اكتئاب ما بعد الثورة!

لسنا بحاجة لزرقاء يمامة لتخبرنا عن الشجر الذي يسير معتمراً القبعات العسكرية وممتطياً الدبابات، لسنا في حاجة لمشعوذين أو قارئي فناجين أو حتى محللي سياسة ليهمسوا في آذاننا ويطلعونا على قدرنا البائس الذي نعلمه سلفاً.

 

الانقلاب بلا شكل قادم، طال الأمر أم قصر، هو فقط ينتظر من الساسة الأكابر أن يهيئوا له المشهد كما ينبغي، فهو بحاجة لدخول أكثر درامية، ينتظر من الساسة أن يضخوا المزيد من الخزلان في دماء الشعب، أن يقمعوا فيه كل أمل يتنفس وأن يسرقوا من جيوبه شبه الفارغة كل حلم ما زال ينبض.. بحيث يستحيل هذا الشعب المسكين "الذي يريد" -أو على الأقل كاد يفعل- أن يجعلوا منه محض جثة هامدة لا تبالِ في أي وادٍ هلكت، لا أدري والله ما السر الذي تحويه جغرافيتنا هذه لتجعل من الزمن يسير هكذا في دوائر ملًّتنا ومللنا تكرارها.

 

العقلية السياسية التي لدينا تجعل من هذا التكرار حتمية لا مناص منها، هي عقلية لا ترى الوطن أكثر من أيدولوجيا متخيلة في رأس أحدهم أو حلبة مصنوعة خصيصاً لصراع الديَّكة، غرضها الأساس تصفية حسابات التاريخ القديمة، هؤلاء لا مشكلة لديهم في تمزيق خريطة الوطن كأي ورقة لمسودة فشلت صياغتها، يمزقونها دون أن يرف لهم جفن، ويمزقون معها حيوات كثيرة وأحلام بريئة حملتهم ذات ثورة على الأكتاف لتحط بهم على كراسي الحكم.

 

الحياة بغير أمل ليست بحياة، وهذه الدوامة الزمنية التي نعيشها ستنتج لنا جحيم سيحرق الجميع عاجلاً غير آجل، وهذه المرة قد لا يبقى من الوطن شيء لنجلس في ظله ونتقاتل عليه

فعلوها من قبل وهاهم اليوم يفعلونها من جديد فهذا هو دورهم الوحيد في مسرح العرائس الوطني الذي درجوا على تأديته باحتراف طوال الخمسين سنة الماضية، الجميع يعلم هذا الأمر لكن في النهاية لا أحد يتعلم.. لا تقلق عزيزي القارئ فليس الغرض من هذا المقال توجيه النصح أو إلقاء الملامة على أحد، فالأشياء هذه المرة هي الأشياء، واضحة بسفور ولا تحتاج لكثير كلام.

 

إنما ما أفعله الآن لا يعدو كونه بكائيات بلا طائل ووقوف بلا جدوى على أطلال الثورة والحلم، كتابة على غير هدى وقودها الكآبة، وأنفاس محترقة أحاول عبثاً إطفائها بالورق لكنها لا تلبث أن تشتعل. المأساة عندنا ليست كغيرها، المأساة في بلادي لها أظافر طويلة تغرسها في أعمق نقطة في الروح.. لا لتنتزعها منك وإنما لتطفئها وإلى الأبد، بحيث لن تفلح مصابيح الدنيا في إنارة العتمة التي ستسكنك ما دمت تقطن أنت في هذا الوطن المسكون من كل جنباته بالخيبة.. خيبة تاريخية تسري في العروق وتتوارثها الأجيال جيلاً بعد آخر كما يُتوارث الضغط والسكري والحظ العاثر.

 

ولأن ما لا يقتلك لا يقويك بالضرورة –وإنما يشوه روحك ويجعل منك ذئباً لأخيك، لذا تنمو الأنانية في بلادي تماماً كما ينمو الفقر وسوء التغذية وصفوف الرغيف.. لماذا؟! لأن المأساة شوهتنا ولأننا لم نمت بما يكفي.

 

الوطن قد جعل منه الساسة شيئاً لا يحتمل، وحشاً ضارياً يهرب منه المرء إلى الشارع العام باحثاً عن الكورونا ليستقبلها في رئتيه علها تريحه من حمى الوطن الذي يجرجره معه حيث حل وارتحل، فالموت مرة واحدة بالكورونا أو أي مصيبة أخرى هو أحب لدى الكثيرين من الموت اليومي المجاني الذي يتجرعونه من كؤوس الفقر والفاقة وأشياء أخرى لا طاقة للمساكين بها. 

 

الحياة بغير أمل ليست بحياة، وهذه الدوامة الزمنية التي نعيشها ستنتج لنا جحيم سيحرق الجميع عاجلاً غير آجل، وهذه المرة قد لا يبقى من الوطن شيء لنجلس في ظله ونتقاتل عليه كما يفعل الساسة أو حتى لنبكي منه كما أفعل الآن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة