هل الوباء وخز من الجن؟!

أحاول في تدوينتي هذه ليس بمفسرا أكثر مني متسائلا وعارضا من خلال قراءتي عن العلاقة بين الطرفين (الإنس والجن) في ظل الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة وتاريخ الأوبئة؛ لنعطي تصورا صحيحا عنها.

 

أولاً، إضلال العباد وإفسادهم: وهذا غاية ما يطلبه الشياطين من الإنس بل يعدونه رسالتهم في الحياة: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر: 6). ومما نقرأ في السُّنة عن غرض الأوبئة، وكما هو وارد عند ابن حجر العسقلاني في «بذل الماعون»، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فناء أمتي بالطعن والطاعون، قيل: فما الطاعون يا رسول الله؟ قال: «وخز من الجن». رواه أحمد وقال ابن الأثير: الوخز طعن ليس بنافذ.

 

وأما الطاعون فقال ابن سينا: "الطاعون مادة سمية تُحدِث ورماً قتّالاً لا يحدث إلا في المواضع الرخوة، والمغاير من البدن.. فإن قلت: إن الشارع أخبر بأن الطاعون من وخز الجن فبينه وبين ما ذكر من الأقوال في تفسير الطاعون منافاة ظاهرا، قلت: الحق ما قاله الشارع، والأطباء تكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وطعن الجن أمر لا يدرك بالعقل فلم يذكروه؟ من عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعلامة العيني.. وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: يقع في ألسنة الناس بلفظ: وخز إخوانكم، ولم أره في شيء من طرق الحديث بعد التتبع الطويل التام، لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة، فزال الإشكال المذكور. وأما تسميتهم إخوانا في حديث العظم فباعتبار الإيمان، فإن الأخوة في الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس، ولا مانع أن يأذن الله تعالى لمؤمني الجن في عقوبة من شاء من الإنس بذلك، وإن كان فيهم غير مذنب.

 

يعني الوباء تسليط من الجن؟
رغم المحاولات المنطقية لتأويل الوباء على أساس مادي، فإن هذه النظرة لم تخل من جانب ما ورائي داخل العلاقة بين مسبِّب الوباء ونتيجته. أي وقوع الطاعون، يكمن في عجز علم تلك الفترة عن إدراك كيفية انتقال العدوى

أورد «بذل الماعون في فضل الطاعون»، الذي كتب بالتزامن مع موجة الطواعين التي ضربت مصر في العصر المملوكي (القرن 14 ميلادية)، ورسالة محمد ابن عبد السلام البناني في أحكام الطاعون، خلال اجتياحه المغرب سنة 1744: «شوهد (بالشام وقت الطاعون) الجن عيانًا على خيل كالجراد تطعن المارة بالرماح في بعض أزقة الصالحين». وأورد ابن حجر العديد من الأحاديث حول الطاعون والأوبئة واستعرض تعريفات الأطباء للطاعون، واعتبر أن الوباء غير الطاعون؛ فليس كل مرض يخلف وفيات كثيرة يمكن اعتباره طاعونًا، لأن وباء كهذا انتشر في المدينة أكثر من مرة وخلف قتلى كثيرين فلو اعتُبر طاعونًا لكان ذلك مخالفًا لإخبار النبي، صلى الله عليه وسلم، أن المدينة لا يدخلها الطاعون.

 

وأضاف سببًا لتفرقة الطاعون عن الوباء؛ أن الطاعون ناتج عن وخز الجن كما جاء في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري عن النبي، صلى الله عليه وسلم: «فناء أمتي بالطعن والطاعون. قال: فقلنا: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: طعن أعدائكم من الجن وفي كل شهادة»، وهذا الحديث في رأيه لا يخالف أعراض الطاعون التي وصفها الأطباء وأن تلك الأضرار الحادثة في الجسد هي ناتجة عن طعن الجن هذا. وقد تابعه الرصَّاع في ذلك واستشهد به في تصحيح بعض الأحاديث التي سألها عنه الموَاق منها حديث وخز الجان.

 

فالخلاصة أن ابن حجر اعتبر وخز الجان، دليل سمعي أخبرنا به الرسول، لا يمكن إثباته بالتجربة والحس، هو السبب الحقيقي للطاعون وهو الفارق عنده بين الطاعون وأي وباء آخر، وهذا الطعن هو سبب الأعراض التي يصفها الأطباء الآن. والجمع بين السبب السمعي ومشاهدات الأطباء شبيه بالحديث عن أسباب الموت الطبية مع الإيمان أن الموت يحدث بقبض مَلَك الموت للروح. وكون تصوُّر الطاعون في عقلنا الديني على أنه قدر محتم أو نبؤة محتمة. هذه ليست نظرة حكرًا على الإسلام وحده.

 

رغم المحاولات المنطقية لتأويل الوباء على أساس مادي، فإن هذه النظرة لم تخل من جانب ما ورائي داخل العلاقة بين مسبِّب الوباء ونتيجته. أي وقوع الطاعون، يكمن في عجز علم تلك الفترة عن إدراك كيفية انتقال العدوى كما نعيه في عصرنا الحالي وماهية الفيروس وعدم توفر الأجهزة المجهرية. فنرى لها وجود في الدين اليهودي والمسيحي بنفس الشكل، بوصفه لاهوتًا مكوِّنًأ للثقافة العربية. فذكر في سفر صموئيل الثاني من العهد القديم، عن تخيير الرب لداوود الملك والنبي قائلًا: «أن تأتي عليك سبع سني جوع في أرضك، أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك، أم يكون ثلاثة أيام وبأ في أرضك؟»، فاختار داوود الوباء، «وجعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل» (24:15).

 

وأُكدت هذا الرواية التوراتية في حديث علي بن أبي طالب: إن نبيًّا من الأنبياء عصاه قومه، فقيل له: ثقله بالجوع، قال: لا. وقيل له: فسلط عليهم عدوًّا من غيرهم. قال: لا، ولكن موت رفيق، فسلط الله عليهم الطاعون. ويقف عند معناه أن الوباء حكمة إلهية محكومة بمبدأ الثواب والعقاب. وكان لابن هيدور أحد أهم أعلام الرياضيات في القرن الرابع عشر الميلادي قانونًا لظهور الوباء، ربط إياه بعلل اجتماعية واقتصادية: منها الغلاء الذي يعقبه مجاعة، فتفضي بدورها إلى الوباء في رسالته عن «ماهية الأمراض الوبائية»، التي يحدد فيها تعريف الوباء بأنه «المرض الشامل»، في اختلافه عن الأمراض الأخرى على كثرتها.

 

ويقول ابن سينا في متنه «دفع المَضَار الكلية عن الأبدان الإنسانية»: «أما الوباء، فهو عفونة، وذلك إذا خالط أبخرة رديئة أو طيبة، لكنها بقيت ولم تفارقها الريح حتى تعذب». وذكر ابن النفيس، في "دفع النقمة في الصلاة على نبي الرحمة"، معللًا ظهور الوباء (بتعريفه فسادًا للهواء) بحاجتين: أرضي، كركود الماء وتعفن الجيف والجثث، وسماوي: «كثرة الشهب والرجوم في آخر الصيف، وإذا كثرت علامات المطر في الشتاء ولم تمطر».

 

هذا ما يَبرز أكثر في ربط الأوبئة بمواقع النجوم، مثل ما يذكره المؤرخ ابن إياس: «فلما انتقلت الشمس إلى برج الحمل، ظهر الطاعون في مصر عام 1513 من الميلاد».. وفي عصر الحداثة لاحظ فولتير في محادثاته مع صمويل كلارك (أحد المقربين من نيوتن) عادته في أنه لا ينطق اسم الله إلا على هيئة بالغة من الخشوع، وصدم بعد ذلك عندما أخبره كلارك أنه تعلم هذه العادة من نيوتن!

 

وأخيرا نؤمن بالله ونؤمن بقوة "كن فيكون" مع كامل احترامنا للعلم فمع تقدمه وعلمه بماهية الكائن الغريب ومعاملهم التي ترى كائانات بغاية الدقة، برغم كل هذا لا يعرفون أن يتحكموا به! فما ادرانا لو كان الله سلط علينا الجن بخوارقه؟ "سبحانك ربي" هناك جين اسمه دلتا 32. العلماء تتبعوا الشريط الوراثي لأكثر من شخص احتكوا مباشرة بمصابي سارس، ومن العجيب أن العدوى لم تصبهم فأثيرت حيرتهم، فقاموا بتتبع الشريط الوراثي DNA لهم فوجدوا جين "دلتا 32" وتوصلوا إلى أنه يقوم بقفل مستقبلات المرض لدى الخلايا ويحصنها فتحصل مناعة ضده.

 

بحر الفيروسات عميق ويقال إنها أول شيء تفاعل على الكون مع الأحماض ودارت بينهما حرب فأنتجوا لنا النواة الأولى. العلماء إن وجدوا مصلا فهذا من خلال التتبع والملاحظة ومسايرة مخلوقات الله "الفيروسات وتفاعلاتها" أو الطبيعة عامة.. والحل الوحيد أن يجدوا شخصا عاشر مصابين ولم يصاب فيتتبعوا الشريط الوراثي له ليجدوا الجين الذي يمتلك الحصانة ضد هذا الفيروس منثم يأخذوه وينسخوه ويكون هذا هو المصل. ‏إن الله لا ينقذ الأغبياء وإن كانوا مسلمين، وإلا كان أنقذنا من قبضة الكفار منذ قرون، يجب أن نعيش بالمنطق والطبيعة، ونصدق أن الله لا يحكم بغير ذلك، ونعي أنّ قول: "لا إله الا الله" ثم الجلوس لن ينصرنا في السباق أمام ملحد دائم الحركة.. أبدا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة