هل يكون كورونا عقوبة من الله للبشرية؟!

blogs كورونا

لعل من بين أقدم الظواهر التي عرفتها المجتمعات البشرية عبر تاريخها باختلاف معتقداتها ودياناتها هي فهمها لمختلف الكوارث الطبيعية والأوبئة والمجاعات على أنها غضب من الرب وعقوبة منه بسبب ذنوبها وعصيانها ومخالفتها لمنهجه القويم، حيث اعتبر عالم الاجتماع أكوست كونت في سياق تأصيله للفكر المعرفي أن هذا الأخير مر بثلاث مراحل، أسماها بقانون الحالات الثلاث، أُولى هذه المراحل هي المرحلة اللاهوتية التي كانت تُفسَّر فيها كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والنفسية على أنها تجسيد لإرادة الإلاه أو امتداد لسخطه وإنزال لعقوبته بعباده، ثم بعد ذلك جاءت مرحلة الميتفيزيقا التي كان تفسيرها أكثر غموضا من الشيء المفسَّر ذاته لاعتمادها على المنهج الاستبطاني الغامض، ثم أخيرا مرحلة العلم الوضعي الذي لا يؤمن في أبحاثه العلمية إلا بالأسباب المباشرة المؤثرة في الظاهرة والتي يتم استكشافها عن طريق التجربة الامبريقية.

وقد لقي هذا القانون الكونتي انتقادات كبيرة من لدن علماء الاجتماع، من أهمها أن هذه الحالات الثلاث ليست مستقلة عن بعضها البعض حتى تصنف هكذا على شكل مراحل، بل إنها تتعايش فيما بينها في نفس الزمكان، حيث نجد الناس عبر مختلف الأطوار التاريخية يتعاطون هذه الأنواع من التفسيرات بنسب متفاوتة فيما بينهم على حسب ارتفاع مستوى وعيهم الاجتماعي وانخفاضه. وإذا بحثنا عن الملابسات التي نشأ في ظلها هذا النمط الديني في تفسير الظواهر وكيف اهتدى إليه الإنسان عبر تاريخه سنجدها في الغالب لا تخرج عن عاملين اثنين:

للأسف فحتى بعض الدعاة والوعاظ يبالغون في ترويج فكرة الجزاء الدنيوي بهدف ترهيب الناس وحملهم على الاستقامة، اعتمادا على بعض النصوص القرآنية الواردة في سرد قصص الأمم السابقة التي أهلكها الله في الدنيا بسبب ذنوبها

1- سوء توظيف فكرة القدَر: أي بما أن كل ما يجري في الكون من أحداث ووقائع لا يمكنه أن يحصل خارج إرادة الله فهذا يعني بكل تأكيد أن كل ذلك يحصل بإذنه وإرادته، ومن ثم يجب الخضوع التام لهذه الإرادة الإلاهية دون الالتفات إلى ما تنطوي عليه تلك الوقائع والأحداث من قوانين وضوابط وسنن تسير على وفقها، لأنها إن كانت وقائع خيِّرة فهي منة من الله ورحمة، وإن كانت وقائع سيئة فهي عقوبة منه.
2- المبالغة في إسقاط فكرة الجزاء الدنيوي على الظواهر: بعد أن أنزل الله العقوبة بالأمم السابقة تواتر لدى الشعوب اللاحقة أن الإلاه يعاقب الأشرار والطغاة في الدنيا، حيث عاقب فرعون وجنوده بالغرق، وعاقب قارون بالخسف، وعاقب النمرود ببعوضة خلخلت دماغه، وعاقب قوم نوح بالطوفان، وعاقب قوم صالح بالرجفة، وعاقاب قوم شعيب بالصيحة.. حتى صار الناس فيما بعد يعتبرون كل مصيبة ألمت بهم إنما هي عقوبة من الله. 

والملاحظ أن واقعنا المعاصر بدوره لم يسلم من هذه الأنماط التفسيرية الثلاث، وخير دليل على ذلك وجود بعض الناس اليوم في عالمنا العربي يعتقدون أن فيروس هو كورونا عقوبة من الله للبشرية بسبب الفساد الذي ألحقته بالبلاد والعباد، ولم يحملهم على ذلك إلا إيمانهم بوقوع الجزاء الدنيوي؛ أي  أن الدنيا في نظرهم ليست دار عمل فحسب وإنما هي دار جزاء أيضا.

لذلك حينما يلاحظون في حياتهم الدنيوية شقاء الصالحين الأخيار وتنعم المجرمين الأشرار فإنهم يقعون في صدمة نفسية خطيرة، فيتساءلون في خبايا أنفسهم مستنكرين: هل هذا هو جزاء من يمارس الطغيان والشر والإجرام؟! وهل هذا في المقابل جزاء من يُقبل على الخير والبر والتقوى؟! وإذا كان الإسلام هو دين الحق فلماذا المسلمون الآن في آخر الركب الحضاري في حين أن الشعوب غير المسلمة في مقدمة الركب؟! فيسوء ظنهم بالعدل الإلاهي وقد يلحد البعض منهم بسبب ذلك أو تفسد عقيدته الإيمانية. كما أن هناك فئة أخرى توظف فكرة الجزاء الدنيوي في تصفية حساباتها مع الآخرين، فحينما يصاب أعداؤها بمصيبة ما فإنها تقول بأن هذه عقوبة من الله له، لكن حينما تصاب هي أو أحباؤها تقول بأن هذا ابتلاء فيه رفع للدرجات، وهكذا تشرع في إصدار الأحكام على حسب هواها دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه ذلك.

وللأسف فحتى بعض الدعاة والوعاظ يبالغون في ترويج فكرة الجزاء الدنيوي بهدف ترهيب الناس وحملهم على الاستقامة، اعتمادا على بعض النصوص القرآنية الواردة في سرد قصص الأمم السابقة التي أهلكها الله في الدنيا بسبب ذنوبها واستكبارها على الأنبياء والرسل، كقوم لوط وقوم نوح وقوم صالح وقوم شعيب وقوم هود وقوم موسى وغيرهم مما حكى الله عن بعضهم في قرآنه قائلا: "فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" كما يعتمدون أيضا على بعض النصوص الدينية العامة مثل حديث الخصال الخمس الذي كثيرا ما يستدلون به.

لكن مما يغفله هؤلاء ولا يلتفتون إليه البتة:
1- بطلان قياس الأمة المحمدية -أمة دعوة واستجابة- على الأمم السابقة في إلحاق العقاب بها في الدنيا، لأنه قياس مع وجود فارق؛ وهو وجود نبي بينهم مؤيَّد بالمعجزات والأدلة يدعوهم إلى النجاة ويدعونه إلى النار.
2- أن مثل هذه الأحكام الغيبية التي يطلقونها لا تخلو من تطاول على الله وسوء ظن به، فعقوبة الأمم السابقة الله تعالى هو من أخبر عنها بنفسه في قرآنه، وهذا غير محقق في وباء كورونا أو في غيره من الأوبئة المعاصرة ولا يمكنه أن يتحقق لأن الوحي قد انقطع منذ زمان.
3- أنهم يعتبرون الابتلاء عقوبة، ولو كان ذلك صحيحا لما ابتلى الله أنبياءه والصالحين من عباده عبر التاريخ، ولما كان الابتلاء يحصل بالخير كما يحصل بالشر على حد سواء، حيث قال الله سبحانه في سورة الأنبياء: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ " وقال أيضا: "وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"، ولما كان الهدف العام من هذا الابتلاء هو إثبات صدق العبد في عبوديته لربه وتنبيهه عن غفلته، كما قال سبحانه: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".

4- عندما أصيب المسلمون بالطاعون في خلافة عمر بن الخطاب لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه اعتبر ذلك عقوبة من الله وإنما اعتبروه ابتلاء.
5- أن الدنيا -في أصلها- دار عمل ولا جزاء، كما أن الآخرة دار جزاء ولا عمل، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل واضح صريح كخبر القرآن الكريم عن عقوبة الأمم السابقة، أضف لذلك أنه لو كان في الدنيا جزاء بهذا الشكل الذي يتصوره هؤلاء لكان المؤمنون عبر تاريخهم هم أكثر الناس تنعما ورفاهية مقابل إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ولما وجدناهم أشد الناس بلاء بدْءا بالأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كما جاء في الحديث النبوي الصحيح، ولمَا وجدنا في المقابل أشرارا ومجرمين منعَّمين يعيشون الترف ويعثون في الأرض فسادا، آمنين في أوكارهم حتى آخر رمق من حياتهم.