لذة الحياة في زمن الكورونا

فيروس كورونا ليس كله شرور لو نعلم. فكفانا رعب وخوف وذعر مبالغ فيه وبكائيات وصرخات واستغاثاث ما ورائية في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي. ولنلتفت قليلا إلى أنفسنا ونكتشف جمال الكون من حولنا. ماذا لو توقفنا وتمعنا فقط قليلا في جوهر الأشياء، ونظرنا أبعد من أخمص قدمينا وعواطفنا المرتجفة.. لاكتشفنا لذة الحياة في زمن الكورونا. بل روعة الحياة مع الكورونا. هي فرصة تاريخية يوفرها لنا القدر، كي يتوقف هذا الكوكب الرأسمالي المعولم المتوحش عن الدوران السريع حولنا وحول أحلامنا الموؤودة. وحده البطء والتأمل والعزلة والقراءة والكتابة بوصلتنا في هذا الزمن الكوروني الجميل.

ماذا لو أغلقت الإدارات وتوقف الناس عن العمل. ماذا لو توقفت المصانع وانهارت أسهم الشركات العملاقة. وتوقف المضاربين بأموالنا وقوتنا وأحلامنا في البورصة مرة واحدة. واكتشفنا لذة البقاء في منازلنا، وعدنا أطفال من جديد في أحضان أمهاتنا وزوجاتنا وحبيباتنا وأخواتنا وتقاسمنا اللعب والقبلات مع أطفالنا. ماذا لو أغلقت كل المتاجر والمغازات وفقدت كل مواد التموين، وعدنا الى توهج ومغامرة رحلة صيد بدائية في العصور الحجرية. ماذا لو توقفنا عن الأكل لأشهر وجربنا جوع أطفال اليمن ونساء غزة وأرامل العراق ولاجئي سوريا وفقراء أفريقيا وكل مشردي العالم. ماذا لو تقشفنا قليلا في غذاء الجسد، وركزنا على غذاء الروح والعقل والقلوب. ماذا لو غزونا المكتبات واشترينا ما لذ وطاب من كتب وروايات ودواوين شعرية ودراسات نقدية وفكرية.

ماذا لو توقفنا عن "البحث عن الله في بيوت العبادة واكتشفناه في قلوبنا". ماذا لو توقفنا عن الانصات إلى ثرثرة وسفسطائيات وصراخ شيوخ الدين في الفضائيات. وبحثنا عن كتب ومخطوطات ابن رشد الضائعة وأعدنا قراءتها بتأن

ماذا لو توقفنا عن الخوف من بعضنا، وعن تشمم بعضنا كالذئاب المشردة. وصفينا قلوبنا وأضمرنا الخير لبعضنا وتوحدنا من أجل البشرية والإنسانية. ماذا لو خفضت السيارات والقطارات والطائرات وحركة النقل العالمية من سرعتها الجنونية. واكتشفنا لذة رحلة بطيئة جميلة بالقطار البخاري. وتلويحة حبيبة غريبة في إحدى المحطات المنسية في ثقوب الذاكرة. ماذا لو انخفضت منبهات السيارات وتوقفت الضوضاء الكبيرة التي تملأ حياتنا وتحاصرنا صباحا مساء. وتفتحت للحظة سوسنة ونرجسة وزنبقة وحبقة في حدائق القلب المعلقة على شرفات سيدة فاتنة باريسية. ماذا يهمنا لو اتسع ثقب الأوزون أكثر وأكثر بعد أن ضاقت أحلامنا وأغلقت في وجوهنا أبواب الرزق والعيش الكريم.

ماذا لو توقفت رحلات اكتشاف الفضاء لسنة.وعدنا الى سحر اكتشاف ذواتنا ومعانقة أفكارنا وحبيباتنا على إيقاع "التانغو الأخير في باريس". ماذا لو توقفت ساعة بيغ بن اللندنية لأشهر، وأراحتنا من ضجيج أجراسها القوي. وعدنا نجمع الرمل في قوارير بلورية ونقيس به تدفق أعمارنا المخفية وحيواتنا المنسية خلف تلال الخوف وساعاتنا اليدوية. ماذا لو صمتت منبهات الساعات الصباحية والحائطية التي تذكرنا كل صباح بالواجب اليومي الرتيب،وتحكم أرباب العمل والمصانع والشركات فينا. واستيقظنا متمهلين هانئين على أصوات العصافير والحمام والفراشات وحفيف الاغصان وتفتح زهر اللوز في خطوات النسمات الربيعية.

ماذا لو أغلقت كل الإذاعات والتلفزات والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وعدنا إلى الحمام الزاجل وورق البردي والقرطاس والقلم ولذة الرسائل البريدية. ماذا لو تمهلنا قليلا واكتشفنا لذة الحياة في رفة جناح عصفور يحط كل صباح على نوافذ القلب المهملة. ماذا لو عدنا إلى طائراتنا الورقية وضحكاتنا الطفولية وشجاراتنا العاطفية. ماذا لو توقفنا قليلا عن اللهاث وراء ترجمات غوغل السريعة، وأعدنا قراءة الأعمال الكاملة لدوستويفسكي بترجمة سامي الدروبي. وكتاب ألف ليلة وليلة ومنطق الطير للنيسابوري وديوان المتنبي وشعر أبو نواس ورائعة "زوربا" لنيكوس كازانتزاكيس. وتأملنا في روائع جلال الدين الرومي.

ماذا لو توقفنا عن "البحث عن الله في بيوت العبادة واكتشفناه في قلوبنا". ماذا لو توقفنا عن الانصات إلى ثرثرة وسفسطائيات وصراخ شيوخ الدين في الفضائيات. وبحثنا عن كتب ومخطوطات ابن رشد الضائعة وأعدنا قراءتها بتأن. ماذا لو أعدنا الإصغاء إلى صوت الفلسفة والطب والعلم، وابتعدنا عن الشعوذة والسحر والتنجيم والتطبب. ماذا لو أغلقت المدارس والمعاهد والجامعات وتوقفنا عن حفظ دروس الغباء والنمط والبيروقراطية، وتعلمنا حكمة الحياة من خطوات الحلزون الصباحية. وقصيدة منسابة في عرق الكادحين. وضحكة متحدية لأم فلسطينية تشيع أخر أبناءها الى الحياة السرمدية.

ماذا لو انقطعت جميع صنابير المياه وجميع الحنفيات العمومية، وعادت النسوة إلى حمل الماء من النبع والعيون الجبلية. وعاد العشاق الى مواعدة حبيباتهم حول جدول الماء ونبع الحب الصافي. ماذا لو أعدنا اكتشاف أغان جميلة مثل "حداي يا حداي غزال المي" لطوني حنا. ماذا لو أنقطعت الكهرباء وغابت كل الوسائل التكنولوجية وأغلقت التلفزات التافهة وانقرضت كل الهواتف الذكية، وعدنا إلى سهراتنا الحميمية العائلية على ضوء المصباح الزيتي. وروعة توهج ليالينا الشتوية الطويلة حول نار الموقد البسيط وحكايات وخرافات الأمهات والجدات السحرية. ماذا لو أغلقت جميع المخابز، وعدنا لرائحة خبز أمهاتنا الصباحي في التنور.

ماذا لو تركنا كل أحزاننا وذعرنا وخوفنا من الكورونا وعدنا إلى قراءة حكمة الموت في "حديث المقبرة" لأبي القاسم الشابي و"جدارية" محمود درويش ومرثية مالك بن الريب لنفسه. وأشعار أبو العتاهية. وفلسفة "اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة. ماذا لو انتبهنا وأحصينا كل هذه النعم المسكوت عنها والمخفية التي يقدمها الينا هذا الزلزال الكوروني الجميل على طبق من ذهب. والتي تحاول تحريرنا من ربقة هذا الزمن المتوحش السريع، والعودة بنا إلى عاداتنا المحببة وهواياتنا الحميمية وتفاصيلنا الصغيرة والزمن الجميل. أليست كل عملية تحرر حقيقية تكون مصحوبة بزلزال وصدمة وحرب ضد البداهة الخادعة والأفكار البسيطة البالية والمسلمات التي تراكمت حولنا وجعلتنا نسبح مع القطيع في تيار النهر السريع. ونكره كل تجذيف عكس التيار. أليست كل عملية ولادة جديدة يصحبها مخاض عسير، فلماذا نرفض تحررنا من زمن التوحش والمسخ. ولماذا نرفض فرصة نادرة لولادة إنسان "كوروني" حر جديد، معقم وملقح ضد كل وسائل الاستغلال والتحنيط والتشييء والتهميش والظلم التي يكرسها النظام الرأسمالي المتوحش المعولم باسم الحداثة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تذكرت من يجعلهم المرض طريحي الفراش بلا حراك، من ينامون جائعين في العراء، من يعيشون في بلاد تضيق عليهم، تذكرتُ المشردين واللاجئين في الخيام، من علقوا على الحدود.

الأكثر قراءة