شعار قسم مدونات

قصور الكنيست.. مساهمة في نقد العمل السياسي في الداخل الفلسطيني

BLOGS الكنيست

تأتي أهمية تصدر الكنيست كأولوية في نقد العمل السياسي في الداخل الفلسطيني بسبب ما تشغله من مكانة مركزية، بالإضافة إلى حجم الانشغال بها في مقابل الإعراض عما سواها من مساحات قائمة محجوبة، ومجالات أخرى مغيّبة بنفس قدر إرادة إظهار المشاركة البرلمانية وتعزيز مكانتها.

 

ازدادت مركزية الكنيست بعد رفع نسبة الحسم (تعديل قانون أساس: الكنيست) (844) عام 2014 ([1])، والذي أُسست على إثره القائمة المشتركة (وهي القائمة الممثلة لأحزاب العربية المشاركة في الكنيست الإسرائيلي، تضم كل من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة الإسلامية – الشق الجنوبي -، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير)، جاء تعديل قانون الكنيست بعد توافق بين نتنياهو وليبرمان – الذي شغل منصب وزير الخارجية آنذاك – على تقديم مقترح لتعديل القانون ([2])، في سعي حثيث من اليمين الإسرائيلي بتوثيق قبضة حكمه واقصاء الأحزاب الصغيرة، على رأسها الأحزاب العربية. اعتبرت الأحزاب العربية أن مقترح تعديل القانون برفع نسبة الحسم إلى هو محاولة لإقصاء الجماهير العربية من التمثيل في الكنيست.

 

هذا القانون دفع الأحزاب العربية إلى تشكيل القائمة المشتركة، والتي خاضت أول انتخابات لها في الكنيست العشرين – مارس 2015. بعد تأسيس القائمة المشتركة ارتفعت نسبة تصويت العرب بشكل ملحوظ، لما تشكله القائمة من نموذج للعمل السياسي المشترك. غير أن زيادة قوة المشتركة جاء على حساب لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، والتي انتخبت محمد بركة رئيسا لها في أكتوبر 2015 ([3])، كان من المتوقع أن تؤدي هذه الانتخابات المقتصرة على ممثلي الأحزاب ورؤساء السلطات المحلية إلى اتفاق جديد يفضي إلى انتخابات شعبية مباشرة للجنة المتابعة، لكن لم يحرز أي تقدم يذكر في المسألة.

 

منذ ذلك الوقت، صارت القائمة المشتركة هي الجسم السياسي الأبرز في الداخل الفلسطيني، وتطورت القائمة من تحالف انتخابي إلى جسم سياسي فاعل لم يقتصر نشاطه داخل أروقة الكنيست فقط. ومع قرار الحكومة الإسرائيلية حظر الحركة الإسلامية – الشق الشمالي – بقيادة الشيخيين رائد صلاح وكمال الخطيب في نوفمبر 2015 ([4])، وملاحقة قياداتها لم يتبقَ أي حزب كبير خارج إطار القائمة المشتركة، مما ساهم إلى حد كبير في تفرد أحزاب المشتركة بالقرار السياسي في الداخل الفلسطيني. 

  undefined

  

مقدمة مفاهيمية

قصور الكنيست في العنوان على نمط قصور الاستشراق، ومرد ذلك إلى أن مقالتنا هذه تعتمد على إضافة أستاذنا وائل حلاق لنظرية المؤلف عند ميشيل فوكو، في سعي منه لفهم صحيح في حالة كل من إدوارد سعيد ورينيه غينون بنقد الاستشراق ([5]). في هذه المساهمة تعنينا إضافة حلاق كمنطلق مركزي لا نظرية فوكو الأساسية، وقد تنبه الأول إلى أن نظرية فوكو قد تركت الكثير من الأمور من غير حل ([6])، وفي حالتنا – كما سياق كتاب قصور الاستشراق – نهتم بالفاعلين المقاومين لنظام القوة المهيمن.

 

ما سأقوم به عمليًا هو اسقاط لإضافة حلاق في نظرية المؤلف على الفاعل السياسي في الداخل الفلسطيني، ننطلق من قناعة راسخة بوجود علاقات وثيقة ومركبة بين الحالة الفلسطينية والمنظومة الغربية الكولونيالية، وتشابك أصيل بين المعرفة والقوة والسيادة ([7]). مع ذلك لا يمكن الزعم أن ظروف النقاش المعرفي في حالة الكتاب تتطابق تمامًا على المجال السياسي ها هنا، لتبيان صحيح في حالة سعيد وغينون بالإضافة إلى تصنيف فوكو، المؤلف الذي قد مات وبعبارة حلاق ((المؤلف الطيِّع)) و((المؤلف الخطابي))، اقترح صنفين من المؤلفين، ((المؤلف المعارض)) (dissenting author) و((المؤلف الهدّام)) (subversive author)، فاعتبر أن سعيد ينتمي للصنف الأول، بينما يمثل غينون الصنف الثاني ([8]).

 

المؤلف المعارض في حالتنا هو ((السياسي المعارض))أي الفاعل داخل التشكل الخطابي، بحيث لا يتجاوز نقده حدود الافتراضات والأركان الأساسية المُشكلة للمنظومة. يقدم السياسي المعارض دعما تصحيحيا للمنظومة من الداخل، ويمنحها شرعية، ما يمكن وصفه بمصطلح حلاق "معارض وفي". بالرغم من معارضته الظاهرة، وكشفه العديد من شذوذ المنظومة وسوء عملها، والتشكيك به واعتبار ما يقوم به خطرًا على وجود المنظومة، وتخلق معارضته نقدا واسعا، أما المؤلف الهدّام ففي الحالة هذه هو ((السياسي الهدّام))، المناهض للأسس التي يقوم عليها النظام، والمقاوم لمنظومة القوة. نضال سياسي يشبه النضال الماركسي ضد الرأسمالية. فهذا الصنف من الفاعل لا سياسي لا يعارض سياسات الحكومة، كما يفعل الأول، بل يعارض أصل النظام ويهدف إلى هدم أسسه.

 

الكنيست لدى فلسطينيي الداخل

لأن الممارسة السياسية في الداخل الفلسطيني لها ظروفها ومحدداتها الخاصة، سأحاول صياغة ترتيب مفاهيمي يلائم الحالة. يمكن ابتداءً اعتبار السياسي المعارض هو الأحزاب العربية التي تشارك في الكنيست، والسياسي الهدّام يتمثل بالأحزاب التي ترفض المشاركة المبدئية في الكنيست الإسرائيلي. هذا منطلق مركزي فقط، ثابت في حالة الجبهة، والحركة الإسلامية الشق الشمالي. لا يعني بحال من الأحوال حرفية تنزيل مفهوم حلاق في الاستشراق على مسألة الكنيست، يعود ذلك لعدة أسباب، أهمها تداخل وتبدل الوضعيات، فالحديث عن عملية ديناميكية مستمرة لدى بعض الفاعلين، سيتبيّن ذلك من خلال حزب التجمع الوطني الديمقراطي كنموذج، وحالات فردية أخرى.

 

هنالك تياران سياسيان في الداخل الفلسطيني:

– الأول متمثل بسياسة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، المتمثل بالجبهة.

– الثاني – أو ما أبقت إسرائيل منه – متمثل بالتيار الوطني.

 

لتشريح الحالة لا بد من توضيح مستويات المشاركة في الكنيست ونطاقاتها، والتي تتلخص في مستويين:

– المستوى الخدماتي المطلبي – نطاق هامشي، تحصيل حقوق ومطالب عامة.

– المستوى الاستراتيجي الجوهري – نطاق مركزي، يؤثر في الملفات المصيرية الإسرائيلية.

  

  

يمكن اعتبار الخلاف الأساسي حول المشاركة في الكنيست ينقسم إلى عدة أقسام استنادًا على التقسيم السابق:

– مقاطع للمستويين (كما في حالة الحركة الإسلامية الشق الشمالي)

– مشارك في المستويين (كما في حالة الجبهة).

– مشارك في المستوى الأول (الخدماتي المطلبي) ومقاطع للمستوى الثاني الاستراتيجي الجوهري (الحزب التجمع الوطني الديمقراطي).

 

فلو اقتصر الأمر على التقسيم من غير التجمع، لكان بإمكاننا تعميم السياسي المعارض والسياسي الهدّام بناءً على المشاركة في الكنيست من عدمها. برز هذا التصنيف بشكل واضح في الانتخابات الثانية والعشرين للكنيست سبتمبر 2019، عندما قامت ثلاث أحزاب من القائمة المشتركة بالتوصية على بيني غانتس عند رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، مع رفض التجمع المشاركة في تلك التوصية. فمن غير فهم لمستويات المشاركة السياسية يمكن اعتبار فعل التجمع متناقض، بمشاركته في الكنيست ومقاطتعه لها من الداخل!. في الانتخابات الأخيرة مارس 2020 رضخ التجمع لقرار الأغلبية، وشارك في التوصية على بيني غانتس مع بقية أحزاب المشتركة، في الوقت الذي أصدر فيه بيانًا يؤكد معارضته للتوصية على غانتس والتزامه بقرار موجد للقائمة المشتركة.

 

تسعى إسرائيل إلى دمج العرب، وتحويل نموذج السياسي المعارض إلى سياسي طيّع وبذلك تفقده حتى دوره المعارض داخل المنظومة. في الوقت نفسه تحظر عمل السياسي الهدّام، تمثل ذلك بحظر حركة الأرض ونفي قياداتها في خمسينيات القرن الماضي، وأخيرا حظر الحركة الإسلامية الشق الشمالي وملاحقة قياداتها عام 2015، بخصوص التجمع، فهو حزب هدّام بثوب معارض، والمنظومة الإسرائيلية تعي ذلك، نفي قائد الحزب عزمي بشارة ومشاركة حنين الزعبي في أسطول الحرية، وسجن باسل غطاس، وملاحقة هبة يزبك في الانتخابات الأخيرة في محاولة لحرمانها من الترشح. بالإضافة إلى رفض ترشح التجمع الأولي دائمًا، وتحويل ملفهم للتداول في لجنة الانتخابات. حالة التجمع ليست ثابتة، ومن الصعب أن تبقى معلقة من غير تحديد، تسعى المنظومة إلى ثني الحزب وحصره في السياسة المعارضة فقط، ولا يمكن فهم توصيتهم على غانتس في المرة الأخيرة إلى في هذا السياق.

 

عزمي بشارة كسياسي يمثل حالة فريدة برأيي، فهو كما التجمع سياسي هدّام بثوب معارض، لكنه يتميز بجمعه أمر السياسة والتأليف، وقد يعتبر في المجال الثاني كمؤلف خطابي في التنظير للمسألة العربية. بحسب هذه المعطيات كان من الحتمي ألا يستمر بشارة كعضو في الكنيست الإسرائيلي، ليس لأنه سياسي هدّام وبارز فقط، بل لأنه مؤلف خطابي كما كان لا بد أن يخرج من الساحة الفلسطينية السياسية بوضعها الحالي ليشتغل بالتأليف الخطابي.

 

المستوى السياسي الاستراتيجي الجوهري

كما تبيّن فإن المستوى السياسي الاستراتيجي الجوهري هو موضع الإشكال الأكبر، تنقسم الآراء بين مواقف مبدئية ثابتة، وبين آراء سياسية براغماتية تقبل الدخول في كل مجال متاح. وهذا المستوى ليس محط خلاف في المجتمع الفلسطيني في الداخل فقط، بل مسألة مهمة في النظام الإسرائيلي والمجتمع السياسي الإسرائيلي.

  

مواقف ومحددات

أصحاب الموقف المبدئي ينظرون للعمل في هذا المستوى انغماسًا في الأسرلة. فالحديث عن منظومة محكمة الإقفال فيها مساحات الممارسة للعربي محدودة، وهذا يعني تحويل السياسي المعارض إلى سياسي طيّع يأتمر بأمر أصحاب السيادة والضبط. من يؤيد المشاركة لا يرى الأمور بهذا المنظور، ويعمل وفق المتاح والممكن، أما إسرائيليًا، فمن ناحية رسمية مساحات النشاط السياسي الرسمي للفلسطينيين محدودة بالمستوى الأول، حاولت القائمة المشتركة اللعب في المساحات الممنوعة من خلال التوصية على بيني غانتس، لكن سرعان ما قدم المصلحة الوطنية وقام بدوره بالتوصية على نتنياهو.

 

أقصى الآراء الفلسطينية ترى ذلك أسرلة، وأقصى الآراء الإسرائيلية ترى وجود العرب في هذه المساحات عرقلة للمنظومة وخطرًا على وجودها. إسرائيل الرسمية تريد السياسي الطيّع، بينما اليمين الإسرائيلي لا يريد تواجدًا عربيًا جماعيًا، ويرى في المشاركة العربية كلها ثغرة في المنظومة. بينما يرى الفلسطيني المقاطع للكنيست أن هذه الفسحة إنما هي للضبط، وفي أقصى الأحوال فإن الدور الذي يقوم به السياسي المعارض لا يتعدى تحسين جودة المنظومة من الداخل.

 


[1]  عدالة، "رفع نسبة الحسم (تعديل قانون أساس: الكنيست) (844)،" https://www.adalah.org/ar/law/view/388.

[2] صحيفة هآرتس، "נתניהו וליברמן סיכמו על העלאת אחוז החסימה ל-3.25%," https://www.haaretz.co.il/news/politi/.premium-1.2200192

[3] عرب 48، "الناصرة: انتخاب بركة رئيسا للمتابعة بعد 3 جولات،" https://cutt.us/ayRKr.

[4] الجزيرة، "ماذا قالت صحف إسرائيل عن حظر الحركة الإسلامية؟،" https://cutt.us/Rv5xI.

[5] وائل حلاق، قصور الاستشراق منهج في نقد العلم الحداثي، ط 1 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص 264.

[6] المصدر نفسه، ص 84.

[7] المصدر نفسه، ص 115.

[8] المصدر نفسه، ص 264.