كيف يُجْلي التفكًر في آيات الآفاق والأنفس حقائق نغفلها؟

"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ". فصلت 53، نعيش في غفلة من أمرنا، ونتوغل في الحياة وملذاتها ونذوب في ذواتنا ونتماهى مع متطلباتها وحاجياتها، وقلما نتذكر أوقاتا نتساءل فيها حول الغاية من الحياة وحقيقة الكون، وهل الطريق الذي نسلكه هو مسرى بلوغ تلك الحقيقة. فالمجتمع وهمومه وانشغالاته اليومية، تفرض علينا قهرية الانغماس والذوبان في حركيته. لكن وفجأة، عند لحظة معلومة ينكشف الحجاب وتتجلى الغشاوة، وربما تكون بعض الأحداث المؤلمة التي نتعرض لها، هي ما تبعث على تلمس تلك اللحظة الانكشافية ونتساءل، ما غايتي الكلية من الحياة؟ وهل أنا تكرار نفسي؟ وهل نحن ضحايا سفاسف الأمور التي لا تنتهي؟ هل نحن نسير في طريق الحق والحكمة والخير ونلمس قول الله من تبيانه لنا آيات الأفاق والأنفس؟

   

كل هذه الأسئلة الوجدانية العميقة، تحدث لنا ونحن في غمرة الانغماس في الحياة. لكنها تصبح وليدة الإرادة الذاتية عند التفكر في آيات الأفاق والأنفس، وليس العكس لحظة محطات حزن وانزواء. فهي وقت تأمل، حيث يعود العقل لوظيفته الأولية وهي الانشغال بالغايات الكبرى، أورد القرآن الكريم في غير ما موضع، آيات يدعو فيها للتفكر والتبصر وإعمال العقل، فلا يعقلها إلا أولو الأبصار. هذه الخاصية الفريدة والتي تميز الإنسان للنفاذ لجوهر الأشياء وكنه مكونها لمعرفة الحقيقة الجلية والكونية. فالتفكرهو مدعاة للتقرب إلى الله والتسليم بالحقيقة الكلية للخلق ونحن في غمرة الحياة. وهذا هو أصل الأمر الذي أخذ من الإنسان الوقت الكثير ومازال لبلوغ الحكمة والعلم. فإنما الذين يخشون الله حقا إنما هم العلماء بلفظ القرآن الكريم: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ". فاطر:28.

   

الصواب أن نُعوّد أنفسنا على الارتباط بالطبيعة من خلال التأمل والتدبر في حال العوالم المتعددة التي توجد في هذا الكون الفسيح

وهي التي جاءت في سياق عددت فيه الآية ألوانا من الخلق حيث قوله الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور. فاطر:28. فهؤلاء العلماء، هذه الطينة الفريدة شُغلُهم هو المعرفة والتدبر والتفكير في الخلق والتاريخ وأسرار الكون والإنسان، ونجد في مسألة تبصر الحقيقة، أن هناك من استسلم للبحث عن الماهية الناظمة للكون، ودفع به الاستسلام إلى الرضى بما يظهر من الأشياء وهذا شأن الفلسفات المادية والوضعية التجريبية. وقد شغلت هذه الفلسفات الناس بدورهم عن السؤال عن الحقيقة. ضرب الإنسان التجريبي جميع الأسئلة الكبرى عرض الحائط، وحاد بنفسه للقبول بأن الحقيقة هي ما نراه ونلمسه ونستشعره بحواسنا، وما غير ذلك فهو مضيعة للوقت فلا نور في حلكة الظلام والميتافيزيقا. فالإنسان بتسليمه بهذا الواقع إنما رمى بنفسه في بئر عميقة لا يصلها دلو. وهو بهذا أحدث فجوة كبيرة بين نعمة العقل وسر الفطرة، وبين الأسئلة الفطرية حول ماهية الموجود وحقيقة الوجود.

    

ربما تعرض العلماء أو من انشغل بطرح هذا اللون من الأسئلة الغائية في فترات من حقب زمنية لاضطهاد وقسوة المؤسسات الدينية، وقد اتهموا بالزندقة، وشواهد من التاريخ حبلى بهذه العدمية ورؤية الظلام ممن ادعوا أنهم حماة عقيدة. رغم أن الديانات التوحيدية كانت دائما تدعو إلى التفكر والتبصر، فهذه المسألة هي تقرب وعبادة لله وهي علم ورشد وحكمة وعرفان وسكون. فالإقرار بوحدانية الله في الكتب السماوية هي نقطة فيض لتلمس الحقيقة والسير فيها.

  

ونحن بهذا نود أن نجلي الحقائق التالية: أن التفكر في بديع الخلق في كل صغيرة وكبيرة، في النجوم وضوء الشمس وانتظام النمل والنحل، إنما يشغل تفكيرنا ليعرفنا بالجمال الكوني وبهذه الهندسة الربانية الفريدة الواحدة ليس كمثلها شيء. ونقر عند هذا الموقف، أننا نتوه ونغفل عن هذه الشواهد، ومرد ذلك أن تكرارها ولّد فينا الاطمئنان والتعود ولم نعد نرى غير ظاهر الشيء فالعادة تضعف الحس البشري، أننا نميل لتذكر حقيقة الخلق والخالق بالمشاهد المؤلمة وبفواجع الأحداث ومن خلال الأزمات المستعصية، وجائحة كورنا شاهد اليوم. ونحن بهذا لا نستجلي العظمة والحقيقة الكونية في آيات الأفاق والأنفس إلا بلحظات نادرة.

   

فالصواب أن نُعوّد أنفسنا على الارتباط بالطبيعة من خلال التأمل والتدبر في حال العوالم المتعددة التي توجد في هذا الكون الفسيح، وخلاصة القول، أن التفكر في آيات الأفاق والأنفس يذكرنا بجوهر وحقيقة وجود الإنسان، والغاية الكبرى التي قبل بها وأبت المخلوقات الأخرى أن تحملها، وهي تكليف الاستخلاف في الأرض والحفاظ عليها. فالإنسان في غفلة، والكون يذكره بهذا التكليف وبحقيقة وجوده.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

التفكير الإيجابي يجعل نظرتنا للأمور أكثر إشراقاً وتفاؤُلاً، من خلالها يكون الارتقاء بأفكارنا، فالنظرة الإيجابية تجعل أجسامنا أكثر مقاومة للأمراض وأكثر سعادة في حياتنا.

تنتشر موضة "التفكير الإيجابي" على نطاق لم يسبق له مثيل، آسرة عقول المفكرين، والكتاب، والصحفيين، ورواد وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يعتقدون أنها الطريقة الثقافية الفضلى لمواجهة التداعيات النفسية لهذا الفيروس.

الأكثر قراءة