ماذا قدمت عاصفة الحزم لليمن بعد خمس سنوات؟

سريعة هي الأيام  في عدوها هاهي خمس سنوات تمر على تلك الليلة التي مرت ساكنة ليستيقظ العالم على يمن غير ذلك اليمن الذي بات تحت نير ميليشيات الحوثي وفلول قوات عبد الله صالح وهم آمنين في سربهم بعد أن أسقطوا العاصمة صنعاء وهددوا العاصمة البديلة عدن، هكذا زأرت طائرات التحالف العربي لدعم الشرعية لتقذف في قلوب الانقلابيين الرعب، تسع دول عربية وإسلامية بالإضافة إلى أمريكا حشدت قواتها العسكرية والمخابراتية واللوجستية، لإنهاء العملية التي خطط لها سريعا لإعادة الحكومة الشرعية لعاصمتها الأبدية في صنعاء، لكن العاصفة لم تأت بما تكره سفن الحوثي وعبد الله صالح، فقد طال الأمد وتحولت التسميات، لتطلق السعودية على الإصدار الثاني لعاصفة حزم إعادة الأمل، ولم نفهم وقتها أن التسمية قصد بها إعادة الأمل للعملية الأولى التي لم تحقق الهدف منها، وإن كنا قد أصدرنا الحكم قبل أن نقدم الحيثيات فبات لزاما أن نضع بين يدي التاريخ كشف حساب للنتائج التي تركتها عاصفة الحزم في اليمن خلال خمس سنوات أنفقت فيها مليارات الدولارات على الذخيرة والتسليح.

 

فعلى المستوى الإنساني والمجتمعي، فقد خلفت العملية العسكرية بقيادة السعودية التي انطلقت في الــ 25 من مارس 2015  نتائج كارثية تمثلت في معاناة عشرين مليون يمني من نقص الاحتياجات الغذائية الأساسية، وأكثر من 19 مليونا لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وأكثر من 17 مليونا محرومون من المياه النظيفة، ويزداد الأمر سوء كلما مرت الأيام، فبحسب الصليب الأحمر الدولي، فإن المنظمات الإنسانية لم تعد تستطيع أن تواجه تلك الكارثة لاسيما بعدما فشلت في مجابهة الكوليرا التي قضت على آلاف اليمنيين خلال السنوات الماضية، ويزيد الأمر سوءا ذلك الوباء العالمي القاتل الذي لا تستطيع أعتى النظم الصحية في الدول الكبرى في العالم مجابهته، على صعيد الأزمة الإنسانية فإن ملايين الطلاب لا يحصلون عل التعليم المناسب، إما لتدمير المدارس من قبل طائرات السعودية والإمارات، أو تسرب الطلاب إلى ساحات القتال بالقهر والجبر من قبل الحوثي، أو بالإغراء من قبل الإمارات والسعودية، وعلى مستوى المجتمع فلقد تقطعت أوصال المجتمع وتمزقت العائلات بالهجرة أو التهجير، أو بالتقسيم الذي فرضته السياسة.

   

  

على مستوى الدولة فقد انفكت سلطة الدولة عن أجزاء كبيرة من اليمن بعد أن تقاسم المتصارعون في اليمن النفوذ، فكل من الحوثي والسعودية والإمارات وعمان، كل استأثر بجزء من اليمن، أصبحت الحكومة الشرعية لا تجد شعبا تحكمه وحتى قراراتها لم تعد أن تكون أوامر من السعودية بعد اختطفت في الرياض، وانهارت بالنتيجة سلطاتها على الدولة، كما انهارت البنية التحتية، وانهار الاقتصاد، وسرقت مقدرات اليمن من أموال ونفط، وفقدت ثروتها البشرية المحركة للاقتصاد والتي كانت تصدرها لدول الجوار لتعود بتحويلات مالية مهمة للاقتصاد المفتقر لكل دولار من تلك التحويلات، بعد أن فقدت في تلك الحرب ما يزيد عن الــ 120 ألف يمني أغلبهم في سن العمل، بالإضافة إلي ذلك الهدر البشري، أهدرت موارد اليمن على السلاح، فبحسب الإحصائيات، فقد أنفقت اليمن بديون مقترضة من السعودية على الأسلحة الأمريكية 68 مليار دولار، وعلى الفرنسي 11 مليار، وعلى البريطاني 5 مليارات، والألمانية 1.5 مليار وعلى كل من الأسبانية والإيطالية 1.5 مليار دولار، هذه الــ 87 مليار دولار التي أنفقت على السلاح والتي تعد دينا على اليمن، كان بمقدرها ان تغير وجه اليمن ما بعد صالح، لكن قدر لها بخبث أن تنفق في هذا البند لتحرم اليمنيين من دولة الرفاه التي حلموا بها وخرجوا من أجلها في فبراير.

 

وعلى المستوى الأمني والعسكري فقد خلفت العاصفة مزيدا من بعثرة اليمن بعد ما اقتطع الحوثي جزءا منه، فحديث الأقاليم الذي صنع في الرياض بعد أن خطط له في أبو ظبي هو حالة جديدة مصنعة لتقطيع أوصال اليمن، فما عرفنا الفيدرالية إلا لتجميع الشتات، ولما كان الشعب اليمني واحد، فإن فيدرالية إقليمية تعني تقسيم ما بقي من اليمن وترك كل إلى مصيره، ولتأكيد أن الأقاليم دعوة إماراتية بمباركة سعودية، يمكن الآن فهم دعوة الإمارات إلى ضم كل من المخا وموزع وذوباب ومقبنة لإقليم عدن، وهو ما يخدم أهدافها في اليمن بعد إنشاء المجلس الانتقالي والحزام الأمني الذراع العسكري المؤتمر بأمر الإمارات والحامي لمجلس الانفصال الجنوبي.

 

الحزام الأمني أحد أشكال الميليشيات التي زرعتها الإمارات، على غرار إيران، لتكون أذرع لها تأتمر بأوامرها وتنفذ خططها، وأهمها الاستيلاء على المواني لحماية مشاريعها الاقتصادية، في جبل علي، كما أن مهام تلك الميليشيات تشمل تصفية الكوادر الماهرة من العسكريين والعلماء والسياسيين والصحفيين، حتى تفرغ اليمن من كوادرها التي يمكن أن يبنى عليها بعد انتهاء الحرب، فالهدف غير المعلن والذي اتفق عليه تحالف السعودية – الإمارات في اليمن هو ألا يكون هناك يمن قوي أو ناهض، ولا تكون جمهورية موحدة مرة أخرى، ويبقى اليمن دولة فاشلة يحتاج دوما لجيرانه.

 

هذا الهدف انعكس بشكل واقعي بسرقة مقدراته من النفط والجغرافيا المتمثلة في الموانئ، وهو ما يعكس الهدف الخفي من هذه العاصفة التي أريد لها ألا تبقى ولا تذر من اقتصاد اليمن ما يبقى به صلبه، لاسيما وأن قدرات الحوثي العسكرية قد تضاعفت خلال سنوات العاصفة، وفي المقابل ضعفت قدرات المقاومة وعلى رأسها الإصلاح، لكن فشل عاصفة الحزم، اثبت فشل المنظومة الدولية التي يعول عليها البعض لحل أزمة اليمن، ولم يبق لليمنيين الجمهوريين الثوار المخلصين لوطنهم، إلا أن يقوموا على شأنهم بنفسهم، وعلى كل المكونات أن تنهض من أجل تخليص كامل اليمن من براثن أطماع الطامعين، وعليهم أن يفككوا الأزمة، ويبدأوا من الداخل، حكومة شرعية ثورية ضاغطة، وحوارا مجتمعيا مع الشمال المسلوب، والجنوب المنسلخ، فاليمن لن يعدم العقلاء، لكن الوقت سيف على رقبة اليمن وعلى الفارس أن ينقذه قبل أن يسبق السيف العذل.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة