عيد العمال.. ومتلازمة السيد والعبد

تعددت فلسفات المجتمعات في فهم العمل وقيمته فانطلاقاً من أرقى طبقة فيه إلى أدناها تجزم على أهميته وضرورته، أهمية تجلت للكل عالمهم وجاهلهم، فها هو العالم النفسي سيغموند فرويد يرى أن "الحب والعمل عماد البشرية". وها هو أبي رحمه الله المزارع البسيط ينصحني ويقول يا بني اعمل باطل ولا تبقى عاطل. ويقول أيضا "إن الطعام الذي أمامك لو لم تحرك ساكناً فسوف لن يصل إلى جوفك". هي كلها وجهات نظر تجزم على القيمة والدور المنوط بالعمل حيث يقول تعالى "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ".

 

ارتبط العمل في حياة الإنسان منذ الأزل فمنذ أن احتاج إلى الأكل دفعته الحاجة إلى البحث بطرق وأساليب تضمن له ذلك من أجل البقاء على قيد الحياة، فأحيانا كثيرة كانت هذه الحاجة عند أخيه الإنسان ضرورة ألزمته لأن يكون عبداً من أجل الحياة، فاستغل الإنسان أخاه الإنسان، ليثور العبد عن سيده بعد أن أضناه القهر والظلم واجبره أن يكرمه ولو بالنزر اليسير من الكرامة المهدرة وجعل له عيد في عام 1889م وواصل ثورته ليتكرم عليه رب العمل بوقف العمل في عيدهم في عام 1904م.

 

الأساس في العلاقة بين رب العمل والعامل يتلخص في قوله تعالى "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" وفي قول الصادق المصدوق "أعطوا الأخير حقه قبل أن يجف عرقه"

ومع تعقد حياة المجتمع لم تبق الحاجة للأكل والشرب فقط بل انتقلت فلسفة العمل من الكمية إلى النوعية، أمرا جعل من الإنسان يفكر بالطرق العلمية لإنجاز العمل ليكون هاجسه الأكبر المردود والعائد الكمي حيناً وحب المال أحياناً أخرى . هذا التعقيد أضر بالعامل كثيراً. ومن أجل ترميم العلاقة اضطر رب العمل أن يعالج الضرر بالطرق العلمية، فراح يطرق أبواب الجامعات والمعاهد ليبحث له عن طرق بديلة لا يكون لها الأثر السلبي على العامل، استجابات تنوعت حسب الاختصاصات، فهاهو الحقوقي اقترح عليه أن يجعل له مواد في القانون تحفظ لكل كرامته وماء وجهه فأنشأ قانون العمل. أما أهل الإدارة وعلم النفس والاجتماع اقترحوا أن تجعل له إدارة تخصه وأسموها إدارة الموارد البشرية. أما المهندس فراح يكيف له ما ينتج وما يستعمل ليوائمه في طرق عمله فأنشأ له علم خاصاً بذاته يسمى الارغنوميا بأنواعها التصميمية والمعرفية.

 

 

أما العامل فكان له رأياً خاص ووجهة نظر مستلهمة من فلسفة العالم الشهير أينشتاين الذي يقول "كل ما هو عظيم وملهم صنعه إنسان عَمِلَ بحرية" نعم إن ما يطالب به العامل في عيده وفي غيره هو الحرية، طبعاً ليس أن يكون حراً متى يبدأ أو ينهي العمل إنما يقصد أن ترفع عنه الضغوط والقيود كونها أضرت به غاية الضرر فجعلته موطن لأغلب أمراض العصر من ضغط وسكر وغيرها من الأمراض النفسية والعصبية، ليكرم من جديد بطب العمل للحفاظ على صحته ونفسيته.

 

الحرية بالنسبة للعامل كالماء للكائن البحري، هي حقيقة لطالما أراد أن يوصلها العبد للسيد ويقنعه أنه أن أراد الإنتاج والإنتاجية فيجب أن يترك له العنان في العمل أو قل يجب أن يكون شريكاً فيه. ولينتهي المطاف بتسليم السيد أو رب العمل بمؤسسته أو بمصنعه إلى قائد أو مدير ليشكل إدارة ليشرف عنها وفما كان من الإدارة إلا أن ترتمي في أحضان المعرفة وتطبق ما جاد به العلم من طرق ونظريات حديثة، من بين الدول الرائدة في هذا المجال اليابان مثلاً، حيث أبدعت في الإدارة الحديثة وابتكرت طرقاً وأساليب والتي منها التشاركية والتوجيهية وكذا ظهور عدة نظريات منها نظرية Z في الإدارة والتي مفادها أنه يجب أن تكون الثقة والمودة والتآلف بين الإدارة والعمال . ووصولاً إلى نظرية الإدارة بالجودة الشاملة، أو ما يسمى مبادئ (ديمنغ).

 

وأخيراً إن الأساس في العلاقة بين رب العمل والعامل يتلخص في قوله تعالى "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" وفي قول الصادق المصدوق "أعطوا الأخير حقه قبل أن يجف عرقه" إن ما يريده العامل في عيده هي أن يكلف ما يطيق وأن يأخذ أجره كاملاً غير منقوص بكل كرامة لا أكثر.



حول هذه القصة

كان الدكتور رمضان عبد التواب واحدًا من أبرز علماء اللغة العربية في جيله، تميز بقدرات فائقة على الحفظ والاستذكار والجدل والتخريج والكتابة والتحقيق والأستاذية بمعناها الواسع، ورزق التفوق والألمعية.

بعد 17 أكتوبر الماضي شَخَصت الأنظار لطرابلس التي قدمت أداء راقياً ومحترماً للحراك الشعبي من خلال التجمع بـ”ساحة النور”، ورفع الشعارات الوطنية، فنجحت المدينة بإزالة التشويه الذي لحق بها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة