هل غيبت الثورة السودانية دور خبراء التربية؟

blogs السودان

لم تمنع أخبار فايروس كورونا المستجد السودانيين من مواصلة السجال حول الموقف من تصريحات الدكتور عمر القراي، مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي. فمازالت تصريحاته تشغل الرأي العام وتشعله بعاطفة تعمق من ثنائيات الشارع السوادني، المنقسم سياسياً. والخلاف -عند التدقيق- ليس حول حاجة مناهج التعليم إلى المراجعة والإصلاح بقدر ما هو خلاف حول الثقة فيوجهة فلسفته، وآلية صناعة قراره، وخطة عمله، وطريقة إدارته.

 

وفي وضعٍ كهذا لنا أن نتساءل عن دور المثقفين في تهذيب هذا السجال، وعن إمكانية تطوير خطابٍ يرشد الرأي العام ويراقب القيادة السياسية في ذات الوقت، بحيث يربح التعليم وعياً مجتمعياً بقضاياه بجانب الإرادة السياسية الرشيدة. وعلى الرغم من النذر والتحديات التي تحيط بالمشهد إلا أن ثمة فرص لخلق مثل هذا الوعي يبدو للمراقب أنها بدأت تلوح في أفق هذا السجال، لكنها لم تتبلور بعد بعيداً عن أجندة الاستقطاب السياسي.

 

وللحجاج على أهمية تحرير وجهة النظر التربوية الخالصة في مثل هذا المناخ السياسي المحتقن، أود أن استحضر جانباً من نقاشٍ كنت طرفاً فيه، وقع في ندوة جمعت عدداً من التربويين قبل سنوات. لعله يعزز للقارئ ما نراه من أولوية تحرير النقاش التربوي بطريقة علمية مهنية بعيداً عن المزايدات السياسية من كل الأطراف. وما كنت لأتوقف عند المحاجة على ذلك لولا أن بعض الفضلاء كانوا قد أبدوا لي رأياً –بعد نشر المقال السابق "الأمة السودانية في خطر: ثورة ديسمبر وإصلاح التعليم"- مفاده أن أشرع مع آخرين في التفكير في طرح لب القضايا التربوية التي تعزز الإصلاح التعليمي المنشود.

 

وقد نوهوا إلى مسائل تتصل بالتعليم المهني ومستقبل الصناعة، وعلاقة النظام التعليمي بالتنمية، وتنمية الحس الوطني، وتعزيز القيم السلوكية، وجودة التعليم وقياس مخرجاته، وما شابه ذلك. فهي –في تقديرهم-أنفع من تفكيك خطاب لمسؤول أو تتبع أرائه. ولا خلاف معهم حول أهمية تلك الموضوعات في ذاتها، وآمل أن يتنادى أهل المهنة من أصحاب المعرفة والخبرة عاجلاً إلى مؤتمرٍ تربوي جامع لتحرير الأولويات ووضع خارطة الإصلاح. لكن ذلك لا يمنع، ولا يجب أن يمنع، من أن يحتل تتبع خطاب المسؤولين ورجال الدولة قائمة أولويات العبور إلى المستقبل.

يرى المراقب ما أن يُصرح المسؤول برأي قد يؤثر –أو قد لا يؤثر-على عمل اللجان التي تعمل تحت إشرافه المباشر حتى تسمع "الخبراء" يسارعون في "الإفتاء"، مستصحبين سلبيات الماضي، مع عجزهم عن التبشير بتصور "علمي" يصلنا بالمستقبل

قُدر لي في العام 2009م رئاسة ندوة عامة في الخرطوم عقدت لمناقشة ورقة أعدها الأستاذ الدكتور عبد الغني إبراهيم حول "تقويم التجربة السودانية في إعداد المعلمين"، خلص فيها إلى نتائج وصفها هو نفسه بأنها صادمة. وقد لفت نظري في نقاش المشاركين في تلك الندوة أن عدداً من الحضور عزز النتائج التي انتهى إليها المحاضر. وأجمعوا على انتقاد قرار اسناد مهام إعداد المعلمين لكليات التربية بالجامعات السودانية، بعد أن كانت تضطلع بها معاهد إعداد المعلمين التابعة لوزارة التربية والتعليم. وهو قرار اعتمد متخذوه على توصياتِ مؤتمر ثورة الإنقاذ لسياسات التعليم الذي انتظمت أعماله في العام 1990. ذات المؤتمر الذي أوصي بتغير السلم التعليمي من 6-3-3 (تعليم ابتدائي، ومتوسط، وثانوي) إلى 8-3 (تعليم أساس وثانوي). استنكرتُ عليهم ذلك، من منطلق أن من انتقد التجربة في تلك الندوة أساتذة كبار في مجال التربية والتعليم وكانوا –هم أنفسهم-قد شاركوا في صياغة تلك التوصيات، وقد اطلعنا على أوراق بحوثهم التي قدموها في ذلك المؤتمر عندما كنا في مقاعد الدراسة الجامعية الأولى.

 

قلت من موقعي في رئاسة الجلسة: كيف نفسر أساتذتي الإجلاء أنكم من أوصى بتجربة نسمعكم الآن تنتقدونها؟ هل أخطأتم التوصية وهذا اعتراف منكم، أم أنها العلاقة بين الساسة وخبراء التعليم، التي تعودنا أن يبرر فيها هؤلاء رغبة أولئك! استفز تعقيبي أحد الأساتذة الأجلاء، فالتمس الكلمة وطلب شرح حقيقة توصياتهم فأذنت له أن يرفع هذا التناقض، بين تأييد الأمس وانتقاد اليوم، وأظنه قد فعل! يومها تبين لي أنني أخطأت عندما اعتقدت أن في ذلك التنبيه شيئاً مما نفتقده في حوار الأجيال، فقد وُصفت بسببه بعدم الكياسة -مع أننا كنا في لقاءٍ أشبهُ بحلقةٍ دراسيةٍ. شاهدي من ذلك أن الإصلاح الثوري في التعليم لا يصمد بعد التجربة وكثيراً ما يتنكر له من سانده يوم أن كان فكرة، أو ناكف من أجله في مجالس اتخاذ القرار بعلمٍ أو من غير علم. ويُعلن الإنكار عادة بعد أن تحدث الانتكاسة. وقد وقع ذلك من قبل مع ثورة محي الدين صابر التعليمية في أول عهد مايو، فأحدثت -بعبارة الأستاذة الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه- "انهياراً كاملاً للعملية التربوية والتعليمية بالسودان، وهو انهيار لم تفق منه إلى يومنا هذا".

 

من يطالع التاريخ يعلم أن تلك الإصلاحات لم يدافع عنها غير الوزير الذي تحمل وزرها، على الرغم من أن الصحف "نشرت أن الرئيس نميري سيدق الجرس المدرسي بنفسه في إحدى مدارس العاصمة معلناً بدء العمل بالسلم التعليمي الجديد، وكان ذلك قبل الجلسة المشتركة لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء والتي كانت قد خصصت لمناقشة المشروع" (أي مشروع قرار السلم التعليمي الجديد!). وقد وثقت د. فدوى شهادة من يرى أن "في هذا إشارة واضحة إلى الارتجال والجو الاحتفالي الذي صاحب العملية كلها على حساب المؤسسية في المقام الأول ودونما اعتبار للخبرات والتجارب التي تراكمت على مر السنين". (انظر كتابها: أستاذ الأجيال عبد الرحمن علي طه، ص 131) لكن من يعتبر بدروس الماضي!

 
إن استذكار تلك الوقائع لا يعني -بحالٍ-أن تُترك العملية التعليمية تستمر كيفما أتفق، رغم عوارها البَيّن. ولا يجب أن تصدنا الممارسات الخاطئة عن الإصرار على المضي في تطوير التعليم وترشيد عمل مؤسساته، وبناء مناهجه على أسس علمية سليمة. فالحاجة إلى إصلاح التعليم ومنظومته مسألة ملحة، لا ينتطح فيها عنزان، ولا يختلف حولها خبيران. وإذا علم ذلك، فإن التجارب الناجحة تخبرنا أن إصلاح التعليم وإن كان عملية معقدة، كونها تتطلب رؤى وخططاً وإرادة وموارد مادية وبشرية، إلا أنها ممكنة إذا أديرت وفق أسسها العلمية والعملية. وهي أسس وخطوات يفترض أن تمتلكها القيادة التربوية العليا في البلاد وتتمثلها في سلوكها الإداري، إذ يشترط في القيادة ما لا يشترط في غيرها في أمور الإدارة وصناعة القرار. وهنا -تحديداً- مكمن خطورة تبني قيادات العمل التربوي (المجموعة القيادية التنفيذية في الوزارة الاتحادية) لرؤية أحادية متحيزة، تلقي بظلالها على عمل لجان المناهج الفنية حال انتظامها. لا سيما أن الأصوات الثورية التي ترتفع مطالبة بالإصلاح مازالت تفتقد آليات العمل المؤسسي وقيمه.

  

ولهذا يرى المراقب ما أن يُصرح المسؤول برأي قد يؤثر –أو قد لا يؤثر-على عمل اللجان التي تعمل تحت إشرافه المباشر حتى تسمع "الخبراء" يسارعون في "الإفتاء"، مستصحبين سلبيات الماضي،مع عجزهم عن التبشير بتصور "علمي" يصلنا بالمستقبل. يتحدثون في الفضائيات حديثاً مرسلاً لا يستند على بحوث ولا دراسات، ويعبرون عن انطباعات لا تهتم بالبيانات ولا التجارب الوطنية السابقة أو الشبيهة بها على الصعيدين الإقليمي والدولي!