المشاكسة الإيرانية في العراق.. هل تُفضي لخروجها من سوريا؟

في الأسابيع الماضية، وبين الفينة والأخرى؛ شهدت الأراضي العراقية عمليات قصف طالت قواعد ومواقع يتواجد فيها جنود أمريكيون، واتهمت أمريكا ميلشيات مدعومة من إيران بتنفيذ تلك العمليات. لعلّ هذه الخطوات تندرج في الاستراتيجية التي وضعتها إيران للرد واستغلال مقتل سليماني، والتي يسعون من خلالها لتشكيل ضغط على أمريكا يفضي بها للخروج من العراق حتى تنفرد إيران بالنفوذ هناك، أو من أجل تشكيل ورقة للمساومة مع أمريكا، ولكن الأخيرة فيما يبدو وسعت مساحات الرد على إيران، وسوريا من البقع التي قد ترتد سلبا على طموحات طهران.

هناك عوامل جعلت من طبيعة المواجهة بين إيران وأمريكا تبتعد عن الصدام المباشر. من الجلي أن طهران لا تذهب بعيدا في مواجهة أمريكا، ولو كانت تريد ذلك لفعلت بعد مقتل سليماني. تُفضل إيران استخدام ميليشياتها المنتشرة في المنطقة، وتُجيّرها في سبيل ترسيخ نفوذها، وتزيد من فرص المناورة في علاقتها مع الغرب، وإظهار إيران نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه في بعض أزمات الشرق الأوسط. أما واشنطن وبسبب قراءة واقعية، وضغوط داخلية هي الأخرى غير معنية في حرب مباشرة. كذلك فإن ميليشيات إيران المنتشرة كما أنها من نقاط قوتها، فهي عينُ ضعفها، لأنه يَسهُل استهدافها، ومبررات ذلك وافرة، وكذلك مُرهقة للميزانية الإيرانية، ولا سيّما مع وضعها الاقتصادي المترهّل.

يبدو أن إيران عندما صعّدت في العراق ظنت أنها تستغل الانشغال الأمريكي في أزمة كورونا، وأرادت جسّ النبض الأمريكي، ولكنها قد تكون وقعت في وهم ذلك، وقامرت في مستقبل وجودها في سوريا

بعض المُؤشرات ترسُم ملامح الاستراتيجية الأمريكية ضد إيران، وفي ردها على ما يجري في العراق. على الصعيد السياسي فإن أمريكا تُمارس ضغوطا هائلة على الحكومة والأجهزة الأمنية العراقية، والمكونات السياسية، في سبيل تقليم أظافر إيران هناك، وهذا يزيد من الانقسام السياسي العراقي. ويبدو أن أمريكا خطّت طريقها عمليا في الضغط على إيران والمليشيات المحسوبة عليها، ففي الأيام الأخيرة لوحظت عمليات بارزة لداعش ضد الحشد الشعبي، وهذا يشي بأن أمريكا على أقل احتمال قد خففت من قبضتها عن داعش، وهذا إن لم تدفعها لذلك بطرق تَعيها الاستخبارات الأمريكية جيدا، وكذلك فإن المسؤولين العراقيين يعون تلك الرسالة، وبعبع تنظيم الدولة ما زال حاضرا في أذهانهم.

أسباب وسِياقات تجعل من الساحة السورية خاصرة إيران الرخوة، وقد تفضي بها للخروج من سوريا، أو تحجيم نفوذها بشكل كبير. التواجد الإيراني في سوريا يُعتبر مكشوفا سياسيا، وعسكريا. لعلّ القصف الإسرائيلي في الأسبوعين الماضيين، -والذي تكرّر لسبع مرات- والذي استهدف مواقع لإيران وميليشياتها، فإنه يندرج في إطار التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، ولا سيّما أن القصف طال أهدافا قرب حلب. وجود حزب الله هناك يعطي إسرائيل دافعاً قويا في ممارسة ضغوطها العسكرية، والسياسية، لا سيما من بوابة علاقتها مع موسكو.

ومما يصعّب الأمر في وجه إيران بسبب تواجدها في سوريا؛ تقاطع إراداتِ أكثر من طرف يسعون لإخراجها من هناك أو تحجيمها. فبالإضافة إلى إسرائيل وأمريكا، فإن "الحليف" الروسي فيما يبدو تتعارض مصالحه مع إيران هناك، وقد أدركت روسيا جيدا محاولة إيران إجهاض الاتفاق الروسي التركي، بالإضافة للتقارير التي تحدثت عن مواجهات بين محسوبين على إيران من طرف، وآخرين ومحسوبين على روسيا من طرف آخر. النظام السوري نفسه لعله الآخر ضاق ذرعا بالنفوذ الإيراني عليه، لذا وصف البعض رد النظام على القصف الإسرائيلي "رفعة عتب". ما يجعل النظام يضيق بنفوذ إيران هو التوجه الإيراني بجعل سوريا ساحة لمصالح إيران، ومواجهتها مع الآخرين هناك، مما يطيل أمد الصراع في سوريا، بالإضافة لضغوط روسية عليه.

تركيا وحلفاؤها من الجيش الوطني هم كذلك راغبون وبشدة في خروج إيران من سوريا، وأسباب هؤلاء واضحة لا حاجة لسردها. ما يزيد زخم الدور التركي والمعارضة العسكرية السورية تقاطعها مع توجه أمريكي يتزايد، وقد يصبح استراتيجية تُؤدي إلى إخراج إيران من سوريا. ما يدّعم هذه الرؤية؛ ما تقوم به إيران في العراق، وهكذا أمريكا ترد بشكل واسع، وتُرضي اللوبي الإسرائيلي معاً. جرى الحديث في الأيام الأخيرة عن محادثات بين روسيا وأمريكا حول الحل في سوريا، وهذا المسار يبدو في تشكيله خروج إيران من سوريا. كذلك هناك تقارب تركي أمريكي، وتنسيق في هذا السياق، وقد تدعم واشنطن في مرحلة متقدمة المعارضة المسلحة حتى تواجه إيران وميليشياتها، وتضغط باتجاه حلّ للأزمة السورية. ويمكن ملاحظة ازدياد وتيرة تصريحات جيمس جيفري المبعوث الأمريكي إلى سوريا، وكذلك تكرار زياراته إلى تركيا.

يبدو أن إيران عندما صعّدت في العراق ظنت أنها تستغل الانشغال الأمريكي في أزمة كورونا، وأرادت جسّ النبض الأمريكي، ولكنها قد تكون وقعت في وهم ذلك، وقامرت في مستقبل وجودها في سوريا، لأن ريحا شديدة تتآزر في تيار يُعاكس أشرعة إيران، ولكن إيران لا تسلم ذلك بسهولة، هي التي أنفقت الكثير من الجهود والأموال حتى ترسخ قدمها في سوريا. إنه ليَحزُنُني دوما أن ساحاتنا العربية غدت بؤرة النار التي يُشعلها الآخرون، والوقود من ثرواتنا، ودمائنا، ودمعات أطفالنا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة