رسالة رمضانية لا تشوبها الكورونا بين سطورها

ها هي نسائمه تهلّ علينا ببشائره، ترى بدره من بعيد يلوّح بالأُفق فيتدلى ويتدنى من الأرض كل مرة، تسمع تراتيل آيات القرآن تحوم حولك كهالةٍ تنتشلك من منتصف شرودك، لتقتحم تلك المناطق المظلمة بداخلك فتنيره بنورٍ يعيدك إلى رشدك مرةً أُخرى وكأن الله يخبرك لا مجال لعصياني، هيا قم فاسجد واقترب، لتستقبل زائرك بطهر، وتزح الهمّ عن قلبك وتسعد بحياتك؛ لتستيقظ أنت من غفوتك نحو سجادتك، فتجهش بالبكاء بين يدي الله خاشعًا، مذنبًا وتائبًا بإذنه، فكم من تائهٍ كان قد عاد إلى مولاه بعد كل تلك الأيام الطائشة، وكم من غائبٍ عاد من غربته ليحظى بحلاوته بين أحضان عائلته.

 

أضواءٌ من الأهلةِ كانت قد عُلقت على تلك النوافذ ترحيبًا وتهليلًا بالضيف الكريم، ملصقاتٌ أخرى وزعت على أولئك المارة، وأطعمةٌ كانت قد جُهزت خير وصدقة للغير، منها ما كان قد وضع بصناديقٍ توزع هنا وهناك، لترسم ابتسامةً تنير معالم وجوههم الحزينة، لتنطلق تلك الأدعية من أفواههم، فتكفيك ابتسامة الصغير منهم، وعناقات العجوز لديهم، لتنم بتلك الليلة محلقًا بروحك بين الغيوم مرتاحًا، مطمئن البال، فخورًا بذاتك، تتسارع أيام السعادة شيئًا فشيئًا، لتتكاثف الأمنيات بداخل قلبك مكونة سحابة تنتظر بفارغ الصبر لإحدى الليالي بما تحمله من استجابات حتمية لأمانيك المتراكمة بداخلك منذ فترة وجيزة.

 

إنه رمضان، شهر الرحمة والغفران، زاحم نفسك الآن قبل فوات الآوان، واغتنم فرصتك لنيل الأجر والثواب، فطهّر نفسك، وأقبل عليه بهدوء قلبك، بعيدًا كل البعد عن ضجيج كل تلك الأيام

هتافات الأطفال واستعداداتهم، تحضيراتهم البريئة من (مصابيح رمضان)، يتجولون حول الجميع فرحين، ها قد حلّ شهر الخير، و وعودهم لذواتهم بصومه كاملًا دون صيام الصغار ذلك، والذي كانت تشوبه القليل من الماء والطعام، راغبين بالجنة رغم صغرهم وسذاجة أفكارهم، التفاف العائلة حول كبيرهم وهو يتلو عليهم آيات من الذكر الحكيم، قصص من الأنبياء تُروى كل مرة ومرة دون أي كلل أو ملل، أحاديثٌ كثيرة تُحكى حتى طلوع الشمس، ونومٌ عميق متقطع بين كل موعد صلاة وصلاة، صلواتٌ إلى الله تُرفع، ونية إكمال الصوم تبقى حاضرة لحين غروب الشمس، عطشٌ وجوعٌ شديد في بعض الأحيان ولكن لا بأس، فأجر الانتظار بأضعافٍ مضاعفة، قد تشرد بعض الأحيان فتأكل وتشرب ولكن الله كان قد أطعمك حبًا ورحمة، تلاوتك لصفحاتٍ من كتابه الكريم دبر كل صلاة، وأدعيةٌ متزاحمة وقت غروب الشمس تتزاحم وتُرفع.

 

 

حول المائدة كنت قد اجتمعت مع عائلتك ومن تحب، ترددون نية الصيام بكل ود، (اللهم إنا نوينا صيامه كاملًا)،ومن ثم تعاودون الاجتماع عند غروب الشمس، متحاوطين حول أنفسكم، تزاحمون غيركم بفيض قلوبكم بما تحمله من أحلام وأدعية، ثم ترددون قائلين:(اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)، زيارات وأجواء ليله، فطائره المعتادة المنتظرة بعد كل وجبة إفطار، تبدأ يومك بنشاطٍ وهمة، وتشعر بداخلك وكأن العالم اجتمع على أن يسعدك اليوم، تتفاءل بالله وتثق به، فيجبر انكسار روحك بفرحةٍ غير متوقعة.

  

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)، آياتٌ قليلة كفيلة لأن تجعلك تنتظر آخره لتحيي كل ليلةٍ تتبعها ليلة بكل إيمان وتقوى لله تعالى، تستحضر فيها روحك لتشعر بقرب الله منك، إنه رمضان، شهر الرحمة والغفران، زاحم نفسك الآن قبل فوات الآوان، واغتنم فرصتك لنيل الأجر والثواب، فطهّر نفسك، وأقبل عليه بهدوء قلبك، بعيدًا كل البعد عن ضجيج كل تلك الأيام بما حملت من انكسارات وأوهام، حارب كل تلك المغريات من الدنيا، واعمل لآخرتك، صل رحمك وبر بوالديك، سامح واعف عن الجميع بقلبٍ محب، لينعم الله عليك بنعمه التي لا تُحصى، ها قد اقترب الخير، تقرّب أنت من الله، وابنِ لك في جناته بيتًا، واغرس بجانبه نخلةً أثمرت كل ما ذكرت الله في جوفك، صلِّ على حبيبه المصطفى،وأعقد النية الخالصة بصومه وتوكل، فما خاب من قال يا رب.



حول هذه القصة

رمضان بلا تراويح في المساجد وبلا موائد للرحمن وبلا حلقات قرآنية وبلا جمعات عائلية وبلا أي مظهراً من مظاهر الجماعة، واقعة ستظل عالقة في ذاكرتنا نحدث بها أحفادنا ما حيينا.

رمضان هذه السنة مختلف وباءٌ يجتاح العالم، جلوسٌ في المنزل، روحانيات وتراويحٌ فيه ألا تظن أنها فرصة عظيمة لتُهذّب نفسك وتهيكلها من جديد فنحن بإمكاننا أن نختلي بأنفسنا أكثر.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة