هل ترضخ السعودية لابتزاز ترامب المتكرر؟

ما زال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشنّ حربه الضروس على المملكة العربية السعودية، ويتهجم على الرياض لتعويض خسارته الفادحة جراء سياساته الفاشلة وإجراءاته البطيئة لمعالجة الآثار الناتجة عن فيروس كورونا، فالولايات المتحدة الأمريكية غدت أكبر البلدان في العالم من حيث عدد الإصابات والوفيات، فهي الدولة العظمى في العالم وعليها أن تتحمل تبعات التراخي في تسريع الإجراءات التي ينبغي أن تتخذ لمواجهة الفيروس السريع العدوى، وها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعادته ما زال يلقي باللوم على الرياض لأنها ساهمت إلى حد كبير في نظره في انهيار السوق النفطية العالمية، وقد تكبّدت على إثره السوق الأمريكية خسائر فادحة وكبرى على مستوى الشركات النفطية وإنتاجها من النفط الصخري.

فقد ظن الرئيس الأمريكي يوما أن أمريكا ستستغني عن النفط العالمي وتحديدا النفط السعودي، ولكنه بعد هذه الحادثة وقد أنهى كورونا حبل حلمه فإنه سيتخذ استراتيجيته المعروفة، وهي استراتيجية الابتزاز المالي، وقد سبق أن فعلها حينما توج زيارته الأولى للعالم الإسلامي بزيارة إلى السعودية باعتبارها المعقل الأساسي للمسلمين وإليها تتوجه جموع المسلمين لأداء الحج والعمرة، غير أن وجهة الرئيس الأمريكي كانت مختلفة تماما لأنها تعتمد في الأساس على المال والأعمال، واعتبر المملكة العربية السعودية دوما بقرة حلوبًا، تستطيع أن تدرّ ما يشاء وقتما يشاء ودون أي معارضة أو تلكؤ أو تردّد، ولكن إلى متى سيستمر هذا الابتزاز وهذا الاستنزاف للثروات السعودية، والسعوديون أولى بها.

لم يجد ترامب سوى السعودية أمامه من دون الدول الكبرى، لأن السعودية قد أطاعته في البداية وعليها أن تستمر في الطاعة، وإلا سيلوح لها بالعصا إن هي رفضت أو تذمّرت، وبالتالي لا يمكن أن يستمر في النزول أكثر من هذا الحد

وقد كان ترامب جريئا في مطالبته السعودية بأموال كثيرة، يعتقد بأنها من حق الأمريكيين ومن حق أمريكا، لأن أمريكا قدمت ولا تزال تقدم خدمات للسعودية، فلا تعتقد السعودية أن أمريكا تقدمها لها بالمجان، ويعتقد ترامب أن الحماية من الإرهاب الإيراني حسب زعمه يكلف الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من الجنود والعتاد والتبعات المالية الكبيرة، وما على السعودية إلا أن تدفع وتدفع، وها هي اليوم ما زالت بين فكي ترامب الشرسين فلا يتركها حتى تحلب له مرة أخرى، وتدرّ له بالأموال الكثيرة حتى يهدأ ويعوّض الخسارة التي ألقت بظلالها على سوق العمل الأمريكي حيث تزايدت أعداد الذين فقدوا وظائفهم بشكل مخيف ولم تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية منذ الكساد الكبير كما يقال.

وهذا سيحرجه لا شك في الانتخابات الأمريكية المقبلة في نوفمبر القادم، حيث تذمّر الأمريكيون من سياسة ترامب ومعالجته ملف كورونا، والنتائج المخيبة للآمال جراء هذا الفيروس وانهيار أسعار النفط بعد القفزة العالية التي قام بها ترامب غير أن النزول كان مدوّيا نوعا ما، فلم يعلم ترامب أن هناك حفرة عميقة تنتظره بين هو يحلّق عاليا متباهيا، ولم ينتبه لها ظنا منه أنها مجرد حفرة صغيرة لا تعدو أن تكون نقطة في بحر، وبينما يُسرع في النزول محتفيا بما حقّقه، اصطدم بواقع الحفرة العميقة السحيقة التي لا قاع لها كما يبدو، فظل يصرخ من شدة وقع الهول الذي أصابه، ويحاول التمسك بقشّة تنقذه مما هو فيه.

ولم يجد ترامب سوى السعودية أمامه من دون الدول الكبرى، لأن السعودية قد أطاعته في البداية وعليها أن تستمر في الطاعة، وإلا سيلوح لها بالعصا إن هي رفضت أو تذمّرت، وبالتالي لا يمكن أن يستمر في النزول أكثر من هذا الحد، ويعلم يقينا أنها ستدفع وإن اضطرّت إلى الاستدانة من أجل أن توفر لشعبها لقمة العيش، ويعلم قدرتها المالية العالية وتفوّقها على دول العالم في درّ المال، وصمودها في وجه التيارات العالمية والكساد الاقتصادي العالمي، وبالتالي هو يعتمد كليا عليها، وفي تصريحه الأخير مما يثبت هذا الكلام ولا يدع مجالا للشك، رغم أن ترامب كان يوجه وما يزال سهامه الحادة للصين وإيران.

ولكنه يعلم يقينا أيضا أن كلا من الصين وإيران لن تدفعا له شيئا على المديين الطويل والقصير، بل دائما ما تظهران له القوة الموازية لما يفعله والتحدي الكامل لقراراته العشوائية والفردانية، بينما السعودية دائما ما تخفض له الجناح، خوفا على مكانتها العالمية والإقليمية، وربما تعمل بمقولة "اتق شر من أحسنت إليه"، بل إنها غير قادرة اليوم على التحدي كما فعل ذلك ملكها فيصل بن عبد العزيز حين رفض طلب الولايات المتحدة الأمريكية وهدد بقطع النفط السعودي عنها، وحينما كان يدافع عن فلسطين وحينما كان يرفض المساس بالعلماء السعوديين، وحينما كان يحترم الجيران ويدير السعودية باقتدار كبير.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة