هل يُصلح الاقتصاديون ما أفسده السياسيون؟ نظرية رومر نموذجا

أخذ اسم العالم بول رومر Paul Romer شهرة واسعة بعد أن فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2018 عن عمله الأكاديمي في نظرية التكنولوجيا والنمو الاقتصادي. إلا أن قصتي مع هذا العالم بدأت قبل ذلك سنة 2014 عندما بدأت أراجع أدبيات النمو الاقتصادي لتحضير رسالة الدكتوراة في اقتصاد ريادة الأعمال وكان اسمه من بين أهم المنظرين في عوامل النمو الاقتصادي للدول. ومن المسلمات بين الأوساط العلمية أن العلماء الذين ساهموا بشكل كبير في نظريات النمو الاقتصادي مثل روبرت سولو Robert Solow ودوغلاس نورث Douglass Northسيحصلون على جائزة نوبل عاجلا أم آجلا. لذلك أستطيع أن أخمن أن واحدا من بين هؤلاء العلماء الثلاثة سيحصلون عليها في المستقبل وهم ديفيد أودريتش David Audretsch ودارون أسيموجلو Daron Acemoğlu وزولتان أسز Zoltan Acs.

   

ولكن ما لفت نظري آنذاك في أعمال بول رومر الجديدة هي فكرته "المجنونة" عن نظرية المدن المستأجرة. هذه النظرية لطالما استهوتني وأسرت فكري لعلها تكون إحدى الحلول الجذرية للقضاء على الفقر في الدول النامية. لذلك، أود في هذه المقالة أن أقدم نظرة مبسَّطة عن الموضوع ومناقشة ما تعلمته عن نظرية رومر في المدن المستأجرة.

  

بدأ رومر في نظرية المدن المستأجرة مع حديثه الشهير في برنامج TED سنة 2009. يتضمن اقتراحه أن يقوم ضامن من دولة متقدمة (أو دولتان) بإنشاء مدينة داخل دولة مضيفة نامية. يقوم الضامن بإدارة المنطقة خارج سيطرة الدولة المضيفة بحيث يكون للضامن السلطة في وضع قوانينها الخاصة من القضاء، وسياسة الهجرة، والقوانين الاقتصادية وغيرها. في رؤيته، سوف تكون مدن التأجير الدولية مفيدة للمواطنين من خلال منحهم خيارًا إضافيًا حول نظم السياسات الاقتصادية التي يريدون العيش فيها. أيضا، ستعتمد المدن المستأجرة سياسات مؤيدة لرواد الأعمال أكثر من الدولة المضيفة، بما في ذلك انخفاض الضرائب، ووضع قوانين عالمية، وحماية حقوق الملكية، مما يشجع الاستثمار الدولي. على سبيل المثال، يمكن أن تعمل كندا (أو كندا والدنمارك) كضامن لمدينة مستأجرة في هندوراس.

   

  

وبالفعل، تحمس صناع القرار السياسي في هندوراس سنة 2012 بتحويل إحدى مدنهم وجعلها هونج كونج أمريكا اللاتينية وقاموا بإنشاء التشريعات القانونية اللازمة لذلك بمساعدة عراب هذه الفكرة بنفسه. إلا أن المشروع قد فشل بعد عام والسبب يعود كما إدعى رومر إلى إنشاء لجنة شفافية من نفس البلد لإدارة المدينة الجديدة بدلا من ادارة الدولة المتقدمة لها والنتيجة "رجعت حليمة لعادتها القديمة" بانعدام الشفافية، بالتزامن مع مشروع هندوراس، كان هناك تطورين رئيسيين من الناحية الجيوسياسية لتطبيق فكرة المدن المستأجرة. الأول هو طريق الحرير الصيني. والثاني هو أزمة اللاجئين.

 

في مشروع طريق الحرير أو "طريق واحد حزام واحد"، تحاول الصين أن تصدر نموذج التصنيع، والجمع بين انشاء المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة بها. ومع الأموال والنفوذ الصيني، سيغير هذا بالطبع المعايير والقوانين المتعلقة بالمناطق المستأجرة. على سبيل المثال، تمكنت إحدى الشركات المملوكة للحكومة الصينية من الضغط على الحكومة السريلانكية لاستئجار الميناء و15000 فدان من الأرض حولها لمدة 99 عامًا بدلا من استرداد ديونها.

 

أرى أن المدن المستأجرة لا تزال فكرة واعدة ولا يجب التخلي عنها بسبب هذه التحفظات أو سوء التنفيذ

الحدث الجيوسياسي المهم الآخر هو أزمة اللاجئين والذي له آثاره على نظرية المدينة المستأجرة حيث أنه بادرت بعض المنظمات بفكرة انشاء مدن للاجئين والأمة اللاجئة. ولأن هذا الموضوع معقد وله شجون فإنني سأعمل على كتابة مقالة خاصة بها في الأيام القادمة بإذن الله، في هذا السياق، صرح الكاتب مارك لوتر أن هناك ثلاثة دروس ممكن أن نتعلمها من نظرية رومر الريادية في المدن المستأجرة وهم في السياسة، والعقارات، والتدريج، كان رومر ناجحًا جدًا من الناحية السياسية حيث أنه جلب الإثارة حول المدن المستأجرة. أيضا، قاد حديثه في TED إلى تمرير تشريع المدن المستأجرة في هندوراس، وكان قريبًا من تمرير التشريع في مدغشقر. ومع ذلك، أظهرت الأحداث اللاحقة أن المشاركة السياسية رفيعة المستوى ليست كافية للتغيير التشريعي اللازم للمدن المستأجرة. بالإضافة إلى إشراك الرئيس، من الضروري إشراك الوزارات الرئيسية، وأحزاب المعارضة وغيرها.

 

تعتبر المدن المستأجرة من المشاريع العقارية بامتياز، لذلك، من المهم جلب شركات عقارية في المراحل الأولى للمشروع. البنية التحتية هي التكلفة الأساسية للمدينة المستأجرة ويجب أن تكون قابلة للاستمرار مالياً لجذب الاستثمار، أخيرًا، التدريج مهم. من غير المحتمل جمع 5 مليارات دولار لنظرية لم يتم اختبارها بعد. بدلاً من ذلك، يجب جمع الأموال على مراحل. قد تكون المرحلة الأولى منطقة صناعية، ثم إضافة منطقة سكنية. أو ربما تتضمن المرحلة الأولى المناطق الصناعية والتجارية والسكنية، ثم بالإمكان إضافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى كالصحة والتعليم. في كلتا الحالتين، يجب أن تعمل المدن المستأجرة بالحد الأدنى لتشغيل المناطق القابلة للتنفيذ Minimum Viable Product والتي يمكن أن تكون بمثابة دليل على تطبيق النظرية لجذب مليارات الدولارات من الاستثمار.

 

وفي الختام، على الرغم من وجود بعض "التحفظات" التي يبديها البعض من غير المقتنعين بالفكرة، حيث يعتبر تكليف دولة متقدمة ذات دخل مرتفع كضامن لمدينة نامية يؤسس لنوع من النفوذ "الاستعماري الجديد"، أرى أن المدن المستأجرة لا تزال فكرة واعدة ولا يجب التخلي عنها بسبب هذه التحفظات أو سوء التنفيذ. هنالك أيضا نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها مثل مدينتي هونج كونج Hong Kong وشنزن Shenzhen في الصين. لذلك، إن قدرة المدن المستأجرة على جذب الاستثمار وتشجيع الابتكار والابداع تستحق المزيد من التجارب في جميع أنحاء العالم. السؤال هنا، هل باستطاعتنا تطبيق وتطوير هذا النموذج في بلداننا العربية؟ هل بإمكان هذا النموذج الاقتصادي أن يكون مفتاحا لحل الأزمات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية؟ أترك لكم التعليق.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة