حين يستنجد السياسي بالديني في مواجهة كورونا

تعد إسرائيل من أبرز الدول التي يتقاطع فيها السياسي والديني بدرجة كبيرة، وتتداخل العلاقات بينهما في التوظيف المتبادل أخذا وعطاء، وقد أظهرت هذه الأزمة الوبائية هذا التداخل جليا من خلال الأحزاب والطوائف الدينية التي تقوم بدور مهم في توجيه سياسة الحكومة الإسرائيلية مع الأزمة.

  

تقوم مختلف الطوائف الدينية الإسرائيلية بدور كبير في التعاطي الايجابي أو السلبي مع أزمة كورونا، ومن أبرزها طائفة الحريديم ومعناها التقاة، التي تعد من أشد الطوائف اليهودية انغلاقا وتشددا، وتشكل 12 بالمئة من إجمالي سكان إسرائيل، وتمثلهم عدة أحزاب سياسية بناء على أصولهم الإثنية، فالحريديم الأشكناز تمثلهم كتلة يهودات هتوراه أو يهودية التوراة، ويمثل الحريديم الشرقيين حزب شاس أو الشرقيين المحافظين على التوراة.

 

وقد ظهرت قوة تأثير هذه الطائفة وخطورتها في توجيه الرأي العالم الإسرائيلي بسبب أزمة كورونا، في مظهرين كبيرين:

الأول: تفسيري وتأويلي للأزمة، فقد كان للحاخامات حضور كبير من خلال التفسيرات الدينية لسبب هذا الوباء، فبعضهم رأى أنه عقاب من الله بسبب معاصي البشرية ونسيانها لخالقها وتجاهل أوامره، وبسبب صرخات اللاجئين السوريين وشكواهم إلى الله، حلت اللعنة على العالم من خلال فيروس كورونا، في حين رأى آخرون أن سببه هو الشذوذ الجنسي، ومسيرات المثليين في إسرائيل، كما لقيت تفسيراتهم قبولا واسعا لدى كثير من الفئات المتدينة، التي تقتنع بصحتها.

 

أظهرت الأزمة ثقل المؤسسات الدينية في حسم المعركة لصالحها في دولة تحكمها تعاليم التلمود عقيدة وسياسة، وتساهم في رسم أبعاد سياساتها الداخلية والخارجية

الثاني: إجرائي عملي، يتجلى في التعامل السلبي مع تعليمات السلطات التي فرضت حظر التجوال، والحجر الصحي، حيث قابلوها بالرفض المطلق، بدعوى أنها تعطل أداء العبادات وأن إغلاق أماكن العبادة أمر محرم وخطير، مستندين في ذلك إلى عدم خوفهم من الوباء وأن التوراة تحميهم، فقد أمر الحاخامات أتباعهم ألا يلتزموا بتعليمات السلطات، ويمارسوا نشاطاتهم بشكل طبيعي، حيث استمرت المدارس الحرديمية في التدريس، رغم إغلاق بقية المدارس النظامية الإسرائيلية، كما شارك المئات منهم في تشييع جنازة ليلية أقيمت لحاخام في بني براك، وبعض الأعراس، كما أقاموا العبادات مجتمعين.

 

ونتيجة لذلك تسارعت وتيرة انتشار المرض، وتبين أن 29 بالمئة من المصابين بفيروس كورونا في إسرائيل انتقلت لهم العدوى داخل المعابد والمدارس الدينية، وأن نحو 50 بالمئة ممن أصيبوا بالفيروس هم من الحريديم، نسبة كبيرة منهم من الحاخامات، وتستمد هذه الطائفة قوتها من كون وزير الصحة الحاخام يعقوب ليتسمان، ينتمي للتيار الحريدي، ويقود حزب يهدوت هتوراه المتشدد، المشارك في الحكومة المشكلة مؤخرا، وقد سبق له أن دعا اليهود إلى الصلاة، لعل المسيح المنتظر يأتي قبيل عيد الفصح الشهر المقبل لينقذهم من عدوى كورونا، كما كان مثل نموذجا مثاليا لهم، بسبب رفضه في بداية الأمر الالتزام بإجراءات العزل الصحي والفحوصات الطبية، وطلبه من المختبرات الطبية إغلاق أبوابها أيام السبت، ما أدى إلى إصابته وزوجته بالفيروس، وبعض المسؤولين بعد اختلاطهم به.

  

ومن العوامل التي حالت دون وعي أتباع هذه الطائفة بخطورة الوباء رغم حملات التوعية، عدم توفر بعضهم على أجهزة التلفزيون والراديو، وعدم ربط الهواتف المحمولة، بشبكة تطبيقات الإنترنت والرسائل، بسبب فتاوى تحرم امتلاكها، لذلك ترددت الحكومة الاسرائيلية في البداية في تطبيق إجراءات الحجر الصحي، والحد من التنقل بأوساطها، تفاديا لغضب حلفائها في الائتلاف الحكومي حزب شاس ويهدوت هتوراة، غير أن تفشي الوباء، وتصاعد الانتقادات الشعبية والإعلامية أجبر الحكومة على فرض الحجر بالقوة، ما أدى صدامات عنيفة مع الشرطة التي حاولت منع التجمهر والصلاة بالكنس، وإغلاق المدارس الدينية للحريديم، دامت لأيام، كما استدعى الأمر نشر الآلاف من قوات الجيش والشرطة.

 

وأمام عجز الحكومة، لجأت إلى كبار الحاخامات طلبا "للفتاوى" لإقناع أتباعهم بتعليمات الحجر الصحي، ومن هؤلاء الحاخام "كانيبسكي" أحد كبار الحاخامات في أوساط اليهود الحريديم ذي الأصول الأوروبية وأعلى سلطة دينية بالمجتمع الحريدي، الذي أصدر فتوى يحظر بموجبها التجمهر والصلاة الجماعية بالكنس وتعليم التوراة بالمدارس الدينية، أعقبتها فتاوى وتفسيرات أخرى للحاخامات للتعاليم التوراتية تدعو إلى الحفاظ على صحة الإنسان وسلامتهم، وقد دعمت هذه الفتاوى والتعليمات الدينية الحاخامية الكبرى الممثلة للسفرديم الشرقيين و الحاخامية الكبرى الممثلة للأشكناز الغربيين، التي أكدت أن التعليمات و الإرشادات والتعاليم الدينية والتوراتية لليهود الحريديم التي أعلنت عنها الحكومة، أقرت بتعاون مع كبار الحاخامات ومسؤولين وزارة الصحة ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي. كما أفتى الحاخام الأكبر للطوائف الشرقية في إسرائيل يتسحاك يوسف بالسماح لأول مرة باستخدام الهاتف الخليوي أيام السبت، لتتمكن وزارة الصحة من الوصول الى المصابين، وقد لقيت تعليمات الحاخامات وفتاواهم قبولا أدى إلى تجاوب كبير من المتدينين المتشددين معها، وهوما سهل على الحكومة فرض مزيد من الإجراءات الصحية، داخل تجمعات اليهود الحريديم.

 

لقد أظهرت الأزمة ثقل المؤسسات الدينية في حسم المعركة لصالحها في دولة تحكمها تعاليم التلمود عقيدة وسياسة، وتساهم في رسم أبعاد سياساتها الداخلية والخارجية، وأظهرت التوظيف الخطير والسيء للدين، فقد تركت المؤسسات الدينية أمر تطبيق الإجراءات الصحية للمؤسسات الحكومية لوحدها، ولم تتدخل -في بداية الأزمة- بالتوجيه والتوعية لأتباعها الذين تعلم مسبقا أنهم لن يستجيبوا لها، لتسهيل عمل الحكومة، كما كان لبعضها دور تحريضي ضدها حتى من داخل الحكومة، وهو ما أعتبره إجراء تكتيكيا ذكيا، ورط الحكومة في استخدام العنف، ما أدى إلى تزايد حدة العنف المضاد، واستسلامها في النهاية، والاستنجاد بها، من جهة، كما شكلت الأزمة فرصة لكسب المؤسسات الدينية رضى الطوائف الدينية المتشددة من جهة أخرى، وهوما يجعل هذه الأخيرة تضع في الحسبان أثناء رسمها لسياساتها حسابات المؤسسات الدينية التي قد توصلها إلى السلطة أو تبعدها عنها، وتسهل عملها أو تعرقله، بمجرد إصدار الفتوى الدينية التي أداة فعالة من أدوات توجيه جزء كبير من الرأي العام، وصناعة السياسة في إسرائيل.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة