ما تركته القرية في ذاكرتي من سحر خاص!

أحب السباحة كثيراً، وأثناء إقامتي المؤقتة في إحدى المدن الخليجية سجّلت في نادي فيه مسبّح كبير؛ تغطي السيراميك قاعه وجوانبه، ماءه نظيف ومعقّم بالكلور، تراقبه امرأة مهمتها الحفاظ على سلامة من في المسبح (لايف قارد). خارج المسبح توجد آلة للعصير والبسكوت والأطعمة المغلّفة. مسبح رائع جداً ونظيف جداً ومعقّم جداً، ومن شأن تجربة السباحة فيه ألا تُنسى، ومن شأن مشاعر السعادة التي تغمرني فيه أن تكون أجمل ذكريات سباحة في حياتي.

  

لكن مهلاً.. حين أغمض عيني وأتذكر شعور السباحة الجميل، لا أرى نفسي في ذلك المسبح ولكن أتذكر نفسي في بركة ماء مزرعة أبو أيوب، أتحدّث عن تلك البركة التي لا تتجاوز مساحتها الأربعة متر مربع، والمبنية من الإسمنت، وتصب فيها ماسورة ممتدة من أسفل الأرض، تلتصق بجدرانها الطحالب الخضراء، العالقة في القاع أيضاً، صوت الآلة التي ترفع الماء يصل إلى القرية الأخرى، كان الصوت مزعج لكن لم ننزعج منه، بل كنّا نستمتع به كأنّه لحن لموسيقى السعادة، سقف البركة السماء المرتكزة على أشجار النخيل المحيطة بنا، والتي تطعمنا تمراً غير مغسول، يحوي آثار مناقير الطيور التي ذاقته قبلنا، لا توجد حمامات قريبة، بل كُنّا نمشي بثيابنا المبللة إلى المنزل الذي نقطن به والمصنوع من الطين، وتجففنا التيارات الهوائية الآتية من جميع الاتجاهات، وبالرغم من ذلك لا نمرض.

 

لم أسافر كثيراً، لكنّي زرت بعض المدن وأمضيتُ بها فترة لا بأس بها، أتحدث عن تلك المدن المتطوّرة ذات الشوارع النظيفة، والبنايات اللّامعة، والمراكز التجارية العملاقة، وبشر من مختلف الأعراق، والمطاعم المتنوعة؛ حين أزورها أظن بأنّها ستحتل أفضل مراكز الذاكرة في الدماغ، وستغمر قلبي بالسعادة، وذلك يحدث فعلاً، أثناء الزيارة وبعدها، أما بعد تخمّر تلك الزيارات والمشاهد في الذاكرة، تتراجع لتقف خلف ذلك المكان المتفرّد والمخصص للذاكرة الجميلة، أجمل ذاكرة حملتها دماغي، ذاكرة الأيام الجميلة التي تتكرر أثناء زيارتي لقريتي الصغيرة.

 

لم يكن لكل منزل مشواره الخاص، بل كانت المشاوير جماعية، كبار السن في مقدمة السيارة قديمة الطراز والبقيّة في سطحها المكشوف، مهما كان حجم السيارة فهي تتسع للجميع،

تلك القرية خالية من المباني الضخمة، والمطاعم الإيطالية والهندية، ذات شارع واحد غير معبّد، لا تمر به سوى القليل من السيارات، أعظمها قديمة، تكتسي بالتراب، مثل البيوت وأشجار النخيل والمارّين، لا يوجد فيها عمّال نظافة، ولا مكائن صرافة، ولا أي وسائل متقدّمة، لكن جميع الأيام التي أقضيها فيها أيّام جميلة، مملؤة بالحب والنقاء والضحك اللا محدود، أغمض عيني فأجد نفسي راكضة من دون حذاء، تحت ضوء الشمس، وبجانب أشجار الأراك المحتمية تحت أشجار النخيل، بينما ترميني أحد القريبات المقاربات لسني بكرة مصنوعة من أي كرتون عصير مرمي في الشارع، ومحشوة بالأكياس والقليل من الأتربة، كنا نستمتع باقتلاع أعواد الأراك ومضغها، ونستمتع بتذوّق طعم الطين، كم كان مذاقها رائعاً!

 

لم يكن كلام أهل القرية لطيفاً جداً، لم يبذلوا الكثير من الجهد في التعبير عن سعادتهم ومحبتهم لمن حولهم، لكن كل ذلك كان ظاهراً في ابتساماتهم، وفرحتهم بلقيا من يحبون، لو طُلِبَ منّى أن أدلّ على أكثر أماكن الحب وجدتها على سطح الأرض، لأشرت إلى تلك القرية، التي يعتبر الحديث عن الحب فيها عيباً. لم تكن هناك مواعيد زيارة ولا إتيكيت، بل كان أهل كل بيت يشربون الشاي وقت الضحى وكل من أراد المشاركة فهو مرحّب به، فنجان من الشاي في جلسة هادئة أثناء زيارة مريض، مباركة لعروس، أو موانسة نفساء.. في تلك القرية لا يوجد من لا يحبني، الكل يحبني، يحبني كثيراً، أرى ذلك وأشعر به بوضوح، وأنا كذلك أحبهم جميعاً، فلم أتعلم الحب إلا منهم..

 

لم يكن لكل منزل مشواره الخاص، بل كانت المشاوير جماعية، كبار السن في مقدمة السيارة قديمة الطراز والبقيّة في سطحها المكشوف، مهما كان حجم السيارة فهي تتسع للجميع، والمشوار واحد، إلى عرس في قرية أخرى أو في المدينة، إلى سوق، إلى عزاء، كنّا نحب الصعود في الخلف -أي في الجزء المكشوف-، حيث تقفز بنّا السيارة أثناء عبورها فوق الحفر والأحجار إلى السحاب لنرى أحلامنا الجميلة ذات البساطة المبالغ فيها ثم تعود أجسامنا إلى السيارة بينما تبقى قلوبنا ترفرف بين الغيوم.

 

حتى قبل توفير المكيفات والكهرباء لم يكن الجو ليعكّر الصفو، بل كانت رياح الله ونجومه وقمره كافيان، كنا نرقد في أسطح المنازل، حيث كانت الشمس أفضل منبّه صباحي، كنّا نصحو وفمنا ممتلئ بالذباب الذي لم يجد مأوى له في الليل، فاتخذ من الأفواه المفتوحة مرقداً له، دون أن يدري أنها ستكون نومته الأخيرة. نصحو في الصباح الباكر جداً على رائحة الخبز الصاعدة من التنانير، التي توقد بالحطب وسعف النخيل، وقد نتذوّق حليب الأغنام التي تشاركنا التجوّل في القرية، ويا للسعادتنا لو كان ذلك الحليب لبأ.

 

كان صوت العصافير أجمل موسيقى نسمعها، والركض حافيين أفضل لعبة نلعبها، كانت الأيام جميلة تترك أثرها الجميل في أرواحنا وتصقلنا من الداخل، ما أجمل القرية والطبيعة! وما أشد صلتها بقلوبنا! ومهما أعطتنا التكنولوجيا من رفاهية ومتعة، يبقى للطبيعة والبساطة سحرٌ خاص، واتصالها بقلوبنا وأرواحنا اتصال عميق. كن أشتاق للجو النقي! ورائحة الشمس والأشجار! ومذاق الطين!



حول هذه القصة

يبدو أن هذا الموسم غاية في الأهمية بالنسبة لسكان قريتكم، فقال لي بأن حِرفة جمع دموع الملائكة وبيعها هي الحرفة الوحيدة التي يعرفها ويتقنها أهل القرية ويعتاشون منها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة