الشاعر السلفي محمد عبد المطلب مؤلف الإلياذة العلوية كرم الله وجه صاحبها

محمد عبد المطلب (1871 ـ 1931) واحد من كبار شعراء النهضة الإسلامية الذين لم يكرّم جهدهم الرائد بعد بما يستحقه، وهو من بينهم صاحب الالياذة العلوية أو «القصيدة العلوية»، التي نظمها في مائتين وستين بيتًا على غرار ما نظم حافظ إبراهيم "القصيدة العمرية" أما الشاعر عبد الحليم المصري فقد نظم القصيدة البكرية. أبدأ بطرفة وهي أن هذا الشاعر العظيم محمد عبد المطلب (1871 ـ 1931) يشترك في اسمه مع مطرب عظيم كان هو الآخر سلفيا في غنائه هو الفنان محمد عبد المطلب ١٩١٠- ١٩٨٠ تلميذ الأستاذ محمد عبد الوهاب، وكأنما الاسم علامة على التوجه أو الأداء السلفي. وأثني بقول أقل طرافة وهو أن الشاعرين محمد عبد المطلب واحمد نسيم (١٨٧٨ – ١٩٣٨) عاشا ستين عاما بالتمام مع ما تمثله الستون للموظفين والشعراء.

 

الشاعر محمد عبد المطلب شاعر عربي بارز من أبرز الشعراء ومن أبرز رجال الأدب العربي في العصر الحديث وبالتحديد في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وهو أديب موهوب مطبوع، دارس، مجدد ومجيد، سليم الفطرة، إسلامي النزعة. وقد كان يتمتع  بكثير  من عوامل التفوق والتميز في بنية شعره، وفي صوره، وفي موضوعاته، لكن شاء حظه أن يكتب عنه الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «شعراء مصر في الجيل الماضي» وأن يأتي حديثه في إطار حديثه عن فهمه للتطور الشعري، وإذا بكل الأكاديميين والمبدعين الذين كتبوا عن عبد المطلب بعد ذلك يستسهلون إعادة إنتاج ما كتبه الأستاذ العقاد، وإعادة ترديد كل ما ورد في ذلك الفصل الذي كتبه الأستاذ العقاد، وهو الفصل/ المقال الذي أصبح بمثابة النموذج الأمثل للمقال الفصل الذي نقل عنه الجميع واكتفوا بما نقلوه، وكأن هذا المقال/ الفصل أو الفصل/ المقال يمثل مجموع ما كتب عن هذا الشاعر العظيم.

 

ومما يتعجب الإنسان منه في تاريخنا الأدبي أيضا أنه على حين نقل الأستاذ العقاد عن الأستاذ أحمد الإسكندري ما كتبه في مقدمة ديوان عبد المطلب وأثبت نسبة ما نقله عنه إلى المنقول عنه وهو الأستاذ الإسكندري، فإن مَنْ نقلوا عن الأستاذ العقاد أهملوا النظر فيما كتبه الأستاذ الإسكندري، وفي نسبته إليه، مكتفين باستنتاجات الأستاذ العقاد، وما نقله عن الأستاذ الإسكندري من دون إشارة إلي الأستاذ الإسكندري، وكأن كلام الأستاذ الإسكندري جزء من كلام العقاد، هذا فضلا عن إهمالهم لما نظمه الشاعر محمد عبد المطلب نفسه.

 

الطابع البدوي في شعره
الشاعر محمد عبد المطلب فقد كان سلفيا بكل ما تعنيه الكلمة، كان سلفيا في توجهه الديني، وكان سلفيا في توجهه الحضاري، وكان سلفيا في توجهه الإصلاحي والاجتماعي، وهو في قصيدته الدين للعمران يُعبر عن هذا المعنى بطريقة مجملة تلمس المشكلات الفكرية

لقب الشاعر محمد عبد المطلب بالشاعر البدوي، وشاعر البادية، لكثرة تغنيه بأعلام البادية. وقد وصف الأستاذ العقاد شعره بأنه أقرب ما يكون إلى النموذج الشعري في صدر الدولة الإسلامية، في الأسلوب والخيال والموضوعات. والحق أن الشاعر محمد عبد المطلب كان نموذجا بارزا لفهم مختلف لحركة الإحياء الشعري التي نسبت إلي البارودي وجيله، وهو -في رأيي- فهم أكثر أصالة من فهم البارودي باشا نفسه، ومن فهم الأستاذ العقاد أيضا، ذلك أن الشاعر محمد عبد المطلب لم يكن من المتصلين بالحركة الأدبية والشعرية في الثقافات الأخرى، ولعله لم يكن يحس بالحاجة إلي ذلك، وقد عوض هذا بتمكنه من الثقافة العربية والإسلامية، وتعويله التام عليها، ولست أجد صعوبة في أن أصور للقراء أن تصميم بناء مبنى على الطراز الروماني أو القوطي لا يقل قيمة عن تصميم بناء معماري حديث، وأن الطراز الروماني ليس نموذجا واحدا فحسب ولا تصميما واحدا فحسب، وكذلك الأمر في الشعر العربي وإن كانت المفردات والمعايير تختلف، والحق أن الأستاذ العقاد كان صوت جيله في التعبير عن تقييم الشاعر محمد عبد المطلب وغيره، لكن النضج الذي أتاحه لنا الزمن يمنعنا من أن نقف عند أحكام الأستاذ العقاد وكأنها نهاية المعايير.

 

كان الشاعر محمد عبد المطلب شاعرا غزير الانتاج، وقد نظم شعره في مطولات وقصائد متوسطة الطول، وتفوق في التعبير عن المناسبات المختلفة من تهنئة، وعتاب، واحتفال بمناسبة عامة، ومعارضات، ووصف، ورثاء أعلام عصره، وغزل ونسيب، وحماسة، وفخر بالأمجاد العربية، وتعبير عن القضايا الاجتماعية ونقد أوضاع المجتمع، والتوشيح. وله أيضا قصائد في الحنين إلى موطنه جنوبي مصر، ووصف الطبيعة وجمالها هناك. كان الشاعر محمد عبد المطلب من الذين ارتادوا مجال المسرح الشعري، وهذا أمر غير مشهور لأسباب معروفة، وقد نظم مسرحية شعرية بعنوان «ليلى العفيفة»، وأخرى بعنوان «المهلهل بن ربيعة وحرب البسوس». وارتاد الشاعر محمد عبد المطلب ميدان الشعر الملحمي فنظم كما ذكرنا «القصيدة العلوية»، التي يعارض فيها «القصيدة العمرية» لشاعر النيل حافظ إبراهيم، في مائتين وستين بيتًا وقد نظمها من بحر الوافر وروي الميم. وعلى صعيد رابع فقد نظم الشاعر محمد عبد المطلب الموشح كما نظم القصيد. وعلى وجه العموم فقد كان الشاعر محمد عبد المطلب ميالا في شعره إلى تمثل روح الحكمة، واستخدام غريب الألفاظ.

 

توجهه الفكري في شعره

لم يكن الشاعر محمد عبد المطلب يفهم وظيفته في الشعر على نحو منفصل عن توجهه الفكري في الحياة الدنيا، وأمور العقيدة الدينية، وإذا جاز أن يوصف واحد من رواد الشعر العربي المعاصرين لشوقي (1868 ــ 1932) وحافظ (1871 ــ 1932) بأنه سلفي فإنه هو الشاعر محمد عبد المطلب (1871 ــ 1931) على حين كان أحمد محرم (1877 ــ 1945) وأحمد الكاشف (1878 ــ 1948) مرتبطين ارتباطا وجدانيا بالدولة الإسلامية القائمة في ذلك الوقت وهي الدولة العثمانية. كان أحمد محرم كما وصفته في مدونتي عنه آخر شعراء الخلافة الإسلامية، وكان أحمد الكاشف قد ظل كما وصفته في مدونتي عنه عثمانيا طيلة حياته، وذلك على حين كان عبد الحليم المصري (1887 ــ 1922) مرتبطا وجدانيا بدولة خلفاء محمد علي في مصر فحسب، وعلى حين كان أحمد نسيم (1888 ــ 1938) مرتبطا وجدانيا بالبريطانيين ومعبرا عن الإعجاب بهم مع قدر من الانتماء لتوجهات الحزب الوطني، وإن كان هذا غريبا بعض الشيء.

 

أما الشاعر محمد عبد المطلب فقد كان سلفيا بكل ما تعنيه الكلمة، كان سلفيا في توجهه الديني، وكان سلفيا في توجهه الحضاري، وكان سلفيا في توجهه الإصلاحي والاجتماعي، وهو في قصيدته الدين للعمران يُعبر عن هذا المعنى بطريقة مجملة تلمس المشكلات الفكرية وتقاربها بذكاء مبسط ينتمي إلى ما يمكن لنا تسميته بالذكاء التعليمي الذي يخلو من الفلسفة والجدل، ويعول على الإيمان الصحيح، والتدين الصريح، ويعنى بالاستقامة وما تمثله من ضمان لخيري الدنيا والآخرة.

 

نشأته

قال الأستاذ أحمد الإسكندري ضمن ما قال في التعريف به في صدر ديوانه إنه ينتمي في سلسلة نسبه إلى «عشيرة أبي الخير»، وهي من عشائر «جهينة» نزلت مصر مع الفتح الإسلامي مع بطون قضاعة، وهكذا كانت لديه دوافع «العصبية» إلى جانب الدوافع الدينية والأدبية، وذكر الأستاذ أحمد  الإسكندري نسبه فقال إنه محمد بن عبد المطلب بن واصل بن بكر بخيت بن حارس بن قراع بن علي بن أبي خير، ولد ببلدة «باصونة» إحدى قري جرجا من أبوين عربيين ينتميان إلى أسرة أبي الخير، وأبو الخير هذا (وهو الجد السابع للفقيد) أبو عشيرة من عشائر جهينة، تربي على خمسة آلاف عدا، ويشاركها في الانتماء إلى جهينة عدة عشائر تناهز الخمسين ألفا..».

 

ثم قال الأستاذ أحمد الإسكندري: "وكان والد الفقيد رجلا صالحا، متفقها، متصوفا…، محبوبا عند جميع عشائر جهينة، أخذ طريق الصوفية عن الخلوتية عن شيخ الطرق الشهير إسماعيل أبي ضيف، ثم كان خليفة له بناحية جهينة». «وكان الشيخ إسماعيل أبو ضيف يتوسم في عبد المطلب منذ صغره النجابة، وطلاقة اللسان، فما علم أنه حفظ القرآن الكريم دون أن يبلغ العاشرة حتى أمر أباه بإرساله إلى الأزهر الشريف حيث ينزله في بيته بين أولاده وأسرته بجهة طولون، فجاور عبد المطلب الأزهر نحو سبع سنين، ثم انتظم في سلك طلبة دار العلوم أربع سنين».

 

تكوينه الثقافي والسياسي

كان الشاعر محمد عبد المطلب من الرعيل الأول من خريجي مدرسة دار العلوم، بعد أن جاور في الأزهر سبع سنين ثم دار العلوم أربع سنين، وقد درس علي يد كبار المعلمين أمثال الشيخ حسن الطويل، والشيخ محمود العالم، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ سليمان العبد حتى تخرج فيها 1896، في الدفعة السابقة مباشرة على دفعة الاستاذين الشيخين عبد العزيز جاويش وأحمد بك إبراهيم، والسابقة بدفعتين على دفعة الأستاذ أحمد الاسكندري أستاذ الأدب العربي الذي تولى تقديم ديوانه والتعريف بتاريخه. عمل الشاعر محمد عبد المطلب معلمًا في مدارس التعليم بمدينة سوهاج، وتنقل بينها، ثم انتقل إلى القاهرة مدرسًا بمدرسة القضاء الشرعي، وعمل معلمًا اللغة العربية بالأزهر، ثم نقل إلى ديوان الأوقاف الملكية وفي السنوات العشر الأخيرة من حياته ووظيفته ١٩٢١- ١٩٣١ عمل أستاذا في دار العلوم. ووصف معاصروه بعض سماته: يحفظ القرآن الكريم ويقرأه ببعض الروايات، شديد الحفاظ على شعائر الإسلام وآثاره، عاملا على نشر آدابه.

 

وعلى صعيد آخر فقد كان الشاعر محمد عبد المطلب من أبرز رموز المجتمع المدني وكان من اهم أعضاء جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية، وكانت له في كل من هذه الجمعيات الثلاث آثار محمودة. شارك الشاعر محمد عبد المطلب في ثورة (1919) بخطب وقصائد جعلته أحد شعراء الوطنية في مصر. تعتبر بعض قصائده في الرثاء بمثابة شعر وطني صرف مثل مرثيته الفائية في الزعيم محمد بك فريد.

 

الطابع الكلاسيكي لشخصيته

كان الشاعر محمد عبد المطلب (كما وصفه الأستاذ السكندري) حجة في الأدب واللغة، محيطا بأكثر جزلها وغريبها، وكان شاعرا منقطع النظير في شعره، لا يكاد سامعه يفرق بينه وبين شعراء أهل القرنين الثالث والرابع. والواقع أنه ليس من الصعب علينا أن نفهم فهما موازيا لفهم الأستاذ العقاد بدوافعه في تقييمه للشعر عند الشاعر محمد عبد المطلب، على النحو الذي يعنى بالشعر من حيث هو مرتبط باللغة والفصاحة اللغوية، بل بما يمكن لنا أن نسميه حضارة البادية العربية في صورتها المكتملة، رغم ما قد يعتقد من أن البادية والحضارة نقيضان (على نحو ما صور المتنبي في بيته ذائع الصيت: شعر الحضارة مجلوب بتطرية). وفي هذا الإطار فقد كان الشاعر محمد عبد المطلب يبدأ قصائده باستنزال الغمام، والوقوف على الأطلال، وذكر الأراك، والنوي، كما كان يفعل القدماء، وكان بهذا، في وقته، وحيدا في مدرسته الأدبية التي استقامت لها صحة الأسلوب من طريق الدعوة الدينية، وكان أوضح دليل حي على دور الدعوة الإسلامية في تخليص الشعر العربي من آفات الزخارف الشكلية.

 

توجهه السلفي في قصيدته: الدين للعمران

يبدأ الشاعر محمد عبد المطلب هذه القصيدة بوصف ما يعتريه من الشوق وهو بعيد عمن يشتاق إليهم، وهو يصف حال هذا "الشوق" في أربعة أبيات قبل أن يتوجه بالخطاب إلى من هو مشتاق إليهم في بيتين:

 

جرَى مع الشوق حتى عزَّهُ الأمَدُ

واستنجز الدمع لما شفَّه الكمَدُ

ناءٍ قضى البَيْنُ فيه حكمه فهوَى

تحت الصَّبابة لا ركن ولا عَمَد

صادٍ على النيل لا يُرْوي جوانحَه

إذا تَرَوَّى به الصادون وابتردوا

يشوقه الغَوْرُ إن هبَّت يمانيَةٌ

أو روَّحَ الركب حادٍ باللِّوَى غَرِد

يا جيرةَ الغور قد شَطَّ المزار بنا

وباعدت بيننا الأغوار والنُّجُد

ولم نحُلْ عن عهود بيننا سلفت

إذ حال قوم عن العهد الذي عهدوا

 

وفي البيت السابع يستأذن الشاعر محمد عبد المطلب في أن يزور، ويطلب الموافقة على الزيارة، ويقول إن مثل هذا الوعد الطيب كفيل بأن يجعل حياته برداً وسلاماً ثم هو يعود في البيت الثامن وما بعده إلى وصف اعتساف الشوق وتعكر الأيام، وتنكر الأهل بالغياب عنهم ويبلور هذه المعاني الدقيقة في بيت رائع هو البيت الحادي عشر الذي هو على بساطته يوجز التعبير عن المعاناة من الوحشة إيجازاً دقيقاً وموحيا:

 

أهلَ المصلَّى عِدونا أن نُلِمَّ بكم

إن المشُوق بطيب الوعد يَبْترد

طالت نواكم فطال الشوق واعتسفت

بنا الليالي فلا صبر ولا جَلَد

حالت بشاشاتُ هذا الدهر واعتكرت

أيامُنا وأُقِضَّ المنزلُ الرَّغِد

أنكرتُ قومي فلا قُربَى ولا رحِمٌ

وأنكروني فلا أمٌّ ولا ولد

يا رحمتا لغريبٍ بين عِتْرته

نبا به العيش حتى أوحش البلد

 

ويستأنف الشاعر محمد عبد المطلب في الأبيات التالية وصف حال هذا القريب المستوحش، ففي البيت الثالث عشر يشير إشارة صريحة إلى بطاح مكة فتبدو الصورة الشعرية التي رسمها، وقد اكتملت معالمها، واتضحت حدودها، وأصبحت في سبيلها إلى المزيد من التفصيلات.

 

يُذْري الدموعَ إذا ما الركب أزعجَهم

داعي السُّرَى فتنادَى البين وانجردوا

يا نازلي ذلك الوادي تموج بهم

بطاحُ مكةَ والعلياءُ والسند

هل يُبلِغُ الركبُ عن قلبي إذا نزلوا

ذاك الحمَى لوعةَ الوجد الذي يجد؟

أحبابَنا ضاقت الدنيا بما رَحُبت

والدهر في صرفه يغلو ويحتشد

 

 

ولهذا يبدأ الشاعر محمد عبد المطلب من البيت السادس عشر في إظهار عجبه مما يعتري الإسلام وأهل الإسلام من وحشة بسبب الفساد وبسبب تباطؤ المسلمين في نصرة دينهم.

 

أكلَّ يوم لنا في الدين مرزئةٌ

تهتز من وقْعِها الدنيا وترتعد؟

في كلِّ وادٍ على الإسلام منتحب

وكل وادٍ به للدين مفْتَقَد

مستوحشًا في ديارٍ كَمْ قضَتْ حقبًا

في ظله سروات الأمن تُقْتَعَد

يسعى الفساد إليه غيرَ مُتَّئد

لما رأى أهلَه في نصره اتَّأدوا

 

ثم يلجأ الشاعر محمد عبد المطلب في البيت العشرين إلى التوجه بالاعتذار إلى الله سبحانه وتعالى منزل الدين، معتذراً إليه عما فعله أهل الدين من الخروج على الدين مؤثرين حب الضلال.

 

يا مُنزلَ الدين أهلُ الدين قد خرجوا

بغيًا عليه وعن منهاجه حَرَدوا

ضَلّوه جَحْدًا لِـمَا أودعت من حِكَم

فيه ولو أنهم ذاقوه ما جَحَدوا

 

ويثني الشاعر محمد عبد المطلب بعرض تصوره عن الدين بدءاً من البيت الثاني والعشرين وهو التصور الذي لخصه في عنوان قصيدته بكلمة واحدة هي أن العُمران هو مقصد الدين، وهو يفصل القول في هذا المعنى بادئاً بالقول بأن الدين نظام حياة كفيل بإسعاد الناس، وبهذا التصور الذي يؤمن بأن الله جلّ جلاله لم ينزل لعباده إلا الخير يظهر الشاعر محمد عبد المطلب اطمئنانه إلى ما يمكن للدين أن يحققه للناس من سعادة إذا هم أطاعوه وهو المعنى الذي يلخصه البيت الثامن والعشرون بكل وضوح: من شاء أن يبلغ الدنيا بلا كدر / فالدين كالروح والدنيا له جسد:

 

ما الدين إلا نظامٌ للحياة إذا

سار الأنام على منواله سَعِدوا

لُطْفُ الخبير وتدبيرُ القدير وَمنْ

هو البصير بنا والسيِّدُ الصَّمَد

ورحْمةُ البارئ الرحمن مَنَّ بها

على العِبادَيْنِ مَنْ زاغوا وَمنْ عَبَدوا

سبحانه لم يَكِلْ قومًا لأنفسهم

حتى يحاروا فيستغويهم الفَنَد

فأنزل الدين للعمران مَعْدلةً

على قواعده العُمْرانُ يعتمد

لا يرتجي الله من نفعٍ إذا صلحوا

به، ولا يتقي ضُرًا إذا فسدوا

من شاء أن يبلغَ الدنيا بلا كَدَر

فالدين كالروح والدنيا له جسد

 

 

دعوة النبي عليه الصلاة والسلام

وينطلق الشاعر محمد عبد المطلب في البيت التالي مباشرة إلى الحديث عن دعوة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ويصف حال العرب قبل بعثة النبي عليه السلام وبعد أن أصبحوا سادة الدنيا، وأصحاب المكانة العليا في التاريخ، وعلّموا الناس مظاهر الحياة وجوهرها وأسرار الوجود بدون جفاف أو جحود.

 

دعا إلى الله خيرُ المرسلين به

قومًا على أمم الدنيا به مَجَدوا

كانوا حفاةً عُراةً ليس يجمعهم

شمل ولا يتعزَّى باسمهم بلد

حتى إذا استفتحوا باب الحياة به

وجاهدوا باسمه في الله واجتهدوا

إذا بهم سادةُ الدنيا وقادتها

تبؤَؤوا غارب التاريخ واقتعدوا

بنَوا، فلن تهدمَ الأحداثُ مارفعوا

ولا تُعفِّي يَدُ الأيام ما مَهَدوا

وعلَّموا الناس أسباب الحياة وأسْـ

ـرارَ الوجود فما جفّوا ولا جمدوا

مجد به تشهد الدنيا وإن عَمِيتْ

أبصارُ قوم فما راؤوا ولا شهدوا

تراث أحمد بل معنى الرسالة لا

ما أتْلَدَ الناسُ من مال وما اعتقدوا

 

 

ثم يخاطب الشاعر محمد عبد المطلب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في البيت السابع والثلاثين وما بعده مُهديا قصيدته إليه ويختم قصيدته ببيتين الأربعين والحادي والأربعين يتوجه بهما إلى قومه بالنصح الواعظ الصادق:

 

يا أكرمَ الناس عند الله منزلةً

وخيرَ مَنْ ولدت أمٌّ وما تلد

إليك يُزجي قصيد الشوق حافلةً

قومٌ لنصرك في نشر الهدَى قصدوا

على سبيلك ساروا في دعايتهم

إلى الهداية ما قاموا وما قعدوا

يا قومَنا إنما الدنيا إلى أجَلٍ

وإن تراخت بنا الآجال والـمُدَد

من يعرفِ الله يعرفْه الإله وما

تُقدِّموا عنده من صالح تجدوا

 

 

قصيدة محمد عبد المطلب في الاحتفال بشوقي

في هذه القصيدة التي تحمل «تحية شوقي» يبدأ الشاعر محمد عبد المطلب بالحديث عن الخيال الذي سيطر عليه في ليله ونومه، وهو يجيد وصف نومه القلق وصحوه المتدبر، وحالته النفسية المصاحبة للحالين، مقدما وصفاً نفسياً دقيقاً يعبر به عن مشاعر عميقة يصعب على من لم يمر بها أن يتصورها، وهو يعبر بهذا كله عن الاستهلال الذي لا بد منه لوصف هذا الشاعر العظيم (أحمد شوقي) الذي مرّ بمثل هذه الأحوال النفسية الدقيقة لكنه استطاع أن يُجيد التعبير عنها والامتنان لها لا بوصفها فحسب، ولكن بما أنجزه من أعمال شعرية بفضلها، أو هكذا يوحي هذا الشاعر العظيم بعد أن اعتمد هذا الأسلوب في بناء قصيدته واختاره للتعبير عن الإعجاب بالشاعر الكبير.

 

تأوِّبَني والليلُ بالصبح مزعجُ

خيال له في حِنْدِس الهمِّ منهجُ

يكلِّف جفنيَّ الغِرارَ لعلَّه

إلى النفس في طيّ الكرى يتدرَّج

ويَعْذلني في السّهد ياطيفُ رحمةً

فإني إلى زَوْرِ الكرَى منك أحوج

وهل نام قبلي في دجَى الليل ذو جوًى

تبيت به أحشاؤه تتوهَّج؟

طَليحُ أسًى لو أن بالليل همَّه

يضيق له صدر الظلام ويحْرَج

إذا ما بكى أبكى الحمامَ على الرُّبا

ألم ترها في لحنها تتهدّج؟

لقد سلبتْ جفني يدُ النجم غَمْضَهُ

ألست تراه حائرًا يتخلّج؟

وأرّقني من جانب الروض نفحةٌ

بأنفاسها ريح الصَّبا تتأرج

وما شغلت عيني عن النوم صَبْوَةٌ

بها شاقني طرف من الْعِين أبْرَج

ولم يُنْسني حظي من الحِلْم والنُّهَى

جبينٌ يروع الشمس بالحسن أبلج

ولا بات يغريني بمعسولة اللمى

إذا ابتسمت، ذاك الجُمان المفلَّج

ولا ذرفت عيني لركب يَشُوقُني

غداة النوى، فيه خِباء وهَوْدَج

لويتُ زمامَ النفس عن سنن الهوى

وخلِّيت أتراب الهوى حيث عرّجوا

ورحتُ إلى ما يبتني المجدَ للفتى

وأدلجْتُ في ركب العُلا يوم أدلجوا

وما المجد إلا حيث حلّت رباعُنا

له في نواحيها ظلال وسَجْسَج

إذا أجدبت أحسابُ قوم سما بنا

على الناس جيَّاش الغوارب مُرْتَج

لنا الباذخات الشمُّ تعلو قِلالها

على كل ما شاد الأنام وبرَّجوا

سلوا الدهر عنا في القديم فإنما

بأسلافنا يذكو قديمًا ويَأْرَج

 

ويبدأ الشاعر محمد عبد المطلب في مدح شوقي بوصف الشرق بعد أن ألقى (على الدهر) بالمسئولية عن وصف العشيرة التي ينتميان إليها وهو يلخص وصف عبقريات الشرق في البيت الذي يقول فيه:

 

ففـي مـصرَ خِنْذيذٌ وفي الشام مُفْلِقٌ     وفـي نجـدَ فحْلٌ والعراقيين مُفْلِج

 

ثم يصف الشاعر محمد عبد المطلب اجتماع هذه الشعوب الأربع (وغيرها بالطبع) لتكريم شوقي بأنه شبيه باجتماع الأوس والخزرج وائتلافهم في طاعة الله، وهو تشبيه جميل في مغزاه، حتى وإن لم يكن من الممكن أن يصل حب شوقي إلى مستواه.

 

هو الشرق مجلىَ النيِّرات ولم يزل

ضياء ٌعلى الدنيا من الشرق يَبْلُج

ومبعثُ رسْل الله للناس رحمةً

تَسُنُّ الهدى للمهتدين وَتْنهَجُ

ومهبط أملاك السماء، عليهمُ

تَنزَّل بالذكر الحكيم وتعرج

وما زال منا كلُّ أروعَ سابقٍ

بسيرته الأيام تشدو وتلهج

ففي مصرَ خِنْذيذٌ وفي الشأم مُفْلِقٌ

وفي نجدَ فحْلٌ والعراقين مُفْلِج

شعوب لتكريم البيان تألَّفت

كما ائتلفت في الله أوسٌ وخزرج

أهاب بهم إخوان شوقي فأقبلوا

وفودًا بهم تُحْدَى الرِّكاب وتُحْدَج

يحيُّون مصرًا في تحية «أحمدٍ»

وأمَّ اللّغَى فيما أجادوا ودبَّجوا

 

ثم هو يخاطب شوقي بأنه "شاعر النيل" وكأنه يوحد بينه وبين حافظ إبراهيم الذي اشتهر بهذا اللقب، وكأنه لا يجد فارقاً بينهما، وإنما يراهما شيئاً واحداً، وكأنه يرى اللقب صالحا أيضا لأحمد شوقي، وهو يقول: فقف يا شاعر النيل لتستمع نشيد المعاني في مدحك وهو يهدج، ولا ينسى الشاعر أن يحدد موقعه الواضح في الاعتزاز بنهجه الشعري السلفي الذي يعاديه بعض الناس (من باب السفاهة على حد تعبيره الصريح) وهو يقول هذا بعد أن يشير إلى أنه يمدح شوقي بهذا النهج القديم.

 

فقف ساعة يا شاعر النيل تستمع

نشيدَ المعاني في مديحك يُهْزَج

يرجِّع بالإحسان بين يديك ما

سننتَ له والحسن للحسن يُنْتِج

رأوك بديعًا في الجديد فأبدعوا

وعُجْتَ على حسن القديم فعوَّجوا

وفي الناس من عادى القديم سفاهةً

وأغلق عينيه الجديدُ المبهْرَج

أبى الله إلا أنْ يكون بمجده

قديمًا وراح الملحدون فلجلجوا

 

ثم إن الشاعر محمد عبد المطلب يخاطب شوقي في الأبيات الثلاثة الأخيرة خطابا مباشرا يبدأه بأن يسمي شوقي أخاه، وينتهي منه إلى أن ينسب تحيته له إلى دار العلوم مدرسته العليا التي تحب أن تحيي شوقي، واصفاً مدحه بالبهجة التي لا تقل عن بهجة الروض.

 

أخي والسُّلاف البابليُّ بيانه

يُعَلُّ به السحرُ الحلالُ ويمزَج

إليك نسجنا في القريض عواطفًا

تحاك على صدق الوفاء وتُنْسَج

تُقدِّمُها «دارُ العلوم» تحيةً

لشوقي كَنَوْرِ الروض أو هِيَ أبهَج

 

 

من قصيدته: موقف التوديع

وهذه قصيدة وجدانية تحفل بأبيات أقل صعوبة يعبر بها الشاعر محمد عبد المطلب عن مشاعره في موقف نفسي دقيق فيجيد التعبير على الرغم من سلفية أدواته واستعاراته وبعض ألفاظه:

 

سلوا جَفْنَ عيني ما له بات ينزفُ

وعهدي به إن سُمْتُه الدمعَ يأنفُ

ويا ربَّ هَمٍّ يملك النفس بالأسَى

ويعدو على العين الجمود فتذرف

وما أنا! ما دمعي! وفي مصرَ أَنَّةٌ

بها الطير نَوْحٌ والغمائمُ وُكَّف

بَكَيْنَ غريبًا طرَّحَ البين داره

فلا العَود مأمولٌ ولا الدار تُعْرَف

وما أنكرت مصرُ ابنها فَنبَتْ به

ولكنه دهر على الحُرّ يُجْنِف

ثَوى غربةً، بعد المعاد قرارها

فيا طول ما يستشرف المتشوّف

وكنا حَسِبْنا شُقَّةَ البين تنطوي

فيأوي إلى مِرْباعه المتصيِّف

وأطمعَنا في الملتقى لمع بارق

من السلم في ليل الحوادث يَخطِف

فلم نر سلمًا ينتهي النأيُ عندها

بِنَاءٍ ولا حَتْمَ الردى يتخلّف

ويا موقف َالتوديع هل تُسعد المنَى

فيجمعَنا يومٌ بمصرَ وموقف؟

أخاف المنايا أن يكنَّ رواصدًا

وما ليَ من أسبابها أتخوَّف؟

تحدثني طيرٌ جرَيْنَ بوارحًا

بأن المطايا بي إلى الموت تزحَف

ويحزنني وِرْدُ المنايا ولم تزل

بلاديَ تحبو في الإسار وَترْسُف

حرام علينا أرضُها وسماؤها

أَلِيَّةَ من لا يمتري حين يحلف

ويا فلْكُ باسم الله مجراك أقلعي

فإما الرَّدَى أوينصف النيلَ منصف

فما كان إلا أن طوى البحر والثرى   

وحجَّبه سترٌ من الغيب مُسْجَف

فدون تلاقِينا ليال وأشهر

وبين ديارينا جبال وصَفْصَف

هنالك ألْقَى في بني الغرب رَحْلَهُ

على هِمَّة من هَمِّها الدهر يكْلَف

بعيد المرامي لا تهدُّ صفاتَه

عوادٍ إذا صُبَّتْ على «الإلب» تحرَف

تقذّفه في زاخر البأس همّة

جديرٌ بها الليث الهَصور المقذَّف

وهَيْهاتَ أن يخشى أخو الحق قوةً

سوى الحق أو يعنو لبأس فيضعُف

قضى اللهُ أن يُسْقَى «فريدٌ» بأرضنا

 كؤوسًا بالاستسقاء للنفس تَخطِف

يعزّ على «برلين» أن يغلب الردى

عليك بنيها، والردى ليس يُصرف

أطبَّاءَهُ لو يستطيع فداءَه

بنو مصرَ غالَوْا في الفداء وأسرفوا

قليل عليه لو يفدِّيه قومه

بما جمعوا من تالدٍ أو تطرفوا

فليت الليالي سالمت فيه أمةً

براها الأسَى من بعده والتلَهُّف

عرفنا له برَّ الوفيّ بعهدها

إذا خان قومٌ عهد مصر فلم يفوا

أفاض عليها نفسه بعد ماله

ومال بهم عنها مَتاع وزُخْرف

ولولا رجال مؤمنون نجوا بها

لراحت بها ريحٌ من الغدر زَفْزف  

 

 

آثاره الشعرية

«ديوان عبد المطلب» – شرح وتصحيح إبراهيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي، مطبعة الاعتماد وقد أشرف على طبعه رفيقه وصديقه الشاعر محمد الهراوي ١٨٨٥- ١٩٣٩. 

 

مخطوطاته في الأدب

– قصة بعنوان «امرؤ القيس» ضمنها بعض شعره   

– تاريخ أدب اللغة العربية – في ثلاثة أجزاء

– الجولتين في آداب الدولتين  

 وإعجاز القرآن.

 

وفاته

توفي الشاعر محمد عبد المطلب في ١٩٣١

 

حفل تأبينه والدراسات التي كرمته

أقيم للشاعر محمد عبد المطلب حفل تأبين برعاية وزير المعارف العمومية محمد حلمي عيسى في 10 من ديسمبر من عام وفاته وحفل آخر في دار جمعية الهداية الإسلامية في الخميس التالي للحفل الأول، وجمع ما قيل فيهما في عدد خاص أصدرته مجلة الهداية الإسلامية عنه.  كتب عنه، والدكتور أحمد هيكل في كتابه تطور الأدب الحديث في مصر، المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه شعراء الوطنية في مصر، والدكتور عمر الدسوقي في كتابه في الأدب الحديث، والدكتور محمد عبد الجواد في كتابه   تقويم دار العلوم، والدكتور أحمد هيكل في كتابه تطور الأدب الحديث في مصر وعبد الله شرف: شعراء مصر 1900 – 1990.



حول هذه القصة

لُقّب بـ”شاعر الرفض”، وكان من الفظاظة والحدة في اللقاء ماينفّر الكثير منه ويجعله على الصعيد الاجتماعيّ “فاشلًا”، فهو رجلٌ لا يؤلَف، يتعسّر معه استكمال حديث، يُنقّب عن نقاط ضعفك ويهاجمك.

مارس الدكتور إبراهيم عبده الوظائف المدنية ولمع اسمه في الأستاذية الجامعية والصحافة وكتابة المقالات، كما أثبت نجاحاً بارزاً في النشر والطباعة، وأصبح في عهد الاشتراكية واحداً من أصحاب دور النشر.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة