لماذا باتت التفاهة ومنصات الكوميديا خطيرة؟

خلقت مواقع التواصل الاجتماعي صدى لحظيا لردود الأفعال تجاه الأحداث والمواقف المصيرية وغير المصيرية، وغالبا ما تكون تلك الردود في قالب ساخر للغاية وأحيانا تافه، قالب تطور وصُقِل على مدى السنوات الأخيرة التي صارت فيها مواقع كالفيسبوك والانستغرام وغيرهما في كل منزل وفي كل موبايل.

الكوميديا التي تخنق التفكير:

تستطيع الكوميديا أن تكون رد الفعل الأول والأوسع للمواضيع المختلفة باعتبارها رد سريع للحدث، لا تحتاج سوى لوجود حس النكتة والدعابة ومنصة كوميدية مشهورة. يحدث الآن إفراط في تناول تلك الكوميديا، فيصير المرء -وعلى الرغم من عدم تقبله للقضية الأساسية وسخطه فيها- رقما يزيد التفاعلات والتعليقات على المنصة الكوميدية، حيث أنه حينما يفرغ ذلك شعور وفكرته ونقده في زر تفاعل على المنشور أو تعليق عليه، لا يرى رغبة في الحديث عنه أو بالأحرى يصير مخدرا عن فعل ذلك بفعل الضحك، وهذا فيه خطورة أن شعوره قد مر بوسيط -هو المنشور- وبالتالي لا داعي لذكر رأيه فيه ونقده أو حتى الاستمرار في معارضته.

البرامج الكوميدية المشهورة التي تتناول المصيريات:
لا شك أن السخرية كثيرا ما تعبر عن الألم، لكن الإفراط فيها هو الألم بحد ذاته؛ فئات كبيرة وكأنها مخدرة تضحك على قضايا من المفترض أن تهز مكنونها وتثير مبادئها

شهرة برامج كـ"السليط الإخباري" أو منصات كـ"نيودوس السورية" مثلا تجعل المرء لا يحكم على أي شيء أمامه بقدر ما يضحك عليه، فيصير يرى القضايا بقالب ساخر لا بقالب ناقد وفاعل، والعدد الذي يراه يتفاعل مع هذه البرامج هو ما يزيد الطين بلة، فلا يفكر في خطأ تلك الكوميديا وخطرها من منطلق فكرة مفادها أن "الخطأ لا يفعله هذا الكم الكبير من الناس". الدافع الأساسي الذي جعلني أفكر في كتابة هذا الموضوع هو برنامج "رامز مجنون رسمي" البرنامج الأكثر متابعة في الوطن العربي حاليا، الغني عن التعريف، وبغض النظر عن قضية نقده من عدمها، فإن ردود الفعل على ضيوف الحلقات فيه تكون لحظية للغاية، فيكاد لا ينتهي الإعلان حتى تنطلق الصفحات الكوميدية -وما أكثرها- بالسخرية على ما عرض فقط من البرنامج وضيوفه، وما يتعدى ذلك أحيانا إلى إسقاطات حياتية لتلك الحلقات على الواقع، فتصير النكتة ملازمة لحياة المتابع حتى بعد إغلاقه لمواقع التواصل، وهذا ما يجعل في النهاية المشاهد وغير المشاهد يتشرب تدريجيا محتوى رامز نفسه، باعتباره يمنحه شعورا نفسيا مريحا حالما يضحك على النكات التي قرأها في أثناء تصفحه الفيسبوك وغيره.

خطورة منصات الكوميديا:

منصات الكوميديا مؤخرا تحاول الدخول في كافة المجالات والمواضيع، مما يجعلها تحظى بشعبية واسعة من الصغير إلى الكبير، وفي الحقيقة ذلك التركيز على تناول هذه القضايا بسخرية يجعل دس الأفكار الخطرة على منهج الأعراف والأديان سهل جدا، مثل مفهوم "للبالغين فقط" أو "فوق 18" الذي بات الأطفال الذي لا ينتمون إليه يعرفونه جيدا، المفهوم الغربي بامتياز صار متداولا للغاية في قالب مجتمعاتنا اليوم دون أدنى رقابة على ذلك، والحديث عن ذاك المفهوم يركز على خطورته في جعل المشاهد الإباحية في الأفلام والمسلسلات متقبلة وجعلها حرية شخصية في متابعتها من عدمها، وبالتالي يصير البالغ فعلا يرى نفسه حرا فيما يفعله دون أن رادعا من ضميره أو دينه أو أخلاقه، فيمحي شيئا فشيئا من هويته الدينية والأسرية والاجتماعية.

الحديث عن دس الأفكار مفهوم واسع للغاية وله رصيد تاريخي قديم بدءا وجود الإعلام والتلفزة والجرائد إلى وجود السينما وانتهاء اليوم بمواقع التواصل ومنصاتها المختلفة. لا شك أن السخرية كثيرا ما تعبر عن الألم، لكن الإفراط فيها هو الألم بحد ذاته؛ فئات كبيرة وكأنها مخدرة تضحك على قضايا من المفترض أن تهز مكنونها وتثير مبادئها. من الحكمة عدم الانسياق للنهر الجارف الذي يحاول العالم قولبتنا عليه، بل محاولة أخذ القضايا بهدوء وصفاء، وفي الحقيقة التقليل من تصفح مواقع التواصل يساعد على ذلك، كيلا تسيطر الضحكة على الفكرة وتُسكر القهقهة رغبة التغيير. ختاما من المهم معرفة الخطر كي تتم محاربته، فكيف حالنا إذا عدينا الخطر صديقا نضحك معه ونستمتع بتواجده؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة