5 قطاعات ستشهد تحوّلاً بعد انتهاء أزمة كورونا!

في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1918) اجتاحت الإنفلونزا العالم مصيبة ما يقارب 500 مليون شخصاً وقتلت ما بين 20-40 مليون منهم أو يزيد، فيما عرف باسم الإنفلونزا الإسبانية. سبق ذلك الكثير من الجوائج الصحية مثل الطاعون الذي فتك بالناس أكثر من مرة منذ عصور الإمبراطورية الرومانية وكان أشهرها طاعون جستنيان (25-100 مليون قتيلاً) وكان أحد امتداداته في عهد الخليفة عمر بن الخطاب طاعون عمواس وآخر عرف باسم الطاعون الأسود الذي قتل ما يقارب ثلث سكان قارة أوروبا في القرن 14.

وخلافاً للأمراض، شهد العام 1929 اضطراباً عالمياً في الاقتصاد والتجارة (الكساد العظيم)، والذي بدأ بانهيار سوق الأسهم الأميركية وأتبعه انهيارات اقتصادية عديدة واضطراباً في موازين التجارة الدولية. ثم كانت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي فرض المنتصرون فيها منظومات دولية مختلفة عما سبق الحرب. وبرزت قوى عظمى واندثرت أخرى. وفرضت قوانين تجارة دولية مختلفة وظهرت هيمنة البعض على الموارد الأساسية وتنازل البعض عن سطوته السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو بعض منها.

كل ما سبق يعني أن هذه الأزمات والجوائح العالمية لم تكن يوماً نهاية العالم. بل كانت نقطة بداية لمراحل جديدة من الحضارة والتطور، يبرز فيها من يستعد أولاً تاركاً خلفه آلام الأزمة وتبعاتها. لذلك، فنحن على أعتاب تغييرات كثيرة سيشهدها العالم وربما ستكون التغييرات في القطاعات الستة التالية إحداها!

1- التجارة العالمية ومبيعات التجزئة والخدمات:
مؤخراً، بدأت تظهر العملات الرقمية وشهدت تداولاً بين كثير من الناس حول العالم لكن ولأسباب بعضها في مصداقية هذه العملات وأخرى تتعلق بصعوبة تفهّم الناس لفكرة الأموال غير الملموسة، واجهت هذه العملات رفضاً واسعاً وحرباً شرسة ضدها

سيتحول العالم نحو أتمتة العمليات المرتبطة بسلسلة التجارة الدولية، كما ستختلف سلسلة التوريد في شكلها وفي اللاعبين الرئيسين فيها. وبالتأكيد سنشهد ظهور لاعبين جدد في منظومة التجارة العالمية واختفاء آخرين من حلقات هذه السلسلة (Supply Chain). وعلى الرغم من أن منصات ومنافذ بيع التجزئة الإلكترونية تشهد طفرةً نوعية خلال العشر سنوات الأخيرة، إلّا أن الجائحة الحالية ساهمت في اتساع رقعة انتشارها وأجبرت كثيراً من الناس على كسر الحاجز الذي كان قائماً معها. وشهدت هذه التطبيقات -في غضون أيام معدودة- حجم طلبات واشتراكات جديدة تصل أحياناً لعشرات أضعاف مبيعاتها الاعتيادية السابقة. هل سيتوقف الأمر عند هذا الحد؟ بالطبع لا! سيستمر منحنى الصعود لهذه المنصات بشكل كبير وستتقلص تدريجياً منافذ البيع التقليدية، وسيؤدي ذلك إلى تأثر الأسعار حيث ستنخفض أسعار كثير من السلع والخدمات بينما سيرتفع البعض الآخر! كذلك فإن مقدمي الخدمات سيتجهون نحو أتمتة العمل وتقديم خدمات تخصصية ودقيقة الاختصاص. وسيخلق هذا فرصاً جديدة لدخول مقدمي خدمات جدد خاصة من المستقلين.

2- العمل:

ومن الأمور التي تخص العمل ما يلي:
– مساحات العمل ومقراتها: سيعيد الكثيرون التفكير في جدوى مساحات مكاتبهم وضرورة وجود مساحة فيزيائيّة مخصصة لكل فريق العمل من عدمه. وهذا الأمر سيؤثر بشكل ملحوظ على سوق العقار سواءً من ناحية الإشغال والتأجير، أو من حيث التوزيع الداخلي للعقار نفسه ومفهوم التصميم الإنشائي للعقارات التجارية!

– أدوات العمل: سنشهد مزيداً من الاهتمام بأدوات العمل الداخلية مثل أنظمة أتمتة العمل وتشغيلها (أنظمة إدارة الأعمال Work OS – أنظمة إدارة الموارد المؤسسية ERP – أنظمة إدارة الفرق Team management systems – وغيرها)، كما ستكون برامج الاجتماعات الافتراضية جزءاً أساسياً من أدوات العمل وستصبح مدمجة أكثر ضمن بيئة العمل. أما عن أدوات العمل الخارجية، فسيكون لوسائل التواصل الاجتماعي نصيباً من النمو سواءً بزيادة اهتمام قطاعات الأعمال المختلفة في استثمار هذه المنصات أو حتى بظهور منصات جديدة أكثر تنوعاً وتخصصية. وسيكون للمنصات أحادية الجانب أو متعددة الأطراف مساحة أساسية من منافذ العمل والتعامل مع الزبائن والجمهور، وسيشكّل ذلك ازدهاراً لكثير من المنصات الحالية وفرصةً قويةً لظهور العديد من المنصات الجديدة.

– أوقات الدوام: ربما لن يعود جزء من الموظفين ضمن جداول أيام وساعات العمل التقليدية مثلاً (الأحد – الخميس) و(9 صباحاً – 5 مساءً)، حيث سيكون هناك مرونةً أكثر في كل هذه الأوقات لمجموعة من الوظائف والمهام، كما ستكون مؤشرات تحقيق الإنجاز هي الأساس لنظام عمل هؤلاء الموظفين ؛وقتاً وكيفاً وجزاءً؛ أكثر من ارتباطهم بجداول الحضور والانصراف والتواجد ضمن ساعات العمل الرسمية!

– الموظفون: سيعيد الكثيرون التفكير في جدوى وجود بعض الوظائف والتي سيلحظ المُشغّلون أنه يمكن الاستغناء عنها، وسيعاد تقييم احتياجهم لبعض الموظفين العاملين حالياً. وربما يصل الأمر إلى انحسار مفهوم موظفي الدوام الكامل ضمن مجموعة محددة من الوظائف ويصبح السواد الأعظم من الموظفين أصحاب تعاقدات بالساعة، وليسوا ضمن أنظمة الرواتب الشهرية التقليدية. كما أن كثيراً من المهارات التي لم تكن محط اهتمام أساسي؛ ستكون معياراً لاختيار الموظفين، وخاصةً تلك التي تعتمد على التكنولوجيا والتقنية في إعدادها وإنجازها.

3- التعليم:

منذ أكثر من قرن، والعالم يسير ضمن نظام تعليمي شبه موحد، يعتمد على الصفوف الدراسية والمراحل والسنوات التعليمية مع اختلافات طفيفة من دولة لأخرى. كما يعتمد التقييم على أنظمة الاختبارات بأشكال مختلفة (كتابة – مشافهة – تطبيقاً) أو خليطاً منها، مع اعتماد أكبر على الامتحانات الكتابية التحريرية. كل هذا وأكثر سينحى شكلاً آخر ضمن ما نشهده من طفرة في أدوات ووسائل ومفاهيم التعليم، سواءً في تقديم المحتوى (تعليم عن بعد – صفوف افتراضية – أدوات حديثة تفاعلية- وغيرها) أو في طريقة التقييم وحتى في شكل المؤسسات التعليمية. لكن ما سيشهد أهمية عظمى، هو التركيز على وضع ضوابط وسياسات تضبط جودة التعليم عن بعد كما تضبط تصميمه بشيء يحاكي النموذج التقليدي الأكاديمي الحالي (ابتدائي-متوسط – ثانوي – دبلوم – بكالوريوس – ماجستير – دكتوراة)، لكنه وبكل تأكيد لن يبقى على شكله الحالي وعلى محدداته العمرية للالتحاق أو الترفيع أو التقييم.

4- الخدمات الحكومية والعامة:

يشكّل الإنفاق الحكومي مكوناً أساسياً من التوصيف الاقتصادي للدول، ويشكل النجاح في الوصول للمواطن وإرضائه في تقديم الخدمات العامة معياراً أساساً في التحشيد الانتخابي لكثير من الدول.
لذلك، سيكون من المهم لهذه الحكومات والمؤسسات العامة تحسين جودة الخدمات وزيادة خدماتها للمواطنين. لذلك، سيشهد مفهوم الحكومات الإكترونية طفرة في شكله وفي تبنيه من قبل الحكومات والمؤسسات العامة. سيضمن ذلك تقديم خدمات أفضل وأكثر، ووصول أكبر للمواطنين والمستفيدين، مع إعطاء مساحات لزيادة الإنفاق الحكومي في بنود أخرى في الموازنات غير المصروفات الإدارية والتشغيلية الكبيرة.

5- المعاملات المالية والمصرفية:

مؤخراً، بدأت تظهر العملات الرقمية وشهدت تداولاً بين كثير من الناس حول العالم، اقتناءً واستخداماً وقبولاً كقيمة للتعامل التجاري. لكن، ولأسباب بعضها في مصداقية هذه العملات وأخرى تتعلق بصعوبة تفهّم الناس لفكرة الأموال غير الملموسة، واجهت هذه العملات رفضاً واسعاً وحرباً شرسة ضدها. غير أن الفكرة فرضت نفسها وصارت محلّ تداول لتطبيقها والاستعانة بها وبالتقنيات المرافقة لها (التشفير – سلاسل الكتل – التقييد – وغيرها) لتكون شكلاً من أشكال النقد للعملات الرسمية. الآن، ومع ما سنشهده من أزمات اقتصادية وكساد وانكشاف لسياسات نقدية عالمية وعيوب في منظومة بريتون وود، سيكون من الطبيعي نشوء أنظمة مالية ونقدية جديدة وسيكون أهمها العملات الرقمية علاوة على تطور المفاهيم البنكية والقيود المالية الخاصة بها لتعتمد بشكل أساس (سلاسل الكتل) وتتحول معاملات البنك إلى معاملات رقمية بالكامل وسيجعل هذا الأمر حجم الرقابة على حركة المال أكبر وأكثر دقة.

كثير مما سبق هو جزء من التطور الدائم لهذه القطاعات. إذاً ما الفرق؟ أهم فارق سنشهده هو سرعة التحوّل نحو هذه التطورات التي كانت تسير بانسيابية، لتشهد طفرةً أكبر في التطور والتسارع أضعاف ما كانت عليه سابقاً. وما المهم في ذلك؟! المهم أن كثيراً من الناس ليست مستعدة الآن بمهاراتها وقدراتها لهذا التحول، وكثير منهم للأسف سيفقد وظائفه. كذلك؛ كثيرٌ من الأعمال ليست مؤهلة بعد للدخول المفاجئ في هذا التحوّل مما سيعني إغلاق أعمالهم أو إفلاسهم وخروجهم من السوق.لكن؛ ومن جهة أخرى؛ فإن هذا التحوّل بمثابة فرصة ذهبية لنمو أسرع للأفكار الإبداعية والمشاريع الناشئة التي تحتاج لكثير من السنوات كي تثبت وجودها وتستحوذ على حصة من السوق وتنال قبول المستخدمين والمتفاعلين مع أفكارهم لها. وما يحصل الآن أن العالم سيكون ضمن تسارع أكبر بكثير مما كان عليه قبل هذه الأزمة نحو هذا التحوَل، وفي كثير من الأحيان سيكون مجبراً على الانتقال السريع نحو الشكل الجديد لعالمنا! إذاً، ماذا يمكننا أن نفعل؟ وكيف لنا أن نقلل من الضرر وأن نستفيد من الفرصة؟ هذا ما يمكن أن يكون محور الحديث في مقال آخر!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تقوم النيوليبرالية الاقتصادية على أسس فلسفية تروج للفردانية والأنانية وخلو التعامل الاقتصادي من القيم على مستوى الأفراد. وعلى المستوى المجتمعي، فتستند النيوليبرالية إلى الداروينية الاجتماعية التي ترى أن "البقاء للأفضل".

الأكثر قراءة