دون غيره، كذلك نقرّ أنّه لا حقيقة لوجود التخوف على مصير القصيدة القديمة، لأن هذه النضرة تتولد من نظرية الإلغاء التي يصاب بها النقاد، ولما أن نتساءل هنا: ألم يتسع الفضاء الأدبي لاحتواء مختلف الألوان؟ ومن الذي فرض استبعاد اللون السابق لمجيء صنف جديد؟ وهل وجدنا ما حفل به الأدب الأندلسي كالموشحات على سبيل المثال قد ألغى أصنافا أدبية أخرى؟ الجيم لا تلغي الباء والباء لا تلغي الألف بل تجتمع تلك الحروف وتكون كلمة جميلة والعبرة بالفكر الذي تتولد منه الصورة الكاملة النفسية أو الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور تفكيرا ينم عن عميق شعوره وإحساسه، والتي مرجعها الاقتناع الذاتي والإخلاص الفني، ولاتكفي المهارة في صياغة القول وهذا حسب الناقد المصري غنيمي هلال لأن القلب والفكر هما السيدان.

على صعيد الأغراض لا زلنا نرى الغزل والرثاء والقريض والفخر والوجدان والإخوانيات والثورة والحماسة والحق والحياة وغيرها من الأغراض التي مضت عليها قرون وهي تستعاد مع تبدل الأساليب في الكتابة عنها فكذلك سيبقى العنود والتفعيلة والنثر جنبا إلى جنب

أمّا في الفنون يصعب التكهن بعملية الصمود والزوال ولكن طبيعة العصر الذي يحتوي هذا النوع من الفن وسيطرة الذائقة الابداعية على شكل دون الآخر ربما لفترة معينة ومن بعد ذلك قد ينتقل الذوق العام إلى شكل جديد أو العودة مرة أخرى إلى الخلف. لهذا اتصور أن الحذر والقلق من عملية الصمود والزوال سواء بالنسبة للقصيدة العمودية أو غيرها جعلتنا نحوم حول ذاتنا ونخاف من التجربة أو المغامرة ومادة الشعر والفنون عامة مبنية على المغامرة والتجريب مع الاحتفاظ بالأشكال التي اتفق عليها مسبقا.

لذا أرى أن التكهن صعب جدا، وإن كنت اعتقد أن تنوع الإشكال وتجانسها ووجودها مع أمل في وجود أشكال جديدة سوف يكون في خدمة الإبداع بشكل عام أما البقاء على شكل وحيد يتيم سوف يؤدي إلى تقييد المبدع بصورة مزعجة، ولا أحد من المبدعين الحقيقيين يرغب في أن يكون أحد الفنون سيدأ دون الآخر، لأن هذا التفرد القسري سيؤدي بالعملية الإبداعية إلى اشكالات نحن في غنى عنها أن في الوقت الراهن مع وجود وسائل إعلامية متعددة ومتطورة بحاجة إلى تطوير حركة الإبداع وعلى رأسها الشعر لأنه الأقرب للشارع من الفنون الأخرى، ومع تنوعه كفن من حيث الشكل أو المضمون سوف يمنحه البقاء والاستمرار. وتؤكد الكواري على تعدد الأصوات في المشهد الشعري والثقافي بشكل عام بقولها: كلما أطفئت الأصوات واختفت أصبح المشهد ناقصا وبحاجة إلى أصوات أخرى نتخيلها فلا نستطيع الفصل بين ما نتخيله وبين ما هو موجود بالفعل.

هذه هي طبيعة الكتابة، مزيج من هذا وذاك. متسائلة لنا أن نفصل بين الفلسفة والشعر، بين الموسيقى والشعر، بين صوت الطبيعة والشعر، بين الخرافة والأسطورة والمتخيل وبين هذا الكائن المحلق في سمائنا ونقول قف حيث أنت، نرفضه ونطرده من مملكتنا لأنه تمرد قليلا على لون من ألوان الكتابة الذي هو بالتالي شكل من الأشكال، اختار له شكله الخاص ولونه الخاص. نطرده من مملكة الكتابة ونرفضه ونطلب منه أن يبحث له عن اسم أو صوت أو هيئة ويأتي. فإذا كان الشعر هذا الطائر المتمرد على الشعر المسمى مبدئيا شعرا. وفي المقابل، لا يمكن أن يلغي شكل معين شكلا آخر خاصة في الشعر. فكما أنه على صعيد الموضوع لا يلغي موضوع ما موضوعا آخر فما زالت أغراض الشعر نفسها تعود وتتطور وتتوسع لكنها لا تمحي ولا تزول فكذلك الشكل.

فعلى صعيد الأغراض لا زلنا نرى الغزل والرثاء والقريض والفخر والوجدان والإخوانيات والثورة والحماسة والحق والحياة وغيرها من الأغراض التي مضت عليها قرون وهي تستعاد مع تبدل الأساليب في الكتابة عنها فكذلك سيبقى العنود والتفعيلة والنثر جنبا إلى جنب. وفي الحقيقة هناك اعتقاد علينا تصحيحه وهو اعتقاد الكثيرين أن النثر هو ابن عصرنا فقط لكن الحقيقة أن قدم النثر في القصيدة هو بنفس عمر الوزن تماما كما أن التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر ليس صحيحا أنه بدأ فقط مع نازك والسياب وصلاح عبدالصبور بل قد عثر الباحثون على جذور للتفعيلة في شعر البند في القرن الخامس والسادس الهجري. وعثر الباحثون على النثر في ما يعرف بالعصر الجاهلي. في الختام، سيبقى هذا الجدل قائما بين أنصار كلا القصيدتين، وكلّ حزب بما لديهم فرحون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة