هل ستركع فلسطين لكثرة المتساقطين؟

في حكاية الأعور الدجال عبرةً لنا في هذه الأيام، حذرَ من اتباعه أو الإيمان به حبيبنا محمد "صلى الله عليه وسلم"، وذكر أوصافه كاملةً، لكن رغم ذلك -كما أخبرنا- يتبعه خلقٌ كثيرٌ من الناس.. قد نستغرب من الأمر ربما لأننا لا نعيشه، لكن لن يكون كذلك على من يعش الموقف عياناً. الحالُ هذه الأيام يُشبه ذلك إلى حدٍ كبير، فمجاهرة وإعلان الولاء والتأييد للعدو الإسرائيلي من عدد من قادة الأنظمة العربية واستمالة عشرات سفهائهم من الإعلاميين أو الفنانين لهذا الغرض، بل وكيل الشتائم على أهل فلسطين، أمراً كان مستهجناً قبل سنوات، لكنه بات من الطبيعي هذه الأيام، فلم مات رابين الذي تمنى أن يستيقظ ذات يومٍ ليجد البحر وقد ابتلع غزة بينما جاء عرب في العام 2020م يُطالبون نتنياهو جهرةً بتخليص العالم من أهل فلسطين، وهم لا يُدركون أنه عَجِزَ عن ذلك حتى الآن بفضل الله.

صحيح أن الغالبية من الشعوب العربية تُدرك الأهمية التي تحملها فلسطين للمسلمين، لكن هذا الدفع الكبير لهذه الشعوب من خلال ما يُطلقون عليه دراما مستغربة في توقيتها وزمانها لإيهام الجمهور العربي بأن العدو الحقيقي للأمة العربية هو فلسطين، والحليف الاستراتيجي هو الكيان الاسرائيلي، يحمل في عباءته الكثير من الحقائق التي ما كان الفلسطيني يجرؤ على البوح بها سابقاً من باب الخجل على الأقل، واحتراماً للخير الكبير الذي قدمه الكثير من العرب نصرةً لفلسطين، لكن هذا الجهر في الإساءة لأرض الرباط بات يدفعنا دفعاً نحو الرد.

والله إننا نحزن على حال بلادنا العربية هذه الأيام، حتى وصلت السعودية بلد النفط لطلب قرض من البنك الدولي، فأين تذهب الأموال؟ هل كلها تم إنفاقها على فلسطين وتعزيز صمودها؟ أم أن سفهاء في سدة الحكم أضاعوها

ورغم ذلك فلستُ في معرض تسخير وقت قلمي في الرد على سفهاءٍ قرروا وضع أنفسهم في خانة محتلٍ مجرم، فوقتنا لا يسمح في إضاعته دون الحديث عن فلسطين ومعاناتها وهمومها التي لا تتوقف، غير أني أجدُ نفسي مضطراً لذكر بعض الحقائق. إن فلسطين أرض وقفٍ إسلامي ومهمة تحريرها تقع على عاتق كل المسلمين وليس أهل فلسطين فقط، ومن فرط بهذه المهمة سراً أو جهراً فهو خائن ومجرم لن يرحمه التاريخ، وسيكون على مزابله متسعٌ لأمثال هؤلاء، أما قيام أهل فلسطين بتصدر المشهد للدفاع عنها، إنما هو من باب القيام بالواجب وعدم ترك أشرف مهمةٍ نتيجة تقاعس الكثيرين من المسلمين للقيام بها.

ثم إن تخلى بعض الفلسطينيين عن أرض فلسطين فهذا ليس مبررا لتخلي العرب أو المسلمين عنها، ومن يتخلى من أهل فلسطين فأهل البلاد يعرفون كيف يتعاملون معه ويجعلوه في منزلته التي يستحقها، لكن الواجب على العرب أن يقوموا بمحاسبة من أهانهم بإعلان ولائه للكيان الصهيوني ومعاملته بالطريقة التي تُعيد الكرامة للعرب بعدما دنسها أمثال هؤلاء. كنا نتمنى في زمن انتشار هذا الوباء كورونا أن نرى خطواتٍ جريئة من عدد من الأنظمة العربية لتصحيح مسارهم الذي انحرف كثيراً في دوره تجاه فلسطين لعل الله تعالى يرفع عنا هذا البلاء، لكننا وجدنا مجاهرة بالعصيان والتيه الذي يسيرون فيه، فصرفوا الملايين من أموال العرب على إنتاج مسلسلات بلا طعم ولا لون أو رائحة؛ لإشغال المسلمين في رمضان عن العبادة إلى نقاشات عقيمة في جدوى فتح العلاقات مع الاحتلال الصهيوني الذي ينهب الخيرات العربية ويقتل أبناء شعوبنا دون توقف، وهو أمرٌ متوقع من قادة أنظمة ضيعوا المليارات من أموالنا على شراء بيوت المقدسيين وتسريبها للصهاينة، بعدما رفض المقدسيون بيعها بالملايين الكثيرة مباشرة لهذا الكيان رغم تضييقه الكبير عليهم.

إن حالة التيه التي يعيشها العرب يبدو أن زلزال كورونا لم يكن كافياً لإصلاحها من الداخل وتصويب بوصلتها التي انحرفت صوب دماء أهل اليمن وليبيا وسوريا، وأهدروا في محاربة شعوبنا المال والسلاح الذي ما كان يجب أن يكون لهذه الأغراض القذرة. قبل أيام انتقد أحد السعوديين أحد منشوراتي على موقع تويتر، واتهمني بالإساءة للمملكة وغيرها من الأمور التي يحفظها الكثير من عناصر الذباب الإلكتروني دون فهم أو إعمالٍ للعقل ولو لدقائق معدودة، وهو يعتقد بأننا كأهل فلسطين لا ننزل الناس منازلهم. فماذا يريدون بالضبط وقد اعتقلت قيادة المملكة السعودية عشرات الفلسطينيين المتواجدين على أراضيها منذ عقودٍ من الزمن وكانوا من ضمن الذين كانوا معاول بناء للمملكة ثم يكون مصيرهم في السجون؟ ما هي تهمة هؤلاء الأحرار؟ ثم أليس واجب كل العرب- وهذا واجب وليس منة- تقديم الدعم لأرض فلسطين كونها امتداد عقائدي لهم؟ ورغم ذلك فأهل فلسطين يجزلون الثناء على كل من يدعم فلسطين ليس بالمال وإنما بالموقف والتصريح والكلمة، وشوارع القدس وغزة شاهدة على رفع صور أصحاب المواقف المشرفة واللافتات التي تحتفي بمواقفهم.

والله إننا نحزن على حال بلادنا العربية هذه الأيام، حتى وصلت السعودية بلد النفط لطلب قرض من البنك الدولي، فأين تذهب الأموال؟ هل كلها تم إنفاقها على فلسطين وتعزيز صمودها؟ أم أن سفهاء في سدة الحكم أضاعوها إرضاءً لايفانكا ترامب وفي تدمير الشعوب والبلاد العربية؟ أو في ملاهي ومراقص أوروبا؟ أخيراً، أليس من المعيب أن يُصبح المطلب الأول لأهل فلسطين هذه الأيام ليس طلب الدعم لهم- ليس من باب التسول كما يصور بعض الجهلة- وإنما من باب الواجب، أن يصبح المطلب: ارفعوا أيديكم عن فلسطين وبارك الله فيكم؟ ألهذه الدرجة؟

اطمئنوا أيها الأحرار-وخطابي لملايين العرب المؤيدين لفلسطين- لن يركع أهل فلسطين لكثرة المتساقطين في وحل "إسرائيل" ولقد أقسمنا بأن نبقى شوكةً حتى تحرير فلسطين، ولو اجتمعَ أمامنا ليس المطبعون، وإنما الصهاينة والإنس والجن، فلن تسقط راية الحرية التي نتشبثُ بها في أيدينا، فمن ركب في سفينة فلسطين فذلك شرفٌ له، ومن ركب في سفينة عدونا فذلك عارٌ عليه وحده، ولن يضير ذلك شيئاً لأهل فلسطين، فهم ماضون للتحرير بهم وحدهم أو بغيرهم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة