"رسالة من مجهولة".. رواية تغوص في أعماق الإنسان

رسالة من مجهولة هو عنوان الرواية التي نشرها ستيفان زفايغ سنة 1922، وهي واحدة من الأعمال التي جعلت هذا الكاتب النمساوي يحظى بشهرة واسعة في الساحة الأدبية باعتبارها تغوص في أعماق الإنسان، ولعل صداقته مع سيغموند فرويد جعلت رواياته تسبر أغوار النفس الإنسانية، كما أن الظروف التي عاش فيها والتي اهتز فيها العالم بسبب الأوبئة والحروب جعلته يبحث عن مسار ما ينقذ به نفسه والعالم بأي شكل كان، ولهذا حاول من خلال رواياته مواساة الإنسان، وتبرير هذا الوجود ليصير مفعما بالحياة، لكن العالم كان يسير عكس ما كان يشتهي، ففقد الأمل، وبإرادته ودع هذه الحياة إلى الأبد. وقد حظيت المرأة بنصيب مهم في إبداعاته، وفي هذا الصدد تسير رواية رسالة من مجهولة، هذه الرسالة المفعمة بالمشاعر، حاول من خلالها زفايغ أن يضع القارئ أمام ما تنطوي حوله المشاعر الإنسانية.

 

الرواية عبارة عن رسالة أرسلتها إنسانة إلى روائي أُعجبت به وأحبته منذ أن كان عمرها ثلاثة عشر سنة، لقد أحبته حبا قويا، لم تجد حياله إلا أن تحتفظ لنفسها بهذا الجب وتقاوم من أجله، الرواية هي سيرة فتاة وقعت في غرام شاب، لا يزال يجهل من تكون هذه الفتاة، لكن عبر الرسالة يستكشف فيها تفاصيل حياتها وهي محملة بهموم حب أكبر مما تطيق، وعبر الرسالة تعترف بكل ما خاضته خلال تجربتها الحياتية، وكان الحب هو عنوان هذه التجربة، وطفل هو ثمرة هذا الحب، هذه الرواية هي سيرة حب أعرج ظل صامدا إلى النهاية، وهي النهاية التي جعلت هذا الروائي يكتشفه بكل التفاصيل، لكنه لم يكتشف هذه المرأة المجهولة التي استطاعت أن تختبر حبا قويا بكل تفاني.

 

تدور الرواية حول روائي توصّل برسالة من مجهولة، هذه المجهولة فقدت طفلها قبل أن تكتب الرسالة، ولما شعرت بدنو أجلها اعترفت بكل شيء في هذا الرسالة، كما اعترفت أن هذه الرسالة ستكون نهايتها، لأن غير ذلك سيجعلها تمزق هذه الرسالة، وبما أن الرسالة وصلت، فإن السيدة المجهولة ماتت، ماتت وتركت سيرتها الغرامية مفتوحة على مصراعيها، لقد تركت هذه الرسالة بين أحضان معشوق ظل يجهلها، بحكم أنه كان يعاشر نساء كثيرات، فكيف سيتذكرها، لقد تحملت عناء هذا الحب لوحدها وفي سرها، وحتى بعد أن جمعتهما صدف لم تعترف له بأي شيء، كما أنه لم يستطيع التعرف عليها، لأن هذه الصدف تحدث بعد طول غياب، وكان ثمرة إحدى هذه الصدف طفل سيموت قبل أمه بقليل، وعبر هذه الرسالة المفعمة بالمشاعر تكشف له تفاصيل حب نما في قلبها قبل الأوان، وظل في قلبها إلى أن ماتت، وها هي تخلده عبر هذه الرسالة.

 

لقد وصف زفايغ هذا الروائي المعشوق بأنه لا يحب إلا الطيش واللهو والعبث؛ ويخشى أن يربط نفسه بمصير، ويريد أن يذوق متع الدنيا كلها بدون شرط أو قيد، ولا يريد التضحية، وهو شخص طيب، وينجد من يطلب النجدة، ويساعد الجميع

لقد تخيلت الفتاة حبيبها مختلفا عما هو عليه، فخاب خيالها، وهي تكتشف وسامته بكل إعجاب عبر استراق النظر من باب المنزل، وفي هذا الصدد عبرت: "أنت الذي لا يتبدل، والذي تنزلق عليه الأعوام دون أن تصيبه". لقد بدأ حبه ينمو في داخلها رويدا رويدا، فصارت تغار حتى من ذكره من طرف زميلاتها، لقد أحبته بكل تفاني، وهو ما عبرت عنه: "لا شيء على الأرض يشبه حبا لا يلمحه أحد، حب طفلة انزوت في الظل؛ هذا الحب هو من الترفع والبساطة والخضوع والحرص والشغف ما لا يمكن أن يساويه أبدا حب قائم على رغبة، ملحة رغم كل شيء، من امرأة ناضجة".

 

لقد رأت حبيبها يرافق أخريات لمرات عديدة وهي تغلي من الداخل، وما سيزيد من عذابها هو انتقالها إلى مدينة أخرى، سردت مرارتها وهي تبتعد عنه كرها إلى مدينة أخرى، لكن هذا الابتعاد لم يزدها إلا تعلقا وشوقا، ورغم أنها تعرف وتعترف بأنها ليست أكثر من نكره في نظره، لأنه لم يتعرف عليها ولا يعرفها، لكنها ظلت تحبه حبا لم تستطيع حياله إلا طلب المزيد، فوجدت في خيالها ملاذا لكل ما تشتهيه، حتى هذا الخيال ذكرته في رسالتها المشاعرية والحزينة. ولأنه لم يكن يعرفها، لم يكن يبدي أي انتباه لوجودها، وهو ما يزيد من عذاباتها، وكتب زفايغ عبر الرَاوية يقول: "إن وجه فتاة، أو وجه امرأة، هو قطعا شيء متقلب جدا عند الرجل؛ فما هو في الغالب سوى مرآة ينعكس عليها تارة الشغف، وطورا عبث الطفولة، وحينا الملل، وهو يزول بيسر كما تزول صورة من المرآة، ذلك أن الرجل يمكنه أن يضيع بكل يسر وجه امرأة لأن السن تغير فيه الظلال والضوء، والموضات الجديدة تبرزه بطريقة مختلفة. أما المستسلمات فعندهن علوم الحياة الحق".

 

حاول زفايغ تسليط الضوء على طبيعة المرأة، وكتب يقول عبر لسان الرَاوية: "أعرف أن من عادة النساء، حتى وإن شعرن برغبة جامحة في الاستسلام، أن يتمنعن، ويتظاهرن بالهلع، والاستنكار، ويطلبن أن تقع تهدئتهن في بداية الأمر، بتوسلات ملحة، وأكاذيب، ووعود، وأيمان. أعرف أن بنات الهوى المحترفات فقط، والمومسات، يمكن أن يستجبن لهذه الدعوات ويوافقن تمام الموافقة بكل فرح – أو كذلك من كن صغيرات، مراهقات ساذجات جدا". عالج زفايغ هذه المسألة في اللحظة التي اعترفت فيها المرأة المجهولة بأنها عندما التقت بمعشوقها، وافقت على مرافقته إلى منزله بدون تردد، وأن هذه الموافقة كانت إرادتها وهي تعبر عن نفسها، ورغبتها الجامحة، المكبلة طوال آلاف الأيام. لقد رافقته بكل حب، لكنه في قرارة نفسه لم يكن ذلك سوى جزء من أسلوب حياته، والذي لن يؤثر شيئا على حب كان يستحق أن يعاش بطريقة مختلفة، وهو ما تأكد لها بعد أن وعدها بأنه سيراسلها عند العودة من السفر، لكنه لم يخلف بوعده، وترك في بطنها جنينا كان ثمرة حب قوي، وهو ما سيخفف عنها من وطأة هذا الحب المشتعل.

 

لقد وصف زفايغ هذا الروائي المعشوق بأنه لا يحب إلا الطيش واللهو والعبث؛ ويخشى أن يربط نفسه بمصير، ويريد أن يذوق متع الدنيا كلها بدون شرط أو قيد، ولا يريد التضحية، وهو شخص طيب، وينجد من يطلب النجدة، ويساعد الجميع، وطيبته شديدة الغرابة، وعظيمة، لكن هذه الطيبة في نظر عشيقته تظل سلبية، لأنه يريد أن يُطوق وأن يُحتل، والمساعدة يقدمها عندما تُطلب منه فيمنح بحياء وضعف وليس بسرور. ولعلها وهبت له نفسها وهي عذراء، دون أن يراودها ودون أن يخنها وأن يغويها، لأنها ذهبت إليه من تلقاء نفسها، مدفوعة بمحض رغبتها، وحبها له جعلها لا تندم على كل ما حدث بينهما، لقد حملت منه، وهي تدرك بأنه لا يريد أن يصبح فجأة أبا، ومسؤولا فجأة عن حياة شخص آخر. لأنه لا يستطيع أن يتنفس إلا وهو حر، وسيشعر لو علم بهذا الحمل، بأنه مرتبط بها، وبررت ذلك بكونها تخاف أن يكرهها، وستصير عبئا غير مرغوب فيه بالنسبة إليه، لقد أحبته حبا جعلها تبرر له كل أخطائه، وفضلت بذلك أن تتحمل كل شيء على أن تكون عبئا عليه.

 

من أجل ثمرة هذا الحب باعت نفسها، واعترفت بذلك في رسالتها بكل اعتذار، وقد فعلت ذلك من أجل هذا الطفل بعد أن لمست فظاعة الفقر في المستشفى الذي ولدت فيه، وهنا سلط زفايغ الضوء على قضية الفقر، وكتب يقول: "الفقير في هذا العالم هو الضحية دائما، هو الذي نحط منه، وندوسه بالأرجل". وخوفا من الفقر صارت تبيع نفسها، حتى يكبر هذا الطفل بشكل يليق به، ويليق بالحب الذي تكنه لوالده، ولأن ما يسمى شرفا أو عارا لم يعد يعني لها أي شيء، خصوصا بعد أن كان أول من لمسها هو حبيبها الذي يجهلها، والذي امتلك جسدها بحق، ورغم أنها كانت تقدر بعض الرجال ممن تعاشرهم، إلا أنه يظل استثناء في نظرها، لأنها عاشرته بكل حب.

 

ولقد نذرت حياتها كلها لهذا الحب، وكانت مستعدة أن تستجيب لندائه في أي وقت، ولعل حياتها كما اعترفت في الرسالة لم تكن سوى انتظار إرادته. من طفلة صغيرة أحبته، حتى صارت شابة مفعمة بالجمال والحياة، وبعد أن أصبحت امرأة فاتنة تثير الرجال، ظل حبه هو محركها، ومع الأسف لم يكن هذا الحب متبادلا. وفي أخير لقاء حميمي بعد أن مضت أكثر من عشر سنوات على الأول، قال لها إن الناس يعودون مجددا، وأجابته بأنهم يعودون، ولكن بعد أن ننساهم، وأخبرها بأن ما هو طيب لا ينسى، ولن ينساها. لكنه نسيها كما نسي العديد منهن، ولكن هذه الرسالة ذكرته بكل التفاصيل.

 

لقد شعرت بألم كبير وهي تودع حبيبها للمرة الأخيرة، وما عمق من ألمها ليس هذا الوداع، وإنما الإهانة التي شعرت بها وهو يدس مبلغا من المال في جيب معطفها، كانت تتمنى لو صفعته وصرخت في وجهه، وهي التي أحبته منذ طفولتها، وهي أم ابنه، لقد حسبها مجرد مومس، وهي التي وهبت حياتها لحبه، لم يكفيه أنه نسيها، بل كان لابد أن يهينها دون أن يقصد. لقد عبرت له بأسى أنه لن يتلقى هذه الرسالة إلا حينما تموت، ولعل هذه الرسالة بمثابة وصية من امرأة أحبت بعمق وبقوة أكثر من كل النساء الأخريات، ولم يعرفها أبدا، لقد كان قدرها في الحياة ألا يعرفها أبدا، وسيكون كذلك حتى في موتها، وسترحل مجهولة دون أن يعرفها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة