حرب الدراما في رمضان.. المقدمة فلسطينية والخاتمة سورية

لم يعد خافياً أن الدراما من حيث هي مادة حميمية تحاكي الواقع بأحداثها وشخصياتها أكثر استقطاباً للناس من المواد الإخبارية، فضلاً عن المواد العلمية المقروءة؛ ولذلك يكون تأثيرها في الشعوب أكبر. ولأن الحكومات عموماً أدركت خطورة القوة الناعمة في شعوبها قبل غيرهم اعتنت غاية الاعتناء بهذه القوى الرديفة، التي تسري في بيوتات الناس وتخترق عقولهم وتأسرهم لفكرة الحاكم، دون جلَبة الجيش والمخابرات تقتحم وتُرغم بالقوة الصلبة.

فإن نجح المسلسل أو الفيلم في العملية المراد لها داخل البلد وحقّق النتائج المأمولة اتجهت به الشركات -والحكومات بريئة من ذلك براءة إخوة يوسف من يوسف- إلى الخارج تعرضه وتسوّقه على شعوب الدول الأخرى، حتى صارت تجارة الدراما من أفضل التجارات، وغدا بائعو الأوهام من الممثلين والممثلات من أعلى الناس بالرواتب والأجور؛ فيتقاضى واحد منهم على دور "أرطغرل" مثلاً أكثر مما استهلكه أرطغرل لبناء إمارة الكايي وقتها في الأناضول، أو يُصرف لأم هارون نحو تكاليف إقامة جدتها غولدمائير وطنها المزعوم على أرض فلسطين المغصوبة!

ووراء الخليج العربي لاعب محترف في هذه الدراما، انشغل العرب عنه بأمرَين هما أعظم خطراً عندهم منه؛ الأمر الأول: هو المجد العثماني الذي شاركنا -نحن العرب- يوماً ما بقيادات خائنة حمقاء في زعزعته وانهياره، ولم يسكت بعضٌ منا اليوم خجلاً على تلك الفضيحة بل يجدد الخيانة، ليحارب الطموح العثماني الجديد حتى لا ينهض؛ لا لشيء إلا لأنه يراه يكشف ضعفه وعَوَاره، فهو ذمّ القبيحات للحسناء أن سرقت الحُسن إليها فامتنع عليهم!

والأمر الآخر: عدوّ قديم صار في غمضة سُنيّات صديقاً أقرب إلينا من إخواننا، وهم أبناء العمّ بنغورين والخالة غولدامائير! لا مانع من خوص الدول كلها في تجارة الإنتاج الدرامي؛ إذ يبدو أنها الحرب التي وجدت الحكومات نفسها فيها، بعد فضائح الحروب العسكرية ومخازيها فيها على امتداد حروبٍ بعد الاستقلال حتى حروب الجوار. لا مانع….. ولكن! يُحسب للإيرانيين أنهم أفردوا قنوات ومؤسسات إعلامية ضخمة جداً لصناعة الدراما وتزوير التاريخ بأفلام ومسلسلات لا تختلف عن أوهامهم في التفوّق العِرقي والديني، فهم "أم القرى" وعندهم "الولي الفقيه" الواجب على المسلمين كلهم طاعته والانصياع لأمره، ولا تخرج الدراما الإيرانية عن إثبات وهم التفوّق الفارسي هذا. وهم في ذلك التزوير لا يختلفون عن الأمريكيين وماكيناتهم الإعلامية والدرامية في هوليود وغيرها مما غزت به أوربا وآسيا وكل المعمورة، حتى تضجر كثير من المفكرين الأوروبيين من سطوة الغزو الثقافي الأمريكي الذي اخترق خصوصياتهم، وعبث بأبنائهم وغيّر كثيراً من عاداتهم لصالح "العمّ سام".

وخلال السنوات الأخيرة نشط الأتراك مع الصعود السياسي الذي تحقق في تركيا بوصول العدالة والتنمية للسلطة في إنتاج مسلسلات تاريخية ودرامية أحدثت ضجة عالمية، ونهضت لدراستها كثير من الرسائل والأبحاث الأكاديمية في مختلف الجامعات العربية؛ وإنتاجها كذلك يبعث تاريخاً مجهولاً أو مظلوماً بقالب درامي جذب الناس إلى تركيا على نحو ما يجذبهم الرئيس التركي أردوغان في خطاباته وإنجازاته، فتوافقت عندهم الصورة الدرامية المعروضة في أرطغرل وكوت العمارة والسلطان عبد الحميد وعثمان مع ما يرونه من إنجازات وما يسمعونه من الأتراك حديثاً من خطاب إسلامي عالمي غابَ من بعد تدمير الخلافة العثمانية قبل نحو قرن من الزمن.

لكنّ الذي لا يُفهم -وما أكثر ما لا يُفهم من سياسات حكوماتنا العربية- ما تدفع حكومات عربية أموالاً طائلةً وما تبذل من جهود هائلة لإنتاجه من مسلسلات تاريخية كممالك النار يضحك المشاهد لرداءة الإنتاج والإخراج، أكثر مما يضحك لسوء التفكير والهدف منها؛ إذ لا هدف لها إلا تشويه التاريخ العثماني بما تزخر مصادرنا العربية -وليس التركية- بما ينقضه ويُسقطه، أو مسلسلات سياسية كما نرى في مخرج 7 وأم هارون؛ فهي لا تنفكّ عن تصنيع الإجماع الذي لا تهتم الحكومات له عند الجماهير المقهورة، فصفقة القرن قد وقّعوها، وإعادة بناء الخارطة السياسية بل والجغرافية تمضي، وإنْ على أشلاء الناس وأرزاقهم وأراضيهم، ويبدو أنه بقي شيء لإحكام إخراج مسلسل التسوية النهائية لصفقة القرن، وهي الجماهير التي ستقف تدعو للحكّام الذين وقّعوا سند بيع فلسطين التي خسر السلطان عبد الحميد الثاني عرشه، بل ودولته حتى لا يتخلى عنها، فهذه الجماهير ستقف تدعو وتصفّق.

فلابد أن يكون التصفيق عن إيمان وقناعة، فيتم توجيه سلاح الدراما نحو عقولهم لتسهل إدارتهم نحو الهدف المنشود من بيع القضية الفلسطينية وتشويه التاريخ والتقرب إلى "اليهود المساكين" بعد الخلاص من "الفلسطينيين المجرمين"، وهذا ما يدفعنا لاستحضار ما قاله تشومسكي في (السيطرة على الإعلام) من طريقة إدارة الرأي العام "أن يتم تزييف التاريخ وتمثيله كالحقيقة، فهو الوسيلة للتغلب على المخاوف؛ ليبدو الأمر وكأننا حينما نهاجم وندمّر الآخرين فإنما نفعل نحن ذلك لحماية أنفسنا والدفاع عنها ضد الوحوش المعتدين، وحينما تسيطر على الميديا وتعكس المؤسسة التعليمية والأكاديمية آراء النخبة يمكن حينئذ أن تمرّر رسائلك؛ فصورة العالم التي تُقدَّم لعامة الجمهور أبعد ما تكون عن الحقيقة، وحقيقة الأمر عادة ما يتم دفنها تحت طبقة وراء طبقة من الأكاذيب".

والسوري الناظر فيما تزدحم به وسائل الإعلام اليوم من تأييد المسلسلات التي لا تليق برمضان شكلاً ولا ومضموناً أو الطعن بها؛ لابد أن تأخذه الدهشة، فإن كان هذا هو الحال مع القضية التي درسنا في كتب الأنظمة الملكية والاشتراكية والاستبدادية أنها "قضية العرب والمسلمين الأولى"، وهي التي أوقفت الحكومات لعقود طويلة خططها التنموية على حساب تقوية الجيوش لخوض حرب الاسترداد تحرير بيت المقدس، ثم لم تخرج تلك الجيوش إلا على شعوبها التي أنفقت من جيوبها على تقويتها؛ فماذا سيكون الحال مع قضيتنا السورية؟!

فالسوريون كانوا ينتظرون من الدراما العربية أن تنتصر لمأساتهم الممتدة على سنوات؛ لتمسح على رأس يتيم فقدَ أبوَيه وانتهى في خيمة تعصف بها ريح السياسة وتلعب بها الضمائر المُباعة، وتهدِّئ من رَوع امرأة فقدت أبناءها وإخوانها ورمتها الأحداث في مخيم على أرض غريبة في عرسال أو الزعتري أو تركيا. فإن لم تفعل فلعلها تواجه عن السوريين المقهورين آلة الدراما الإيرانية التي بدأت تنتج الأفلام حول الأحداث في سورية، فتُخرجها وفق الرواية الإيرانية للتآمر على "محور المقاومة" من دول الاستكبار ودول التآمر العربية، كما يروّجون! أو تتروّى في التقرّب من نظام بشار الأسد الذي نجح أخيراً في إنتاج شيء محليّ؛ لكنه جاء دراما مرذولة في مسلسلات تشوّه الأحداث وتسخر من صور الشهداء الذي قضوا بآلة الإجرام الأسدية، وتطعن بالدول العربية الداعمة للإرهاب، كما يروّجون!

لكن تلك الدول التي يزجّ بها الإيرانيون والنظام السوري مشغولة اليوم بإنتاج دراما للتقرب من الصهاينة، بدلاً من شيء يردّون به عن أنفسهم التسفيه في مختلف الدراما المنتجة من حول العالم. لا يمكن للمشاهد العربي أن يفصل في هذه الحرب الدرامية على المبادئ وقضايا الأمّة بين ما تفعله إيران لتشويه التاريخ الإسلامي والحاضر السوري، عما تفعله دول أخرى لتشويه بطولات الفلسطينيين لتدمير القضية الفلسطينية؛ فكلّ جهة توجّه أسلحتها نحو الشعوب برسالة، وكلها لا تخرج عما يريده أبناء "العم سام" من تدمير الحاضنة الشعبية التي جرّبوا شدّة بأسها في ثورات الربيع العربي، فهي محاولة جديدة لترويض الشعوب وإشغالها لتنصرف عن الثورة والمطالبة بالإصلاح. ولكن الثورة لا تموت، وما من دولة إلا كان فيها خونة يبيعون ما لا يملكون لمن لا يستحق؛ فخابوا وخسروا ونهضت الدول من جديد.



حول هذه القصة

مسلسل “ممالك النار” يقدم صورة مغلوطة عن واحدة من أهم مراحل التاريخ العثماني، وهي الدخول العثماني للمنطقة العربية، وقد تعمد منتجو هذا المسلسل والقائمون عليه مخالفةَ الحقيقة وتحريف الوقائع.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة