كيف أصبحت النيوليبرالية الأمريكية جائحة اقتصادية عالمية؟

لم تدخر وسائل الإعلام الأمريكية جهداً في إجراء مقابلات مع الأكاديميين من حملة جائزة نوبل للاقتصاد كي تحاول تسليط الضوء على الوضع الاقتصادي الراهن، واقتراح الحلول اللازمة للخروج من الركود الاقتصادي العالمي. المعضلة الأزلية في تفكير مناصري النيوليبرالية الرأسمالية أنهم لا ينظرون لحلول من خارج صندوق النيوليبرالية. وهذا التوجه لتشخيص المشكلات الاقتصادية وافتراض الحلول لها يعكس حالة الغرور العلمي التي وصلت إليها النيوليبرالية الأمريكية، من حيث اعتبار معتنقيها لها أنها الحل الذي لا يمكن للبشرية أن تمتلك مثله، كما أشار إليها المفكر الأمريكي فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، والمفكر الأمريكي الراحل دراكر في كتابه مجتمع ما بعد الرأسمالية. أسعى في هذه المقالة إلى تسليط الضوء على المشاكل التي تعاني منها النيوليبرالية من وجهة نظر الاقتصاد الاجتماعي والسياسي لتوضيح ما أدعيه في عنوان المقالة: النيوليبرالية هي جائحة اقتصادية عالمية.

خلفية تاريخية لنشوء النيوليبرالية
أدت النيوليبرالية (بسبب الخصخصة، وتخلي الدولة عن الرفاه، وازدياد ثروات الأثرياء) إلى امتلاك الأثرياء تأثيراً كبيراً على صنع القرار السياسي الأمريكي وعلى كافة المستويات

بعد الحرب العالمية الثانية، تبنت أمريكا نظريات عالم الاقتصاد البريطاني كينز الذي تبنى ضرورة التدخل الحكومي في السوق لمنع الشركات من السلوكيات الخاطئة التي قد ينتج عنها أذى للاقتصاد والمجتمع. وقد استمرت النظرية الكنزية بحكم النظام الرأسمالي منذ عام 1945 حتى أوائل العقد 1970. وقد عرفت الأيديولوجية التي حكمت الاقتصاد في تلك الفترة بالليبرالية المتضمنة Embedded Liberalism إشارة إلى وجود حرية في السوق مع تدخل حكومي عند الحاجة. في تلك الحقبة، كانت كل الأمور التي من شأنها أن تقدم الرفاه الاجتماعي للسكان بيد الدولة. كما أن ممتلكات الدول من قطاعات الصحة والاتصالات والمواصلات والتعليم وغيرها كانت تدار من قبل الدولة. ولم يكن أحد يتجرأ آنذاك بأن ينادي بنقل ملكية الدولة لتلك القطاعات الحيوية إلى القطاع الخاص لأنها ببساطة تمس حياة المواطن البسيط الذي هو المحور الرئيس في الإنتاج والاستهلاك في النظام الرأسمالي.

ومن فترة الأربعينيات إلى سبعينييات القرن المنصرم، عملت مراكز الدراسات وجماعات الضغط التي تمول من الأثرياء على تشويه الليبرالية المتضمنة والترويج لآيديلوجية جديدة عرفت باسم النيوليبرالية. ومن أبرز المنظرين لتلك الآيديولوجية البروفيسور فريدريك فون هايك وتلميذه ميلتون فريدمان من جامعة شيكاغو. وبدعم مالي من تحالفات لشركات تهمها ما ستنتجه الأيديلوجية الجديدة، تم إنشاء الكثير من مراكز الدراسات والأبحاث التي روجت للفكرة واظهرتها بشكل جميل لكافة الأطرف ذات العلاقة. وقد نجح مروجو النيوليبرالية آنذاك في إقحامها في أجندة حزب المحافظين في أمريكا في عهد رونالد ريغان في بدايات الثمانينيات من القرن المنصرم.

تبنى ريغان هذه الأيديولوجية التي تقضي بمنح الحرية المطلقة للسوق في تنظيم أعماله من خلال نقل المسؤولية التنظيمية من كاهل الحكومة إلى كاهل أطراف السوق الذين "بوعيهم" سيحددون الخبيث من الطيب في السوق. كما تقضي النيوليبرالية بأن تتخلى الدولة عن الرفاه الاجتماعي، هذا بالإضافة إلى خصخصة الكثير من القطاعات الحيوية التي تملكها وتديرها الدولة ونقل ملكيتها إلى القطاع الخاص.

أعراض النيوليبرالية بعد تفشيها أمريكا

بعد قرابة 10 سنوات من تبني النيوليبرالية في أمريكا ارتفع دخل الـ 10 في المائة من الأمريكيين الأكثر غنى بحوالي 16 في المائة. أما دخل الـ 5 في المائة الأكثر غنى في أمريكا فارتفع بحوالي 23 في المائة، في حين أن دخل الـ 1 المائة الأكثر غنى في أمريكا ارتفع بحوالي 50 في المائة. وكلما ارتفعنا بفئة النسبة المئوية من السكان كلما قل الدخل، وذلك استنادا لنظرية باريتو التي تقول أن 20 في المائة من الناس يملكون دخلاً أو ثروات أجمالية تصل إلى 80 في المائة مما يملكه الجميع في حين أن 80 في المائة من الناس يملكون ثروات أو دخل يساوي 20 في المائة من إجمالي ما يملكه الناس.

أما بالنسبة للـ 80 في المائة من الأمريكيين فقد انخفض دخلهم السنوي نزولاً كلما انحدرت النسبة المئوية. وكان الـ 10 في المائة الأقل فقراً في أمريكا قد انخفض دخلهم قرابة 15 في المائة. وفي عام 1997 اتسعت الفجوة بين الـ 1 في المائة الأكثر غنى وبين الـ 10 في المائة الأكثر فقراً ليحقق الغني 115 مرة زيادة عما يحققه الفقير. ومنذ ذلك الحين، تعاظمت الديون على الأفراد الأمريكيين من الطبقات الوسطى والدنيا بحيث وصل إجمالي تلك الديون إلى 14 تريليون دولار في العام 2019، وما يفوق 60 في المائة من حصة الفرد الأمريكي في الناتج المحلي الإجمالي.

وقد أدت النيوليبرالية (بسبب الخصخصة، وتخلي الدولة عن الرفاه، وازدياد ثروات الأثرياء) إلى امتلاك الأثرياء تأثيراً كبيراً على صنع القرار السياسي الأمريكي وعلى كافة المستويات. فلم تشهد أمريكيا منذ ثمانينيات القرن المنصرم رئيساً منتخباً لا يممثل توجهات مجموعة من الشركات العملاقة، إلا باراك أوباما الذي تم تقييد أفكاره وقراراته بتأثير تلك الشركات على أجهزة الدولة الأخرى. ومن أبرز أعراض النيوليبرالية في الوقت الحالي تدني مستوى الرعاية الصحية في الدول التي تعتنقها، ما انعكس على ارتفاع عدد وفيات كورونا في تلك الدول مقارنة بغيرها ممن لم تتغول فيها النيوليبرالية.
العولمة: تحول النيوليبرالية إلى جائحة عالمية.

تبنت بريطانيا، في عهد تاتشر، النيوليبرالية وقد حصل في بريطانيا ما حصل في أمريكا من حيث ازدياد الهوة بين الغنى والفقر، وسيطرة الأثرياء على القرار السياسي. تبعتها العديد من الدول تحت ضغوطات سياسية أمريكية، أو من خلال الرزوح تحت شروط صندوق النقد الدولي، الأداة الرئيسية الأمريكية لعولمة النيوليبرالية. مما لا شك فيه، أن النيوليبرالية أعطت أمريكا نفوذاً اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً دوليا. فقد استطاعت أمريكا من خلال النيوليبرالية أن تربط العالم باقتصادها، وبدولارها. وأصبح البنك الاتحادي الفيدرالي وسوق وول ستريت القلب النابض للاقتصاد العالمي. وأصبحت التعاملات المالية العالمية بين أي دولة في العالم يجب أن تمر عبر "الفلتر" الأمريكي، الذي تستخدمه أمريكا في فرض عقوبات اقتصادية على الدول.

النتيجة الحتمية على معظم دول العالم كانت مشابهة، إلى حد بعيد، لما فرضته النيوليبرالية على الأمريكيين من واقع اجتماعي وسياسي. وعلى سبيل المثال لا حصر، فقد تبنى الأردن النيوليبرالية خضوعاً لشروط صندوق النقد الدولي، فباعت الدولة مقدراتها، وتغول الأثرياء فيها على منظومة الحكم، وتخلت الدولة عن الرفاه. يعتقد هارفي مؤلف كتاب (A Brief History of Neo-liberalism) أن مكونات النيوليبرالية انبثقت من حادثة إحجام البنوك عن إقراض ولاية نيويورك الأمريكية في ثمانينيات القرن المنصرم ما أدى إلى بروز الكثير من الأمور التي تسمى الآن تسويق الاستثمار الأجنبي لجعل مدينة نيويورك أنذلك تصبح شركة نيويورك (New York Inc). اللافت في الأمر، أن إمارة دبي اتبعت نموذج نيويورك، كما وصفها "متغنيا" أمير رحمن في كتابه (Dubai Co.). ما يثير الدهشة أن نموذج نيويورك لم يفلح في تقليل خسائرها البشرية في مواجهة كورونا، بسبب فشل الرعاية الصحية فيها، وقلة إمكانياتها. وكل المؤشرات تدل على أن نموذج دبي الاقتصادي يسير على نفس النهج: الديون، والاستثمار الأجنبي لا تجدي نفعاً بل تفاقم الأزمات. أما الغريب في الأمر، أن السعودية قررت أن تتبنى نفس النموذج في وقت ثبات فشله عالمياً.

أعراض النيوليبرالية في النظام المالي

تركز النيوليبرالية على تخفيف القيود التشريعية على النظام المالي وتشجيع المبادرات التشريعية الذاتية غير الملزمة على مستوى الصناعة، مع التركيز على التعاملات على مستوى العقود ما أدى إلى ارتفاع تكلفة التعاملات. كما أطلقت النيوليبرالية العنان لما تسميه الابتكار المالي (الهندسة المالية) من خلال المشتقات، فتنامت عدد التعاملات في المشتقات وأنواعها بأضعاف ما كانت عليه قبل النيوليبرالية، ما أدى إلى ازدياد الفارق بين النمو الاقتصادي الحقيقي والنمو في التعاملات المالية عالية الخطورة وغير المساهمة في الاقتصاد الحقيقي. يقول أحدهم متندراً: "لو أخذت حذاء جدتي إلى سوق المشتقات يمكنني أن أجري عليه ابتكارات بمليارات الدولارات ليتداولها أغبى المستثمرين في العالم". وفي الحقيقة أن المستثمر ليس غبياً إلى هذا الحد بل هو بحكم النيوليبرالية الذهنية المترسخة لديه: "طماع" إلى درجة الغباء، ولا أدل على ذلك من الاستثمارات الغبية التي تبخرت خلال الأزمة المالية العالمية.

الخلاصة

كان جل اهتمام إحدى مقدمات البرامج المتلفزة الأمريكية النيوليبرالية، وهي تحاور الرئيس التنفيذي لشركة فورد حول قانون التصنيع العسكري، الذي يلزم الشركات بتصنيع ما تأمر به الدولة وقت الطوارئ، من سيدفع لكم ثمن أجهزة التنفس التي تصنعون، أو بالأحرى، من سيشتري منكم؟! هذا السؤال يلخص كل أعراض النيوليبرالية التي تطرقت، أو لم تتطرق، لها المقالة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة