logo

الاتحاد الأوروبي وأزمة 2020.. انهيار أم استمرار عقيم؟

بعد محاولات عديدة فاشلة لتوحيد الدول الأوروبية ككتلة واحدة، وبعد الخسائر الوخيمة التي عرفتها أوروبا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ازدادت الضرورة والأسباب الملحة لقيام ما يسمى الآن بالاتحاد الأوروبي والذي كان إنشاءه بمثابة حل مطروح لتجنب نشوب صراع جديد في القارة الأوروبية. في الخمسينيات، وبالضبط سنة 1951، تم تشكيل الجماعة الأوروبية للحديد والصلب والتي هدفت إلى توحيد أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة ووضع أساس للتطورات الحديثة في أوروبا، بعد مرور 6 سنوات، تم التوقيع على إنشاء سوق أوروبية مشتركة سنة 1957 من أجل تسهيل التبادلات التجارية وتيسير الإجراءات الجمركية بين دول الاتحاد وإقرار سياسات تجارية موحدة بين الدول الأعضاء، وبعد سنة 1995 كان الاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة، ليستضيف آخر الدول المنضمة له سنة 2013 وهي كرواتيا.

يعتبر الاتحاد الأوروبي من بين أقوى التكتلات التي شهدتها أوروبا باعتباره تكثلا اقتصاديا وسياسيا يهدف إلى تقوية دورها في العالم ودعم التقدم الاقتصادي والاجتماعي من خلال تأسيس سوق مشتركة وعملة موحدة، إضافة إلى تأسيس مواطَنة أوروبية تضمن الحقوق الأساسية ومبادئ الحرية والأمن والعدل على مستوى الدول الأعضاء. كالعديد من القوى العالمية، مر الاتحاد الأوروبي بعدة أزمات ومشاكل حالت دون ضمان استقرار متكامل من الناحية الاقتصادية، لعل أبرزها أزمة الديون السيادية التي عرفتها بعض الدول الأعضاء وذلك كنتيجة للأزمة المالية التي عرفها العالم سنة 2008، حيت فاقت نسبة المديونية نسبة معدل الناتج الوطني الخام في بعض الدول مما أدى إلى عجز كبير في تسديد الديون، ومن بين المشاكل أيضا، أزمة المهاجرين واللاجئين التي خلقت اختلافا كبيرا بين الدول الأعضاء بين محايد ومعارض لاستقبال اللاجئين والذي سبب تزايدا ملحوظا في نسبة البطالة عند الدول المستقبلة. سنة 2016، وبعد استفتاء قامت به الأمم المتحدة بطرح فكرة سحب عضويتها من الإتحاد الأوروبي، تلقى هذا الأخير ضربة موجعة تسببت في زعزعة أسسه الاقتصادية والسياسية، وتخوف كبير من انتشار عدوى الانسحاب إلى باقي الدول الأخرى، خصوصا أنه ليس الجميع يرغب في استمرار هذا التكثل والبقاء تحت سيادة قوانين وقواعد العضوية.

سيشهد التاريخ أن فيروس Covid19 قد أفاض كأس عرش الاتحاد الأوروبي وربما يكون بداية النهاية أو النقطة الفاصلة للحيلولة دون استمرار هذا التكتل في ظل الضغوطات الخارحية التي ترغب في انهياره

بعد مرور الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه بعدة أزمات لم نتوقع أن سنة 2020 ستكون سنة شؤم عليه، فبعد خروج بريطانيا بشكل حاسم في 31 من يناير لهذا العام، وبعد تخوفه من انتقال عدوى الانسحاب إلى باقي الأعضاء، أصيبت دول الإتحاد بعدوى من نوع آخر، حيث ظهرت أزمة كبيرة كشفت عن معدن هذا التكثل الحقيقي وأبرزت عدة اختلالات على مستوى منظومته الصحية والاجتماعية. بعد انتشار وباء كورونا في القارة الأوروبية، أصبحت هذه الأخيرة أكبر بؤرة لتفشي الوباء في العالم بعد أمريكا التي تصدرت قائمة الدول الموبوءة هذا الأسبوع، ولإيطاليا حصة الأسد من عدد الإصابات وعدد القتلى، تليها إسبانيا ثم ألمانيا وفرنسا. كدول متحدة وكَتَجمّعٍ أساسه التضامن والتكافل بين جميع مكوناته، فقد قامت إيطاليا بطلب العون من جاراتها الأوروبية، لكن طلبهالم يتلقى أي استجابة!، نعم ففي اتحادٍ دام عمرة قرابة 70 عاما من الشراكات الاقتصادية والتحالفات السياسية والاجتماعية، قامت الدول الزميلة برفض مد يد المساعدة لدولة أخرى زميلة تستغيث وتعاني من هذا الوباء الجائحة الذي تجاوز إمكانياتها البنيوية.

بينما كانت هذه الأزمة بمثابة فرصة لإعادة تقوية العلاقات الأوروبية وتعزيز الثقة في قوة الاتحاد والاعتماد عليه لتجاوز الأزمات كقوة واحدة وكيان واحد، وبينما كان من الممكن سن إجراءات تكاملية يفرضها الاتحاد الأوروبي لاحتواء الوباء وحماية أعضاءه من تكبد خسائر إضافية، اتخذت دول كفرنسا وألمانيا ودول أخرى إجراءات أكثر حمائية ومنعت تصدير المستلزمات الطبية ضامنة بذلك حماية مواطنيها واقتصادها بشكل أولوي، كما فرضت هذه الدول إجراءات لإقفال حدودها مع الدول المجاورة ضاربة عرض الحائط كل البنوذ التي تنص عليها اتفاقية شنغهن، لتترك إيطاليا وحيدة في مجابهتها لفيروس دخيل قاتل، كما أن هناك دول كانت قد أبدت رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد كصربيا ودول البلقان، ولم يتلقوا أي دعم من أي نوع من هذا التكتل الأوروبي الذي كن يرغبن في الإرتماء إلى أحضانه، مما يطرح التساؤل حول إن كانت هذه الدول لا تزال تفكر في الانضمام إلى تحالف لم ييرر جدواه في هذه الأزمة العالمية، ومما يطرح تساؤلا آخر حول إن كانت إيطاليا المختنقة ستستمر في هذا الاتحاد الذي لم يبدي أي تجاوب مع استغاثاتها أمام أنظار العالم!

أزمة كورونا خلقت شرخا واسعا في المجتمع الغربي وأبانت عن تفاوتات اجتماعية وأخلاقية واقتصادية كبيرة، سواء على مستوى المؤسسات أو الأفراد. الغرب الذي لاطالما تغنينا بحضارته وتمدنه ورقيه، شاهدناه اليوم يتنصل من المسؤولية، ويفرج عن قرارات متهورة وغير مدروسة، شاهدنا تهافت المجتمعات منه على المحلات التجارية والصراع على الورق الصحي، شاهدنا طوابير تتسابق على اقتناء الأسلحة رغبة في ضمان الحماية الفردية مما يطرح إشكال غياب الأمن الفعلي في هذه الدول في ظل الأزمات العالمية، ولما هذا التخوف من فرض حجر صحي كامل في العديد من الدول الأوروبية، هل هذا راجع للتدني الأخلاقي الذي تعرفه أوروبا وتخوف من تزايد نسبة العنف المنزلي ونسبة الانتحار ربما أم رغبة في حماية الاقتصاد الوطني فقط.

سيشهد التاريخ أن فيروس Covid19 قد أفاض كأس عرش الاتحاد الأوروبي وربما يكون بداية النهاية أو النقطة الفاصلة للحيلولة دون استمرار هذا التكتل في ظل الضغوطات الخارحية التي ترغب في انهياره وتفككه لتصبح الدول الأوروبية مستقلة في قراراتها ويقل تأثيرها في اتخاذ قرارات المجتمع الدولي، هل كورونا سيصبح السبب في إعادة ترتيب موازين هذا العالم وإعادة توزيع القوى العالمية على كوكب الأرض وتغيير السياسات الدولية والاقتصادية  إلى الأفضل، بما أنها الآن في أوضاع سيئة، كل هذا وذاك يجعلنا ربما نتساءل إن كنا مستقبلنا سنتحدث عن كورونا الداء أم كورونا الدواء.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة